أجرى مراسلا صحيفة فايننشال تايمز في روسيا، ماكس سيدون، وهنري فوي، مقابلة مع وزير الاقتصاد الروسي ماكسيم أوريشكين حول تطلعات روسيا لإتمام معاملات الطاقة بعملة أخرى غير الدولار الأمريكي، سواء كان اليورو أو الروبل الروسي. لكن هل تنجح محاولة روسيا؟ 

كانت إيران قد أثارت القضية ذاتها منذ سنوات، حول تسعير النفط بسلة من العملات غير الدولار، ولكن المحاولة لم تسفر عن شيء ملموس. وتستكشف روسيا حاليًا سبل التعامل باليورو والروبل في صادراتها الهائلة من الطاقة في محاولة لتجنب الدولار والتغلب على عزل موسكو عن النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد، صرح ماكسيم أوريشكين، وزير الاقتصاد الروسي لصحيفة فاينانشال تايمز بأن روسيا تريد تقليص نفوذ الولايات المتحدة إلى أدنى حد، عن طريق جذب المزيد من المستثمرين إلى التعامل بالروبل بدلًا من الدولار.

وقال أوريشكين في مقابلة مع الصحيفة البريطانية «لدينا عملة جيدة للغاية، إنها مستقرة. لماذا لا نستخدمها في المعاملات العالمية؟»، وأضاف «نريد تسوية مبيعات النفط والغاز بالروبل في مرحلة ما… السؤال هنا يتعلق بعدم تحمل أي تكاليف باهظة من جراء فعل ذلك بهذه الطريقة، ولكن إذا جرى وضع البنية التحتية المالية الموسعة، وإذا كانت التكاليف الأولية منخفضة جدًّا، فلما لا نمضي قدمًا؟».

خطة روسيا «للتحول عن استخدام الدولار»

وصدرت شركة «جازبروم» التي يسيطر عليها الكرملين ما قيمته 51 مليار دولار من الغاز الطبيعي إلى أوروبا في العام الماضي، بينما صدرت شركة «روسنفت» المملوكة للدولة 123.7 مليون طن من النفط.

Embed from Getty Images

وسعَت موسكو إلى تعويض تعرضها للعقوبات الاقتصادية الأمريكية من خلال خطة «للتحول عن استخدام الدولار»، تضمنت إصدار برنامج سندات وزارة المالية لجميع الديون الجديدة باليورو والروبل. وخفض البنك المركزي حيازته من ديون الخزينة الأمريكية من 96 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار فقط، في الأشهر الثمانية عشر الماضية.

وأوضح أوريشكين في مقابلته مع فاينانشال تايمز أن شعبية السندات المحلية لروسيا بين المستثمرين الأجانب – الذين يمتلكون 29% من ديونها بالروبل- تشير إلى أن موسكو ستكون قادرة على بيع صادراتها من الطاقة بالعملة المحلية.

وأضاف أن «شركات الاتحاد الأوروبي والمستثمرين يشترون الأصول المقيمة بالروبل. وإذا نظرت إلى شعبية سوق السندات المحلية، فهي ضخمة للغاية. وهذا يعني أن أصول الروبل موجودة بالفعل في الميزانية العمومية للمستثمرين الأوروبيين. لذلك، في مرحلة ما في المستقبل، يمكن لشركات الطاقة أيضًا أن تستخدم أصول الروبل».

وتابع أوريشكين «لديك أسعار سلبية باليورو، ولديك أسعار إيجابية بالروبل، مع تضخم مستقر ويمكن التنبؤ به. لا توجد قيود على رأس المال لأنها مرنة للغاية، يمكنك الدخول أو الخروج في أي وقت».

وتستكشف شركات النفط والغاز المملوكة للدولة، والتي تهيمن على الاقتصاد الروسي بالفعل، تسويات بعملات بديلة في مواجهة التوترات الجيوسياسية المستمرة مع الولايات المتحدة. إذ سعرت روسنفت مناقصاتها الفورية لشهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين أول) باليورو، في حين باعت شركة جازبروم في مارس (آذار) أول شحنة من الغاز الطبيعي مسعرة بالروبل لشركة أوروبية غربية.

ماذا تستفيد روسيا من هذا التغيير؟

ويتابع التقرير: إن تحويل إيرادات النفط والغاز، والتي تمثل نحو نصف ميزانية روسيا، بعيدًا عن الدولار، سوف يمثل تغييرًا كبيرًا بالنسبة للبلاد، المتوقع أن تسجل فائضًا في ميزانية 2019 تبلغ قيمته 1.5% من إجمالي الناتج المحلي، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى سعر الصرف المواتي للروبل.

وقال أوريشكين في المقابلة مع الصحيفة إن الحكومة على استعداد لإنفاق «مبلغ محدود» من صندوق الثروة القومي، الذي يحوي 8.2 مليار روبل، وهو المبلغ الذي توفر منذ عام 2017 من خلال عائدات مصرفية إضافية على جميع النفط المباع بأكثر من 40 دولارًا للبرميل، على المستوى المحلي.

ويأمل الكرملين في أن يؤدي الإنفاق الإضافي إلى بدء نمو الاقتصاد المتداعي، المتوقع أن ينخفض ​​إلى أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وقد دعمته طفرة في القروض الاستهلاكية غير المستدامة.

وقال أوريشكين عن صندوق الثروة «عندما تنخفض أسعار النفط، فإن هذا يعني عدم وجود إمدادات كافية من العملة الأجنبية للاقتصاد. أنت بحاجة إلى تغطية العجز بأصول العملة الأجنبية التي لديك». وأضاف أن أي فائض أعلى من المستوى الكافي لتغطية انخفاض أسعار النفط يمكن إنفاقه.

وكان أوريشكين قد طالب أصلا باستثمار الأموال في الخارج على غرار صندوق الثروة السيادية النرويجي. وقال إن التحول الأخير في السياسة نحو الإنفاق المحلي سوف يتم بما يتماشى مع الاستثمارات الخاصة الإضافية، وسيسعى إلى تخفيف مخاوف البنك المركزي بشأن ارتفاع التضخم المحتمل.

Embed from Getty Images

تعزيز التجارة الثنائية بين روسيا والاتحاد الأوروبي

وقال أوريشكين أيضًا إن روسيا تنوي تعزيز التجارة الثنائية مع الاتحاد الأوروبي. في الأشهر الأخيرة، دعا قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التقارب السياسي واستعادة العلاقات التجارية مع موسكو، بعد خمس سنوات من العقوبات المفروضة عليها بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014.

واستطرد أوريشكين في مقابلته مع فاينانشال تايمز «عندما كان ماكرون وزيرًا للاقتصاد الفرنسي، كان يترأس لجنة التنمية بين روسيا وفرنسا. إنه يعرف الآن كيفية التواصل وكيفية إقامة مشروعات مشتركة».

ويريد الاتحاد الأوروبي ضمان أن تتمكن شركات مثل نوكيا وإريكسون من التنافس مع شركة هواوي الصينية في السوق المزدهرة في روسيا، في اتصالات الجيل الخامس للهواتف المحمولة، كما يأمل منتجو الأغذية في العودة إلى الأسواق الروسية التي يصعب الدخول إليها بسبب الإجراءات الحمائية التي اتخذتها روسيا ردًّا على العقوبات الأوروبية.

لكن من غير المرجح أن تقبل روسيا بدخول صادرات الأغذية من الاتحاد الأوروبي ما لم تسهل بروكسل وصول موسكو إلى السوق الأوروبية في المقابل، على حد قول أوريشكين.

ويختم الوزير الروسي قائلًا: «هناك أيضًا الكثير من الحواجز على الجانب الأوروبي فيما يتعلق بالدعم الزراعي والنظم الفنية، مما يحد من وصول المنتجات الروسية إلى السوق الأوروبية وهلم جرا، إذا كنت تتحدث عن التجارة الحرة، فيجب أن تكون تجارة حرة حقيقية، وليست تجارة حرة جزئيًّا».

«مذبحة مالية عالمية».. من الرابحون والخاسرون من اندلاع حرب العملات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد