يبدو أن وضع محطة الفضاء الدولية (ISS) مستقرٌ الآن وفي أمان بعد التجربة الصاروخية التي أجرتها روسيا لتفجير قمر صناعي معطل عن العمل، إلا أن المخاوف تكمن في أن تصبح هذه التجارب أكثر شيوعًا.

نشر موقع «ڤوكس» تقريرًا أعدَّته ريبيكا هيلويل، مراسلة صحفية تغطي التكنولوجيات الناشئة والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية، سلَّطت فيه الضوء على خطورة مشكلة الحطام الفضائي بعد التجربة الصاروخية التي أجرتها روسيا لتفجير قمر صناعي معطل عن العمل، موضحةً أن الأكثر خطورة في هذه المشكلة أن لا أحد يتحمل مسؤولية ذلك الحطام الفضائي. 

خطر الحطام الفضائي

في مطلع تقريرها، أشارت المراسلة إلى أن روسيا أسقطت قمرًا صناعيًّا يعود إلى الحقبة السوفيتية في تجربة صاروخية أجرتها يوم الاثنين الماضي، ما تسبب في تناثر أكثر من 1500 قطعة من المخلفات التي يمكن تعقبها في الفضاء. وبسبب هذه التجربة، اضطُر رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية إلى الاحتماء لمدة حوالي ساعتين في مركبتين فضائيتين قد تعيدهم إلى الأرض في حالة حدوث ارتطام وشيك ومدمر.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«جاكوبين»: أثرياء العالم يحتفلون في الفضاء بينما تحترق الأرض!

بينما تبدو محطة الفضاء الدولية في الوقت الحالي في وضع مستقر وآمن، يرى الخبراء أن الأوضاع تظل تمثل خطورة، ومن المحتمل أن يحتاج مشغلو الأقمار الصناعية إلى التنقل لعدة سنوات وربما عقود حول هذه الغيوم الجديدة من النفايات الفضائية.

ويُوضح التقرير أن هذه التجربة الصاروخية الأحدث التي أجرتها روسيا ربما تكون قد أسفرت في الواقع عن زيادة إجمالي كمية المخلفات الفضائية، ومنها حطام الصواريخ والأقمار الصناعية التي تسبح في مدار الأرض، بنسبة تقدر بحوالي 10 في المئة. وتسبح هذه القِطع المحطَّمة في الفضاء بسرعات هائلة بصورة مذهلة وتمثل خطرًا إذا ارتطمت بالأقمار الصناعية النشطة التي تُشغِّل التكنولوجيات البالغة الأهمية، مثل الملاحة بالنظام العالمي لتحديد المواقع (GPS) والتنبؤ بأحوال الطقس.

وبالفعل، يُعد هذا الحطام الفضائي خطيرًا جدًّا لدرجة أن مسؤولي الأمن القومي الأمريكي يشعرون بالقلق من إمكانية استخدامها سلاحًا في أي حرب فضائية مقبلة. بل وقد صرحت وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل أن التجربة الصاروخية التي أُجرِيت يوم الاثنين تمثل دليلًا على أن روسيا ترغب بشدة في ترك مخلَّفات تهدد سلامة جميع الدول العاملة في المدار الأرضي المنخفض، بل وتخاطر بتقويض السلام في الفضاء.

العالم بعيد جدًّا عن حل مشكلة النفايات الفضائية

يشير التقرير إلى أن هذه المخاطر أدَّت إلى زيادة مخاوف أن العالم أبعد ما يكون عن حل مشكلة النفايات الفضائية، لا سيما مع إطلاق الشركات الخاصة والحكومات الأجنبية آلافًا من الأقمار الصناعية الجديدة في المدار، مما تسبب حتمًا في تكوين مزيد من النفايات الفضائية. ومع ذلك، كانت أحداث يوم الاثنين حافلة بالكثير من الناحية السياسية أكثر من حادثة الحطام الفضائي المعتادة. وأطلقت الحكومة الروسية ما يسمى باختبار سلاح مضاد للأقمار الصناعية (ASAT)، والذي يظهر من اسمه، أنه مصمم لتدمير الأقمار الصناعية في المدار.

Embed from Getty Images

وقد أطلقت روسيا هذا الصاروخ من موقع يبعد بضع مئات الأميال في شمال موسكو، وضربت به قمر تجسس روسيًّا معطلًا عن العمل يسمى «كوزموس- 1408» كان يدور حول الأرض منذ عام 1982. وأدَّى ذلك إلى تحطيم القمر الصناعي وتحويله إلى آلاف من الشظايا والقِطع التي تسبح حاليًّا حول الأرض بسرعة تُقدَّر بحوالي 17 ألف ميل في الساعة، وتمر بمحطة الفضاء الدولية كل 90 دقيقة تقريبًا. وفي حين أن رواد الفضاء لم يعودوا بحاجة إلى مأوى يحتمون به، فلا يزال التهديد الذي يشكله حطام القمر الصناعي على محطة الفضاء الدولية أو الأقمار الصناعية الأخرى قائمًا.

وفي هذا الصدد، قال بيل نيلسون، مدير وكالة ناسا في بيان «أشعر بالغضب من هذا العمل غير المسؤول والمُزعزع للاستقرار. ومع تاريخها الممتد والحافل في رحلات الفضاء البشرية، يستحيل تصور أن تجري روسيا تجربة لا تُعرِّض رواد الفضاء الأمريكيين والدوليين على محطة الفضاء الدولية للخطر فحسب، ولكنها أيضًا تُعرِّض رواد الفضاء الروسيين للخطر نفسه». وأضاف نيلسون واصفًا تصرفات روسيا بأنها كانت «متهورة وخطيرة» كما أنها تعرِّض رواد الفضاء الموجودين على متن محطة الفضاء الصينية «تيانجونج» للخطر.

100 مليون قطعة من الحطام الفضائي

يلفت التقرير إلى أنه في الوقت الذي أقرَّت فيه روسيا بتدمير ذلك القمر الصناعي في تلك التجربة الصاروخية الأحدث، أصرَّت وزارة الدفاع الروسية على أن التجربة لم تعرِّض محطة الفضاء الدولية لأي خطر. وبهذه التجربة، تصبح روسيا من بين الدول الأربع، والتي تضم إلى جانبها الهند والولايات المتحدة والصين، التي تُفجِّر قمرها الصناعي باستخدام صاروخ مضاد للأقمار الصناعية.

وينذر هذا التوجه بالخطر؛ لأن الحكومات التي لديها أنظمة مضادة للأقمار الصناعية، يمكنها استخدام هذه التكنولوجيا لمهاجمة الأقمار الصناعية التابعة لدول أخرى، وتحويل الفضاء إلى ساحة معركة.

Embed from Getty Images

بيد أنه حتى إذا كانت الدول لا تستهدف سوى الأجسام الفضائية التابعة لها، فإن التجربة الصاروخية التي أجرتها روسيا توضح كيف يمكن للحكومات أيضًا استخدام الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية لإنشاء مخلَّفات تهدد الدول والشركات والأشخاص الذين يعملون في المدار. وللتأكيد مرةً أخرى، يمكن أن تظل هذه المخلفات تهديدًا لعدة سنوات بمجرد إنشائها. وفي الأسبوع الماضي فقط، اضطُرت محطة الفضاء الدولية إلى تعديل مستوى ارتفاعها حوالي ميل واحد لتجنب الاصطدام بحطام فضائي ناتج عن تحطيم قمر صناعي ضربته الصين في عام 2007.

ويؤكد التقرير أن مشكلة النفايات الفضائية تتفاقم. إذ أفادت وكالة ناسا أنه في الوقت الحالي تسبح حول الأرض أكثر من 100 مليون قطعة من مخلفات الفضاء يقدر حجمها بأكثر من واحد ملليمتر. ومنذ مايو (آيار) الماضي، تعقبت وزارة الدفاع الأمريكية أكثر من 27 ألف قطعة من الحطام المداري، ولكن تظل هناك احتمالية أن تشكل القِطع الأصغر خطرًا هائلًا على الأقمار الصناعية والمحطات الفضائية الأخرى بسبب سرعتها الهائلة والمذهلة التي تسبح بها في الفضاء.

وفي السياق ذاته، قالت ويندي ويتمان كوب، الأستاذة المشاركة في الدراسات الإستراتيجية والأمنية في كلية القوات الجوية الأمريكية للدراسات الجوية والفضائية المتقدمة: «لا أعتقد أنه يمكن للعالم أن يبالغ في تقدير خطر الحطام الفضائي في هذه المرحلة. لكن مع إنشاء مزيد من الحطام الفضائي، فإن فرص ارتطام هذا الحطام بأشياء أخرى وإنشاء مزيد من ذلك الحطام تتزايد نوعًا ما».

لا أحد يتحمل مسؤولية النفايات الفضائية

ينوِّه التقرير إلى أن الأمر الذي يجعل مشكلة النفايات الفضائية بالغة الصعوبة هو أنه لم يتحمل أحد مسؤوليتها. وبحسب معاهدة الفضاء الخارجي، وهي الإطار الأساسي للقانون الدولي للفضاء، تظل الدول مالكة أي أجسام ترسلها إلى الفضاء، لذلك لا تزال روسيا تمتلك تقنيًّا جميع أشلاء القمر الصناعي التي تكونت جراء التجربة الصاروخية التي أُجريت يوم الاثنين، ولا يوجد توافق آراء عالمي بشأن العقوبات المفروضة على إنشاء مخلفات فضائية، ولا يزال تعقب أجزاء مختلفة من الحطام الفضائي وإسنادها إلى العمليات الفضائية التي يقوم بها عديد من الدول أمرًا صعبًا.

ريادة أعمال

منذ 3 شهور
ملياديرات العالم يتصارعون على غزو الفضاء.. هل يصبح 2022 عام السياحة الفضائية؟

وتعمل الوكالات الحكومية وشركات الفضاء الخاصة على تطوير تكنولوجيا للتخلص من النفايات الفضائية، مثل الشبكات التي يمكن أن تلتقط الحطام في المدار وبعض الأجهزة التي تدفع الأقمار الصناعية إلى الغلاف الجوي لكي تتفتت وتتلاشى. لكن هناك مخاوف من أن الحكومات يمكن أن تستخدم الأدوات نفسها لإسقاط الأقمار الصناعية التابعة لدول أخرى. وفي الوقت نفسه، من النادر أن يوضع في الحسبان التكلفة اللازمة لإنشاء مخلفات فضائية والتخلص منها عند اتخاذ قرار إطلاق مركبة أو قمر صناعي إلى الفضاء.

ويستشهد التقرير بما قاله أخيل راو، أستاذ الاقتصاد في كلية ميدلبري والذي درس الحطام الفضائي: «تنتمي مشكلة الحطام الفضائي إلى النوع ذاته من المشكلات التي تنطوي على قضية بيئية كان بإمكاننا التعامل معها على الأرض بطرق شتى ووسائل عديدة. لقد عانينا من انهيار مهنة صيد الأسماك، وصارَعنا تلوث الغلاف الجوي وفشلنا في مواجهة استنفاد طبقة الأوزون».

وتختم المراسلة تقريرها بالقول: إن أفضل طريقة ممكنة في الوقت الحالي لتخفيف المخاطر الكثيرة الناجمة عن الحطام الفضائي هي عدم التسبب في مخلفات فضائية في المقام الأول. ويمكن أن ينفِّذ العالم هذه الطريقة من خلال تعاون دولي قوي أو خلق حوافز اقتصادية جديدة للشركات الخاصة، وكلما حدث ذلك مبكرًا كان أفضل. وفي حين أنه ليس بوسع البعثات الفضائية التنقل حول النفايات الفضائية الموجودة بالفعل، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة الأمر صعوبة مع مرور الوقت في ظل تراكم مزيد من الحطام الفضائي. وإذا لم يجد العالم حلًّا لهذه المشكلة في الوقت المناسب، فقد ينتهي الأمر إلى موقف يكون فيه المدار الأرضي المنخفض مليئًا بنفايات الفضاء ويغدو غير صالح للملاحة الجوية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد