نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا لفريقٍ من صحافييها بقسم التحقيقات يسردون فيه رحلة تحليل صور ومقاطع فيديو تثبت تورط روسيا في شن غارات جوية على مستشفيات سورية.

يشرح التقرير كيف رسم الصحافيون صورة ليومٍ من الغارات الجوية عبر استخدام الأدلة المستقاة من مقاطع الفيديو وسجلات الرحلات الجوية وتقارير الشهود وآلاف الاتصالات الخاصة بالقوات الجوية الروسية التي لم تُسمع من قبل.

ورصدت «التايمز» الطيار الروسي وهو يقول: «Srabotal»، وهي العبارة الروسية التي تُتَرجَم مباشرة إلى «لقد نجحت»، وكانت بمثابة تأكيد أنه أطلق سلاحه صوب أحد الأهداف في سوريا: وهو مستشفى «نبض الحياة» الجراحي بالقرب من مدينة حاس في محافظة إدلب.

«الإندبندنت»: فقط في إدلب.. الأطفال يحفرون القبور للبقاء على قيد الحياة!

فريق التحقيقات المرئية يبحث عن الأدلة الجنائية الرقمية

بداية من عام 2017 تعقب فريق التحقيقات المرئية بالصحيفة القصف المتكرر للمستشفيات في سوريا، تلك الإستراتيجية الواضحة للجيش السوري وحليفته روسيا، وكان ما يزيد عن 50 مرفقًا من مرافق الرعاية الصحية قد تعرض للقصف منذ نهاية أبريل (نيسان) في هجوم لاستعادة محافظة إدلب من المسلَّحين المعارضين للرئيس السوري بشار الأسد، حسبما أفاد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة.


ويوضح كاتبو التقرير أن الفريق يجمع بين التقارير التقليدية والأدلة الجنائية الرقمية لفهم الأحداث المهمة في الصراعات التي لم يستطع مراسلو «نيويورك تايمز» الوصول إليها على الصعيد الميداني، مثل إحدى الهجمات الكيميائية التي شهدتها سوريا، أو إحدى الغارات الأمريكية التي ضربت أفغانستان.

دور «فيسبوك» و«تيليجرام» في توفير الأدلة

يوضح التقرير أن العثور على دليل بصري للمستشفيات السورية التي لحقتها أضرار بالغة لم يكن بالأمر الصعب؛ لأن الفريق جمع مئات الصور ومقاطع الفيديو من مجموعات «فيسبوك» وقنوات «تيليجرام»، المنصتين اللتين يشارك عليهما الصحافيون والمواطنون السوريون ساعات من المواد المصوَّرة.

وفضلًا عن المنظمات الطبية والإغاثية، أرسل المستخدمون على هاتين المنصتين إلى فريق «نيويورك تايمز» مزيدًا من الوثائق، بما فيها تقارير داخلية ومقاطع فيديو غير منشورة. وعلى الرغم من الاشتباه في تورط روسيا منذ فترة طويلة في قصف المستشفيات، إلا أنه كان من الصعب العثور على دليل مباشر على تورطها، كما نفى مسؤولون روس مسؤوليتهم عنها.

ويتابع كاتبو التقرير: «في أثناء التحقيق الذي أجريناه، حصلنا على عشرات الآلاف من التسجيلات الصوتية غير المنشورة سابقًا بين طياري القوات الجوية الروسية ومسؤولي محطات التحكم الأرضية في سوريا. كما حصلنا أيضًا على أشهُرٍ من بيانات الرحلات التي سجلتها شبكة من المراقبين السوريين الذين كانوا يتعقبون الطائرات الحربية لتحذير المدنيين من الغارات الجوية الوشيكة. وكانت ملاحظات الرحلات تتضمن زمان كل طيارة مرصودة ومكانها وطرازها العام».

وطرح كاتبو التقرير سؤالًا: «هل يمكن أن تكون هذه الاتصالات، التي يستغرق كل منها بضع ثوانٍ فقط، وتعج على ما يبدو بالمصطلحات العسكرية العويصة والكلمات المشفَّرة، دليلًا مباشرًا على انتهاك روسيا لأحد أقدم قواعد الحرب؟».

القصف الروسي

قضى مراسلو «التايمز» أسابيع لترجمة وفك تشفير كلمات الرموز لفهم كيفية شن الطيارين الروس غارات جوية في سوريا. ويُظهر جدول البيانات أعلاه جزءًا من الاتصال بين أحد الطيارين المُعَرَّف بـ«48» ومراقب محطة التحكم الأرضية المُعَرَّف بـ«Fuse» أثناء شن ضربة جوية على مستشفى نبض الحياة الجراحي. المصدر: «نيويورك تايمز».

يجيب كتَّاب التقرير: «كنا بحاجة إلى التحقق من الاتصالات الروسية وسجلات الرحلات الجوية ومطابقتها مع المعلومات المتعلقة بالغارات الجوية الأخرى التي حصلنا عليها، بما فيها صور الأقمار الصناعية وأقوال الأطباء الشهود. وقد ثبُتَ أن المفتاح هو: فك شفرة الاتصالات وتحديد الموعد والمكان الدقيق لكل ضربة من الضربات الجوية التي قصفت المستشفى.

كان لدينا بيانات تغطي عدة أشهر، لكننا قررنا التركيز على يومي 5 و6 مايو (أيار) عندما قُصِفَت أربع مستشفيات. وطبقًا لما ذكرته منظمة الصحة العالمية، فإن كل مستشفى من هذه المستشفيات كانت مدرجة في قائمة برعاية الأمم المتحدة تهدف إلى تجنيبها التعرض للهجوم».

«في النهاية لاحظنا أنماطًا في البيانات؛ فكلما زاد وضوح الصورة، ارتفع مؤشر إدانة روسيا. بعد ذلك نظمنا جميع هذه المعلومات وأدمجناها في جدول بيانات. وصمم كوكترنج بوي، أحد محللي البيانات بقسم الرسوم البيانية في الصحيفة، أداة تسمح لنا بتصفية الآلاف من نقاط البيانات والبحث عنها بحسب الزمان والمكان. وقد فحصنا الدليل المسجل في زمن الهجوم في كل غارة من الغارات الجوية فيما يتعلق بما إذا كانت طائرات القوات الجوية الروسية تحلق في الجو؟ وهل رُصِدَت بالقرب من المستشفيات؟ وما الذي كانوا يتحدثون عنه في التسجيل الصوتي المُعترَض؟».

قصف مستشفى كفرنبل الجراحي

ويستشهد كاتبو التقرير بحادث مستشفى كفرنبل الجراحي، التي قُصِفَت مرارًا وتكرارًا وأُعيد ترميمها بمساعدة منظمة الصحة العالمية في مارس (آذار)، إذ حددت التغطية الإخبارية المحلية وتقارير الحادث زمن الهجوم في حوالي الخامسة والنصف من مساء 5 مايو.

وغالبًا ما يكون دور الشهود محوريًا في تقدير توقيت الهجوم، لذا تحدثنا إلى طبيب كان يعمل بمستشفى كفرنبل عندما قُصِفَت. وقال إن المستشفى تعرضت لأول قصف في الخامسة والنصف مساءً، بالإضافة إلى ثلاث غارات جوية أخرى كل خمس دقائق.

وبدأ الناشطون الإعلاميون المحليون التصوير بعد القصف الأول، والتقط أربعة منهم القصف التالي في مقطع فيديو، فهل يُظهرون جميعًا نفس الغارة الجوية؟ أو غارات متعددة؟ ربما حتى تكون أربع هجمات، كما أوضح الطبيب.

«حتى نعرف الإجابة، كان يجب علينا معرفة ما إن كانت مقاطع الفيديو صُوِرَت في كفرنبل. وباستخدام «جوجل إيرث»، حددنا معالم بارزة، مثل: منارة وبرج مياه، ثم واصلنا تعقب سلسلة التلال والجبال المجاورة».

استخدم مراسلو صحيفة «نيويورك تايمز» «Google Earth Pro» لتحديد موقع الغارات الجوية والمستشفيات والدليل المرئي على الخريطة. وهذه إطلالة على مدينة كفرنبل في سوريا، حيث تقع مستشفى كفرنبل الجراحي في مقدمتها، وتقع مستشفى نبض الحياة الجراحي في أعلى الركن الأيمن الذي يكاد يُرى. وكشف تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن كلا المستشفيين تعرضا لقصف القوات الجوية الروسية. المصدر: «خرائط جوجل».

 

تقنية تحديد الموقع الجعرافي 

يضيف التقرير: «إن هذه الممارسة، المعروفة بتحديد الموقع الجغرافي، بإمكانها تحديد الموقع الدقيق لصورة أو مقطع فيديو عبر استخدام المعالم البارزة والسمات الجغرافية وتعزيزها بصور الأقمار الصناعية. وقد نجحنا في تحديد الموقع الجغرافي لجميع مقاطع الفيديو وخلصنا إلى أن جميع الانفجارات ضربت مستشفى كفرنبل الجراحي. ثم حللنا أنماط التفجيرات والأدخنة. وبعد فحص كل مقطع فيديو لقطة بلقطة، ووضع العديد من مقاطع الفيديو إلى جانب بعضها البعض، أدركنا أن لدينا لقطات لثلاث ضربات جوية مختلفة من زوايا متعددة.

وتابع كتّاب التقرير: «أتاح لنا تحليل الظل الموجود في مقطع الفيديو تقدير توقيت الضربات الجوية، لكن حتى نحدد التوقيت الدقيق، طلبنا من الصحافيين المحليين ووكالات الأنباء إرسال تسجيلاتهم المصورة حتى نستطيع استخدام البيانات الوصفية للملفات لنقف على توقيت كل ضربة جوية للمستشفى وصولًا إلى الثانية: 5:36:12 و5:41:14 و5:49:17 مساءً». وقد علمنا أن ما لا يقل عن ثلاث غارات جوية، ولربما أربع غارات ضربت المستشفى، لكننا لا نعلم من هو المتهم الرئيس، بل إن سجلات الرحلات الجوية ومقاطع فيديو الطائرة التي حلقت فوق كفرنبل في ذلك اليوم لم تكن هي المفتاح أيضًا. وقد كان كلٌّ من القوات الجوية الروسية والسورية نشطة؛ وكان الوضع يتسم بالغموض الكامل: فلم نعلم من الذي قصف المستشفى، لكنه يجب أن يكون أحد الطرفين».

اتصالات القوات الجوية تفضح تورط روسيا في الهجوم على المستشفيات

لكن بحسب التقرير قدمت اتصالات القوات الجوية الروسية أوضح الأدلة على مسؤولية روسيا؛ نظرًا لتوفر توقيت التفجيرات الدقيق من خلال بيانات الفيديو الوصفية. وأطلق طيار روسي أربعة أسلحة خلال تلك الأوقات ذاتها. ويقول الطيار الذي يعرِّف نفسه بـ«72» «قد نَجَحَت» في الساعة 5:30 مساءً، ثم يكرر ذلك بعد مرور خمس دقائق في الساعة 5:35 مساءً، و5:40 مساءً، و5:48 مساءً. وقد أُطلِقت أربعة أسلحة في جميع هذه التوقيتات، حوالي كل خمس دقائق ونحو 40 ثانية قبل وقت التصادم الذي حسبه الصحافيون من بيانات مقطع الفيديو الوصفية.

اختتم كتّاب التقرير بقولهم: «نظرًا لأن المستشفى انتقلت إلى مكان أعمق أسفل المبنى الرئيس بعد التفجيرات المتكررة، أسفر التفجير عن مقتل شخص واحد فقط، وإصابة العديد من الأشخاص الآخرين. وقد شهدنا ثلاث حالات أخرى عندما «قصفت» القوات الجوية الروسية مستشفيات خلال مدة 12 ساعة في مطلع مايو. وكان الدليل واضحًا في كل حالة. ويرسم أقل من يوم من النشاط الجوي في الحرب الجوية التي تبلغ من العمر أربعة أعوام صورة تدين روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».

مترجم: ماذا تفعل روسيا في أفريقيا لتثير قلق أمريكا وفرنسا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد