نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا للكاتبة أنشال فوهرا تناولت فيه تفاصيل محاولة موسكو الأسبوع الماضي تحقيق رؤيتها لسوريا ما بعد الحرب من خلال المساعدة في تنظيم المؤتمر الدولي الأول لعودة اللاجئين وإعادة إعمار سوريا، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا ولم يحضر أحد؛ وذلك لعدم إضفاء الشرعية على محاولة روسيا استغلال قضية اللاجئين لتحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية.

دعم الديكتاتور مقابل قاعدة عسكرية ومشروعات إعمار

تستهل الكاتبة تحليلها بالقول إن أهداف روسيا في سوريا لم تكن متصفة بالإيثار على الإطلاق. إذ أرادت أن تحافظ على وجود قاعدة عسكرية لها في الشرق الأوسط لحماية مصالحها الإقليمية، وسَعَت إلى حصول شركاتها على مشروعات إعادة الإعمار بعد الحرب باعتبار ذلك مكافأة لدعم الديكتاتور السوري بشار الأسد. وقد حققت موسكو الهدف الأول، لكن تحقيق الهدف الثاني ثَبُت أنه أكثر صعوبة.

وتضيف الكاتبة أن هناك رؤيتين دبلوماسيتين متعارضتين لإعادة الإعمار السوري. فالغرب يصر على ربط أموال إعادة الإعمار بعملية سياسية محلية تُعَد شرعية على نطاق واسع، والإفراج عن آلاف السجناء السياسيين، وضمان السلامة لجميع السوريين. أما روسيا من جهتها، فتريد أن تجعل إعادة الإعمار شرطًا مسبقًا لعودة اللاجئين السوريين. وحاولت روسيا الترويج لفكرة أن أكثر من 6 ملايين لاجئ سوري لن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم إلا إذا كان الغرب على استعداد لدفع الأموال لإعادة إعمار سوريا.

سياسة

منذ سنتين
جحيم الحرب أرحم من نار اللجوء.. أسباب تدفع اللاجئين في تركيا للعودة إلى سوريا

بوتين ومؤتمر دولي وفشل ذريع

وأشارت الكاتبة إلى محاولة روسيا الأسبوع الماضي تحقيق رؤيتها لسوريا ما بعد الحرب من خلال المساعدة في تنظيم المؤتمر الدولي الأول لعودة اللاجئين في دمشق، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا. وقد شارك في المؤتمر نحو 20 دولة من بينها الصين والهند والإمارات العربية المتحدة. لكن سرعان ما اتَّضح أنهم لم يحضروا المؤتمر إلا لأنهم يرغبون في الاستفادة من طفرة إعادة الإعمار في سوريا، من دون المساهمة في تمويلها، أو لمجرد إظهار الدعم السياسي للأسد. وباستثناء لبنان، لم يكن أي من البلدان التي تستضيف جزءًا كبيرًا من اللاجئين على استعداد لقبول شروط روسيا للحوار.

ومن جانبه، رفض الاتحاد الأوروبي الحضور، وأصدر بيانًا وصف فيه المؤتمر بأنه «سابق لأوانه». وأضاف جوزيب بوريل، رئيس السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، أنه على الرغم من أن الجميع أراد عودة اللاجئين إلى ديارهم، «فإن هذه العودة يجب أن تكون آمنة ونابعة من إرادة اللاجئين وكريمة، بما يتماشى مع المعايير التي حددها مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين». وكانت الأمم المتحدة حاضرة في المؤتمر ولكن بصفة مراقب فقط.

Embed from Getty Images

وألمحت الكاتبة إلى أن المشاركة الضعيفة في المؤتمر أغضبت الروس. وكان ألكسندر لافرنتييف،  المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا، غاضبًا عندما سأله الصحافيون لماذا كان الحضور أقل بكثير من المتوقع. وقال لصحافي روسي في المؤتمر: «ضغوط، إنها الضغوط من جانب الولايات المتحدة». وحاول لافرنتييف التودد إلى الأردن قبل أيام قليلة فقط من عقد المؤتمر لإعادة النظر في قرارها (بالمقاطعة)، لكن جهوده لم تؤتِ أُكُلها.

مساعي لضمان عودة آمنة للاجئين

وذكرت الكاتبة أن الأردن، الذي يستضيف 650 ألف سوري وغالبًا ما يُلقى عليهم باللوم بسبب تدهور اقتصاد البلاد، سوف يسعده للغاية أن يرى هؤلاء اللاجئين يعودون إلى بلادهم. وعلاوةً على ذلك، فإن عمان بحاجة ماسة إلى دعم موسكو لإبقاء الميليشيات الإيرانية في جنوب سوريا بعيدة عن حدودها. لكن الأردن متحالف مع الغرب ولا يمكن أن يضع نفسه في موقف الذي يجبر اللاجئين على المغادرة.

وتتفهم روسيا مأزق الأردن ولهذا أرسلت لافرينتييف إلى هناك يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) لتهدئة مخاوفها. وذهب لافرنتييف وبرفقته أحمد العودة، وهو زعيم سابق للمتمردين والذي أصبح الآن المزود الأمني ​​الرئيس للسوريين المناهضين للنظام في شرق درعا بالقرب من الحدود السورية – الأردنية.

ويُعد العودة شخصية مألوفة في الحرب الأهلية الفوضوية مع مجموعات متمردة وميليشيات محلية لا تعد ولا تحصى. وقد تلقى العودة مساعدة من الغرب والإمارات في مركز العمليات العسكرية في عمان خلال سنوات عديدة من الحرب السورية. لكن في عام 2018، بدت الهزيمة وشيكة ووافق على عقد اتفاق مصالحة بوساطة الروس. وتلقى العودة مكافأة على الروح البراجماتية التي تحلى بها من خلال تعيينه قائدًا للواء الثامن من الفيلق الخامس المدعوم من موسكو في الجيش العربي السوري. لكن ولاء العودة ليس للأسد بل للسوريين المناهضين للنظام.

وأكد مصدران في الأردن لمجلة «فورين بوليسي» أن أحد أسباب زيارة العودة إلى الأردن هو تهدئة مخاوف هذا البلد من التهديد الأمني ​​الذي ربما يواجهه اللاجئون في حال عودتهم. وقال أبو ماهر، وهو متمرد سابق كان من بين الذين وقعوا اتفاق المصالحة في درعا، «ذهب أحمد العودة إلى الأردن لمناقشة عودة اللاجئين».

Embed from Getty Images

وترى الكاتبة أن روسيا تصور قادة المتمردين السابقين الذين انضموا إلى الفيلق الخامس على أنهم ضمانة لسلامة اللاجئين عند عودتهم إلى أوطانهم. لكن الفكرة مفعمة بالتحديات. ومنذ أن وعد اتفاق المصالحة في درعا بالسلام لجميع أطراف الحرب، يهاجم النظام والمعارضة بعضهما بعضًا بلا هوادة، وشهدت المنطقة عديدًا من عمليات الاغتيال. وعلاوةً على ذلك، هناك كثير من العداوات بين المتمردين السابقين المدعومين من روسيا والجيش السوري (يجب التغلب عليها) للوصول إلى أي تسوية يمكن أن تضمن للاجئين الإفلات من التعرض للاعتقالات العشوائية والاختفاءات القسرية والتعذيب، إذا قرروا العودة إلى البلاد.

 وأضاف أبو ماهر، المتمرد السابق: «يحاول الروس إقناع النظام وقادتنا بمناقشة أمن اللاجئين». وتابع: «لكن لا يجب أن يثق أحد في نوايا النظام، فهم يريدون قتل الجميع».

خيارات اللاجئين تزداد سوءًا

تلفت الكاتبة إلى أنه في عام 2019، أفاد تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» بأن أفرع المخابرات السورية استمرت في اعتقال الناس تعسفيًّا وإخفائهم قسريًّا ومضايقتهم. وكان شقيق أبو سالم من بين الذين عادوا إلى درعا في ذلك العام. وبعد مدة وجيزة من عودته، وفي طريقه إلى وسط المدينة، قِيل إن جنود النظام أوقفوه عند نقطة تفتيش واحتجزوه وعذبوه في فرع محلي للمخابرات العسكرية. وقال أبو سالم: «لقد ضربوه ضربًا مبرحًا لدرجة أنه لم يكن هناك جلد على أجزاء من جسده». وأضاف «أقسم بالله، إنه لم يستطع الحركة لمدة 10 أيام».

وترى الكاتبة أن هذه القصص أثرت في صورة روسيا بوصفها شرطيًّا موثوقًا به في سوريا، وعمَّقت خوف السوريين من النظام الذي يتهمونه بارتكاب جرائم حرب ممنهجة، ومن بينها الآن القبض على من اعتقدوا أن الوضع آمن وعادوا إلى وطنهم. ولم تنجح الهيمنة الروسية المفترضة على الأسد ولا الفرقة العسكرية الموازية (التابعة لروسيا) المكونة من مقاتلين سابقين في تغيير طريقة عمل النظام.

وفي ضوء ما سبق، اطَّلع الأردن وحلفاؤه في الغرب على الوضع على الأرض عن طريق نشطاء حقوقيين جريئين في سوريا والأردن ولبنان، وكان ذلك يُعرِّض حياتهم للخطر على الأغلب. وقال درويش، أحد هؤلاء الناشطين السوريين، إنه تلقى تهديدات بالقتل لكونه مواليًا للغرب، بينما اعتُقل واختفى اثنان من زملائه. ودفع درويش 1500 دولار لأحد المهربين وفرَّ إلى لبنان قبل عامين فقط، ثم نجح في جلب أسرته بعد ذلك الشهر الماضي.

Embed from Getty Images

وقال درويش إنه على الرغم من تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، وارتفاع نسبة الفقر بين اللاجئين بنسبة 90% في الأشهر الأخيرة، فإن ذلك أفضل من العيش في سوريا. وقال لـ«فورين بوليسي» من إحدى ضواحي بيروت: «هنا، الجيش على الأقل لن يهددني أو يتسبب في اختفائي». وتابع: «مكثتُ في سوريا طوال الحرب، لكن عندما اقتحم الجيش منزلي للبحث عني، كنت أعرف ما هو آت».

لبنان يئن من وطأة استضافة اللاجئين السوريين

أفادت الكاتبة أن لبنان شارك في المؤتمر. وصَمَّت النخبة الحاكمة في البلاد آذانها عن قلق اللاجئين من الاعتقالات العشوائية، والتجنيد الإجباري في الجيش، وأشكال الحرمان الأخرى التي تسببها الحرب. ولطالما رأت تلك النخبة الحاكمة أن مساعدة الأمم المتحدة للاجئين السوريين تبطئ من وتيرة عودتهم. ويستضيف لبنان 1.5 مليون لاجئ سوري، وعلى الرغم من حملة الحكومة المباشرة وغير المباشرة لطردهم، عاد حتى الآن 65 ألف لاجئ فقط إلى سوريا.

من جانبه، قال الرئيس اللبناني، ميشال عون، إن وجود اللاجئين كلَّف بلاده 40 مليار دولار، حسبما ذكر صندوق النقد الدولي، واقترح تقديم مساعدات دولية للسوريين داخل سوريا، لأن ذلك من شأنه «تشجيعهم على العودة». وعلى غرار روسيا، يتوقع لبنان أيضًا الاستفادة من إعادة الإعمار الوشيكة في سوريا، والتي من المتوقع أن تتكلف حوالي 200 مليار دولار. وتسوِّق لبنان ميناءها في طرابلس في الشمال، الذي يقع على بعد 20 ميلًا فقط من سوريا، باعتباره مركزًا لوجستيًّا لإعادة إعمار سوريا. لكن باستثناء لبنان، لا تحظى روسيا بأي متعاطفين معها في المنطقة.

تركيا.. الغائب الحاضر

ولاحظت ماريانا بيلينكايا، الصحافية الروسية التي غطت المؤتمر، توقف لافرينتييف في تركيا بعد المؤتمر مباشرةً. وقالت للكاتبة عبر الهاتف من العاصمة السورية: «طلبت روسيا من دمشق دعوة تركيا». لكن موسكو تفهمت سبب عدم استطاعتها توجيه الدعوة إليها. ولهذا، سافر لافرنتييف إلى تركيا للتأكد من أنهم لم يشعروا بالإهانة ولمناقشة عودة اللاجئين.

واختتمت الكاتبة تحليلها قائلة: في سوريا، لا يستطيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السعي للحصول على أي تنازلات من الأسد من شأنها أن تقنع الغرب بدعم مؤتمر دولي لعودة اللاجئين، مثل إلغاء التجنيد الإجباري، وإطلاق سراح السجناء، وإتاحة الوصول دون عوائق للمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لكن السبب الآخر المهم الذي لا يرغب كثيرٌ من السوريين في العودة بسببه يتمثل في الأزمة الاقتصادية في سوريا. فليس لدى الناس ما يكفي من الطعام، وقد دُمِّرت مدنهم وأصبحت منازلهم مجرد أطلالٍ في أرض قاحلة شاسعة.

وأوضحت معظم الدول أنها لا تريد إضفاء الشرعية على محاولة روسيا استغلال قضية اللاجئين لتحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية خاصة بها. لكن هذا لا يعني أن لديهم أي أفكار معقولة خاصة بهم للحد من معاناة السوريين داخل البلاد، أو لأولئك اللاجئين في أماكن أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد