لطالما سيطرت العداوة والتنافس على العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. ولكن في الآونة الأخيرة ازدادت التعاملات العسكرية بين القوتين العظميين، لا سيما في الشأن السوري، حيث ينخرط الجيشان الأمريكي والروسي في الحرب الدامية هناك. هذا ما سلطت صحيفة «وول ستريت جورنال» الضوء عليه في مقال لكل من توماس جروف وجوردن ليوبويد.

يستهل الكاتبان المقال بالقول: إن «الاتصالات بين كبار الضباط العسكريين الأمريكيين والروس قد تعززت في ظل إدارة ترامب، بما يؤشر على نجاح بوتين في استخدام العلاقات العسكرية لإعادة الحوار بين واشنطن وموسكو، على الرغم من تدهور العلاقات السياسية». ويؤكد الكاتبان أن الاتصالات الموسعة بين الجانبين، التي كانت تتم في كثير من الأحيان بعيدًا عن المؤسسات السياسية المتصارعة التي لطالما تحكمت في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، تشكل دعامة أساسية متزايدة الأهمية للاتصال بين الجانبين بعد حوادث طرد الدبلوماسيين المتبادلة.

من المتوقع عقد قمة الأسبوع المقبل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لمناقشة الأوضاع على الأرض في سوريا التي سيطرت عليها بشكل كبير القوات الروسية والجيش الأمريكي.

كان السيد ترامب قد منح الجيش الأمريكي مساحة أكبر في صياغة السياسة الخارجية أكثر من سلفه باراك أوباما – يشير الكاتبان – وقد اكتسبت الاتصالات العسكرية أهمية أكبر، خاصة مع انخراط سلاحي الجو الأمريكي والروسي في عمليات في سماء سوريا المزدحمة. ينظر المسؤولون العسكريون الأمريكيون إلى هذه الاتصالات على أنها «نسيج ضام» ضروري لحالات الأزمات.

وقال أنطون لافروف، الذي كتب عن خط عدم الاشتباك لمؤسسة «CSIS» للأمن في واشنطن، إن أول انتصار دبلوماسي لموسكو في سوريا هو إجبار واشنطن على إعادة فتح قنوات الاتصال بينهما، وفي ظل إدارة ترامب ازدهرت هذه القنوات. وأوضح: «على عكس الضغط الذي قام به أوباما من أجل عزل روسيا دوليًا، أصبحت سوريا الآن موضوعًا له الأولوية في المناقشات بين البلدين على مستوى الرؤساء، بما في ذلك الاجتماع القادم».

كان للعلاقات الشخصية بين قيادات عسكرية من كلا الجانبين دور في تعزيز الاتصالات – يشير الكاتبان. إذ كان رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الجنرال جو دانفورد، ونظيره الروسي، فاليري جيراسيموف، قد التقيا للمرة الثالثة الشهر الماضي في هلسنكي؛ موقع قمة ترامب – بوتين يوم الاثنين.

قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا

وكان الرجلان هما محور الاتصالات التي جرت بين الجانبين بعدما أمر السيد ترامب بمعاقبة النظام السوري على وفاة 75 شخصًا في ما كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه هجوم بالأسلحة الكيميائية من قبل النظام.

فخلال الـ 48 ساعة التي سبقت الضربات الأمريكية على البنية التحتية للأسلحة الكيميائية في أبريل (نيسان) الماضي – يكشف الكاتبان – تواصل الجنرال دانفورد شخصيًا مرتين على الأقل مع الجنرال جيراسيموف للتحدث عن الضربات وتهدئة مخاوف موسكو بشأن النوايا الأمريكية، وفقًا لثلاثة أشخاص مقربين من وزارة الخارجية الروسية.

بيد أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين يقولون إنه لم يتم تبادل أي معلومات حول الأهداف أو التوقيت مع الروس، وذلك تماشيًا مع التعهد الأمريكي بعدم «التنسيق» مع موسكو. وقال الجنرال دانفورد في اليوم التالي للضربات: «إن الاتصالات الوحيدة التي ارتبطت بهذه العملية تعلقت بالتنسيق الطبيعي لمنع التصادم في المجال الجوي».

غير أن الرئيس السابق لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، نيكولاي كوفاليوف، قال: «إن المعلومات كانت كافية لإبلاغ السلطات السورية بها؛ مما أعطي دمشق فرصة لسحب أفرادها ومعداتها من المواقع المستهدفة، وهو ما حد من الأضرار والخسائر في الأرواح بالنسبة للنظام». وفي النهاية – يضيف الكاتبان – لم تكن هناك وفيات مرتبطة بسلسلة من الضربات الجوية الأمريكية على ثلاثة أهداف باستخدام أكثر من 100 صاروخ كروز توماهوك.

واشنطن في سوريا.. ضد «تنظيم الدولة» فقط وليس «بشار الأسد»

وتناقَض كلام المتحدث باسم هيئة الأركان المشتركة في البنتاجون مع ادعاء روسيا. إذ قال الكولونيل بات رايدر «لا صحة لمزاعم نقلنا معلومات كافية إلى الروس كي يمرروها إلى السوريين». ويشدد الكاتبان على أن معظم الاتصالات العسكرية بين موسكو وواشنطن تتركز حول خط منع الاشتباك الذي بدأ بينهما في عام 2015، بعد تدخل روسيا في البلاد بوقت قصير، لضمان التنسيق بين العمليات الأمريكية والروسية التي يدعم كل منهما أطرافًا متصارعة في سوريا.

يتولى الاتصالات عبر الخط قيادات عسكرية تصل إلى رتبة كولونيل (عقيد)، حيث يتحدث كولونيل أمريكي إلى نظيره الروسي ما يصل إلى 12 مرة في اليوم في مناقشات على المستوى التكتيكي لضمان عدم وقوع أي اشتباكات بين جيشي البلدين.

أفراد الشرطة العسكرية الروسية في سوريا

ولكن في أوقات أخرى وبمعدل أقل، تتولى الاتصالات قيادات من رتبة أعلى، حيث يتحدث جنرال أمريكي من فئة الثلاث نجوم مع نظيره الروسي حول القضايا التشغيلية، لتجنب التصادم والتخفيف من مخاطر سوء التقدير.

ويؤكد الكاتبان على أنه عندما هاجمت الولايات المتحدة قاعدة جوية سورية العام الماضي في أعقاب هجوم بالأسلحة الكيماوية من قبل نظام الأسد، أبلغ مسؤولون عسكريون أمريكيون الروس قبل نصف ساعة من الضربات لضمان مغادرة الموظفين الروس حتى لا يتضرروا. بيد أن هذا لم يمنع وقوع الأخطاء. ففي سبتمبر (أيلول) من عام 2016، قصفت طائرات جوية أمريكية العشرات من قوات الحكومة السورية بالخطأ قرب دير الزور في سوريا ظنًا منها أنه تجمع لعناصر «تنظيم الدولة الإسلامية».

شنت الولايات المتحدة ضربات ضد الهدف، لكن المسؤولين العسكريين الروس علموا فورًا أن الأفراد السوريين – الذين لم يكونوا الأهداف المقصودة – كانوا في ذلك الموقع. اتصل كولونيل روسي بالقاعدة الأمريكية في قطر ليخبرهم أنهم ارتكبوا خطأ، لكن العقيد الأمريكي الذي اعتاد الروسي على التحدث معه لم يكن موجودًا، وانتهت المكالمة. وقد أعاد الروس تحذير الأمريكيين من أنهم ضربوا القاعدة الخاطئة. ولكن بعد فوات الأوان.

يعتقد الكاتبان أن الحوار العسكري بين موسكو وواشنطن سيتقلص إلى حد كبير إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها من سوريا، مثلما يريد ترامب. ويبدو أن إمكانية مد خط عدم الاشتباك خارج سوريا غير محتملة، كما يقول الخبراء. تتقارب خطوط التماس بين القوات الروسية والأمريكية في عدة بقاع في أوروبا، حيث يعمل الجيش الأمريكي في المياه والمجال الجوي الدوليين. وغالبًا ما كانت المقاتلات النفاثة الروسية «تستفز» السفن والطائرات الأمريكية خلال ذلك.

قد ترغب الولايات المتحدة في توسيع خط منع الاشتباك ليشمل مثل هذه المناطق، لكن يوجين رومر، مدير برنامج روسيا – أوراسيا في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في واشنطن، قال إنه لا يعتقد أن لدى موسكو مصلحة في القيام بذلك: «أعتقد أن الولايات المتحدة ستكون مهتمة بالأمر، لكنني أشك في أن الروس سيوافقون على ذلك؛ لأنهم يعتبرون تلك المناطق قريبة من مناطق نفوذهم الحاسمة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك