كتب كيريل سيمينوف، محلل مستقل له سجل طويل من الدراسة المهنية للقضايا السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط مع تركيز قوي على النزاعات في سوريا واليمن وليبيا، تحليلًا نشره موقع «المونيتور» تناول فيه طموحات روسيا للتنافس مع أمريكا في سوق الأسلحة في الشرق الأوسط. غير أن الكاتب يرى أن تحقيق هذه الطموحات يعتمد على إنتاج روسيا السريع لأحدث معداتها، وأن عدم وجود مقاتلات روسية من الجيل الخامس كتلك التي تنتجها الصين وأمريكا يُحِد من قدرة روسيا على إنتاج الأسلحة.

يقول الكاتب في مستهل تحليله: اختتم معرض ماكس الدولي للطيران والفضاء لعام 2021، الذي أُقيم في مدينة جوكوفسكي الروسية خارج موسكو، أعماله في 25 يوليو (تموز) بعقود تزيد قيمتها على 3.5 مليارات دولار مُنِحت لشركاتٍ حضرت المعرض. وجرى تقديم عينات حديثة من المعدات العسكرية الروسية طوال أيام العرض الستة، من بينها الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات من دون طيار، وأنظمة الصواريخ المضادة للطائرات.

دولي

منذ شهرين
مترجم: كيف تقف كل من روسيا والصين وإيران ضد أمريكا في كوبا؟

وقد أثار النموذج التجريبي لأحدث مقاتلة تكتيكية روسية، وهي «سوخوي إل تي إس» (Sukhoi LTS) والتي حصلت على لقب غير رسمي باسم «سوخوي-75 كش ملك» أكبر قدر من الاهتمام. وأكدت روسيا خاصةً أن دول الشرق الأوسط يمكن أن تصبح مشتريًا محتملًا للمقاتلة. ومن حيث خصائصها وأبعادها، تسوِّق موسكو للمقاتلة بوصفها نظيرًا وثيقًا للطائرة الأمريكية «إف-35».

وفي حين لم يُكشَف عن قائمة الدول التي أبرمت روسيا معها عقود أسلحة عسكرية، أُعلن أن روسيا توصلت إلى اتفاقات أولية مع الإمارات العربية المتحدة لتوريد مروحيات مدنية.

وعلى الرغم من أن المتلقي الأول لمقاتلات «سوخوي إل تي إس» سيكون وزارة الدفاع الروسية، فإن هناك ما يشير إلى وجود خطط للتركيز على التصدير. لقد ذُكِر بالفعل أن تسليم المقاتلة بالخارج يمكن أن يبدأ في غضون 5 سنوات ونصف. وسيكون سعر المقاتلة الجديدة القطَّاعي للعميل الأجنبي حوالي 30 مليون دولار، باستثناء أي تكاليف إضافية.

ومع ذلك، سيكون سعر التعاقد على المقاتلة أعلى بكثير، في حدود 55 إلى 70 مليون دولار. وستكون هذه المقاتلة قادرة على التنافس في السعر ليس فقط مع طائرات الجيل الخامس الأكثر تكلفة من نوع «إف-35»، ولكن أيضًا مع المقاتلات المتبقية من طراز ما يُعرف «بالجيل الرابع بلس» من نوع «إف» (F)، بما في ذلك أحدث مقاتلات من طراز «إف-16».

صفقة «إف-35» الإماراتية تواجه صعوبات

ولفت الكاتب إلى أن «سوخوي-75» قد تثير بالفعل اهتمامًا بالشرق الأوسط، حيث يحتاج عديد من الدول إلى مقاتلات من الجيل الخامس.

Embed from Getty Images

والدول التي تُنتج مثل هذه الطائرات، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، مترددة للغاية في تصديرها. لذلك، تضطر معظم دول المنطقة التي تتمتع بالقدرات المالية المناسبة إلى الاكتفاء في الوقت الحالي بطائرات الجيل الرابع بلس. والاستثناء الوحيد هو إسرائيل، التي تلقت طائرات «إف-35». وبينما أُعلِن عن صفقة لبيع طائرات «إف-35» إلى الإمارات في الأيام الأخيرة من إدارة ترامب، فقد واجهت صعوبات ولم يُحدد موعد للتسليم.

ويرى الكاتب أن عدم وجود مقاتلة جديدة روسية الصنع من الجيل الخامس – جاهزة للإنتاج والتصدير على نطاق واسع – يقلل من قدرة موسكو على اكتساب موطئ قدم في أسواق الأسلحة ودول الشرق الأوسط التي تمكنت روسيا بالفعل من تزويدها بعينات محددة من أسلحتها الحديثة. وكان بيع أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز «إس-400» لتركيا نجاحًا مطلقًا لروسيا.

وقد تسبب هذا بالفعل في جدل بين أنقرة وواشنطن، وأدَّى إلى طرد الولايات المتحدة تركيا من برنامج «إف-35». ومع ذلك، لم تتمكن روسيا من الاستفادة الكاملة من هذا التطور، لأنها لم تستطع أن تقدم لتركيا بديلًا عن هذه الطائرة المقاتلة الأمريكية.

ولا تزال طائرة الجيل الخامس الروسية «سوخوي-57» بعيدة عن بدء الإنتاج الكمي. ولا تزال الطائرة تُنتَج في إصدارات فردية، وهي عملية تستغرق وقتًا طويلًا، ومن غير المرجح أن تكون قادرة على تلبية احتياجات القوات الجوية الروسية نفسها في المستقبل القريب. ولم تُقبَل الطائرة للخدمة في الجيش الروسي. وعلاوةً على ذلك، فهي باهظة الثمن للغاية. وفي هذه الحالة، لا يكاد يوجد أي مشترين يرغبون في شراء طائرة مقاتلة لا تستخدمها الدولة المُصنِّعة نفسها.

ومع ذلك، إذا أُطلِق الإنتاج الكمي للمقاتلة «سوخوي-57»، فليس من المستبعد أن تتمكن أنقرة من شراء مجموعة صغيرة من هذه الطائرات من أجل ممارسة ضغط إضافي على واشنطن لرفع الحظر عن مبيعات «إف-35» إلى تركيا.

مقاتلات الجيل الخامس: الصين في مقابل روسيا

 وبالإضافة إلى الولايات المتحدة، تتنافس روسيا أيضًا مع الصين، التي تتقدم على روسيا في إنتاج طائرات الجيل الخامس وتطويرها، وقد تبيع طائراتها في سوق الأسلحة في الشرق الأوسط قبل الطائرات الروسية. ونحن نتحدث عن المقاتلة الصينية الثقيلة «شينجدو جيه-20» (Chengdu J-20)، والتي يستخدمها الجيش الصيني ولكن لن تُصدَّر إلى الخارج حتى تلبي احتياجات القوات المسلحة الصينية. وفي الصين أيضًا، جرى تطوير مقاتلة أخف من الجيل الخامس هي «شينيانج إف سي-31» (Shenyang FC-31) – وخلافًا للطائرة الروسية «سوخوي-75»، فقد اجتازت بالفعل عدة مراحل من اختبارات الطيران.

Embed from Getty Images

وتُفسَّر صعوبة روسيا في الوصول إلى أسواق الأسلحة لدول الشرق الأوسط الغنية، وخاصة دول الخليج العربي، بغياب الإنتاج الكمي لأي أنواع حديثة من الأسلحة التي تتجاوز النماذج السوفيتية المحدَّثة.

ويشير الكاتب إلى أنه في تسعينيات القرن الماضي، كان لروسيا علاقات عسكرية تقنية قوية مع دول الخليج العربي، حيث كانت تمتلك في ذلك الوقت أنواعًا من الأسلحة التي كانت تُعد حديثة في تلك الحقبة، وقد صُنِّعت هذه الأسلحة في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفيتي وكانت محل اهتمام الدول الملكية العربية.

وفي ذلك الوقت، تمكَّنت روسيا من تصدير مجموعات كبيرة من المركبات القتالية للمشاة «بي إم بي-3» وقاذفات الصواريخ المتعددة المهام «سميرتش» (Smerch) وقاذفات الصواريخ الذاتية الحركة (Uragan) وأنظمة صواريخ بانتسير للدفاع الجوي، وأنظمة أسلحة أخرى إلى الإمارات والكويت. غير أن بناء أنواع جديدة من الأسلحة وتصميمها قد توقف في روسيا نفسها حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

العودة لسوق الخليج تتطلب التنوع الكمِّي

ولذلك، من المرجح ألا تعود روسيا إلى سوق الأسلحة في دول الخليج إلا بعد أن تَدخُل أنواع جديدة من الأسلحة مرحلة الإنتاج الكمي على نطاق واسع في روسيا نفسها. وبالإضافة إلى الطائرات المقاتلة «سوخوي-57» و«سوخوي-75» المذكورة أعلاه، ينطبق هذا على دبابة «تي-14 أرماتا» (T-14 Armata)، و«تي-15» (T-15) ومركبات «كورجانتس» المدرعة (Kurganets)، ومركبات «بومرانج» (Boomerang) القتالية المدرعة ذات العجلات، وأنظمة مدفعية التحالف، من بين أشياء أخرى.

وعلى الرغم من أن هذه الأسلحة قد عُرضت في العروض العسكرية والمعارض لسنوات عديدة وأعلنت موسكو عن بدء إنتاجها التسلسلي، فإنها في الواقع لم تُصنَّع بعد بأي أعداد كبيرة، ولا تزال سلسلة تجريبية إلى حد ما. ومن السابق لأوانه الحديث عن بدء تصديرها.

كما أن تصريحات عديد من الممثلين الروس الذين يزعمون أن الأنواع الحديثة من الأسلحة الروسية قد اختُبرت بنجاح في سوريا، والتي ستجد الآن مشتريها، هي أيضًا بعيدة كل البعد عن الواقع. وفشلت روسيا في استخدام عمليتها العسكرية في سوريا للترويج لأسلحتها من أجل لتصديرها إلى دول الشرق الأوسط.

ويمضي سيمينوف إلى أنه في الحملة السورية، استخدمت روسيا معدات تعتمد بالأساس على تطوير الأسلحة السوفيتية. لذا، فإن أحدث طائرة هجومية وهي «سوخوي-34»، التي استخدمتها روسيا في سوريا، هي تحديث لمقاتلة «سوخوي-27» وبدأ تصميمها في عهد الاتحاد السوفيتي، بوصفها نظيرًا لطائرة «إف-15 إي» الأمريكية ذات الخصائص المماثلة.

Embed from Getty Images

وفي الوقت نفسه، كانت الطائرة «إف-15 إي» في الخدمة مع عديد من الدول لأكثر من 30 عامًا ولديها خبرة أكبر بكثير في النزاعات المختلفة من «سوخوي-34». ولذلك، ليس لديها آفاق تصدير في الشرق الأوسط، على الرغم من الشائعات التي لم يجرِ التحقق منها بشأن اهتمام الجزائر بهذه الطائرة.

مصر والأسلحة الروسية

وأضاف الكاتب قائلًا: كما أن عمليات التسليم الأخيرة للأسلحة الروسية على نطاق واسع إلى مصر لم تنتج من تقييمات عالية لاستخدامها خلال الحملة السورية. ووقِّعت العقود التي بدأت القاهرة من خلالها في شراء شحنات كبيرة من الأسلحة من موسكو في عام 2014، حتى قبل بدء العملية السورية من جانب القوات المسلحة الروسية. وجاءت صفقة السلاح هذه نتيجة تغيير السلطة في مصر، عندما قررت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي تنويع علاقاتها العسكرية بسبب مخاوف من تراجع حجم التعاون العسكري مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بعد استيلاء الجيش على السلطة في مصر في عام 2013.

وسمح هذا لموسكو بزيادة صادراتها من الأسلحة زيادة كبيرة من خلال تزويد مصر بمقاتلات «ميج-29» و«سوخوي-35»، وطائرات الهليكوبتر الهجومية من طراز «كيه إيه-52»، وأنظمة صواريخ «إس-300» المضادة للطائرات، والدبابات من طراز تي-90، وما إلى ذلك. وفي الوقت نفسه، اشترت مصر معدات عسكرية روسية بالتوازي مع المعدات الغربية.

وبالإضافة إلى مصر، تُعد الجزائر مستوردًا رئيسًا للمعدات العسكرية الروسية في الشرق الأوسط. وعلى وجه الخصوص، في عام 2019 في معرض ماكس 2019، وقَّعت الجزائر عقدًا لشراء 16 مقاتلة من طراز «سوخوي-30 إم كيه آي (إيه)» و14 مقاتلة من طراز «ميج-29 إم/إم2» من روسيا. وكانت هذه الطائرات مكملة لأسطول البلاد، الذي يحتوي بالفعل على هذه الأنواع من المقاتلات. وعلاوةً إلى ذلك، جرى تزويد الجزائر بمركبات «تيرمينيتور» للدعم القتالي للدبابات ودبابات «تي-90» ومعدات أخرى.

Embed from Getty Images

ومن بين مشغلي المعدات العسكرية الروسية، تجدر الإشارة أيضًا إلى أن العراق، الذي كثَّف تعاونه العسكري والتقني مع روسيا تكثيفًا ملحوظًا بعد تعرضه للعدوان من جانب تنظيم الدولة الإسلامية. ومنذ عام 2014، زوَّدت موسكو بغداد بطائرات هجومية من طراز «سوخوي-25» وطائرات هليكوبتر هجومية من طراز «إم آي-28 إن إي» ودبابات «تي-90» ومركبات «بي إم بي-3» لقتال المشاة.

موسكو لا تريد إفساد علاقاتها مع إسرائيل ودول الخليج

وأفاد الكاتب أنه في الوقت نفسه، من السابق لأوانه الحديث عن استئناف صادرات الأسلحة الروسية إلى إيران. وتحتاج طهران إلى طرازات هجومية حديثة مثل مقاتلات «سوخوي-30»، لكن موسكو لن ترغب في إفساد العلاقات مع دول الخليج وإسرائيل وربما تمتنع عن تزويد إيران بمثل هذه المعدات.

ويختتم الكاتب تحليله موضحًا أن طموحات روسيا في سوق الأسلحة في الشرق الأوسط ستعتمد بوجه عام على قدرة الصناعة العسكرية الروسية على إتقان إنتاج أحدث طرازات المعدات العسكرية والبدء في تسليمها إلى القوات المسلحة الروسية. وعندئذ فقط ستصبح أوامر تصدير هذه المعدات ممكنة. في الوقت نفسه، كما في حالة مصر أو الجزائر، لا تزال هناك إمكانية لتوريد أنواع أقدم من الأسلحة لتلك الدول التي ستحاول تنويع علاقاتها في مجال التعاون العسكري التقني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد