يوم الجمعة، اشتعل الرأي العام الأمريكي مجددًا؛ بعد نشر نُسخة علنية من تقرير استخباراتي «سري للغاية»، أكّد بشكلٍ رسمي ما تداولته الصحف الأمريكية عن مصادر استخباراتية مجهّلة لأشهرٍ طوال: النظام الروسي بأوامر من الرئيس «فلاديمير بوتين»، شنّ حملة استهدفت التأثير على مسار الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وبالتحديد «الإضرار بالقابلية الانتخابية لهيلاري كلينتون»، و«تفضيل واضحٍ للرئيس المنتخب دونالد ترامب»، وفقًا للتقرير.

وبعد أن تشكك ترامب سابقًا في مزاعم الدور الروسي، أصدر تصريحًا يعترف فيه بالمخاطر «السيبرانية» من روسيا والصين، وجماعات وأشخاص خارجيين، إلا أنّه أصرّ على أن الاختراق لم يكن له «أي تأثير على الإطلاق على نتائج الانتخابات». يُجيب تقريرٌ بصحيفة «ذي أتلاتنتك» عدة أسئلة عن الحرب الإلكترونية الجديدة، التي يُزعم أن روسيا تشنّها على الولايات المتحّدة، وكيف أثّرت على نتيجة الانتخابات.

1- من المتورطين في الأمر؟

الأوامر، بحسب التقديرات الاستخباراتية، صدرت من فلاديمير بوتين نفسه. وهو ما قاد إلى ردود فعلٍ غاضبة من الإدارة الأمريكية. في مقابلة أجريت في منتصف ديسمبر (كانون الأول) مع NPR، توعّد الرئيس «باراك أوباما» بالردّ «في وقتٍ ومكانٍ من اختيارنا نحن».

استتبع أوباما هذا الوعيد بإجراءات عدائية ضد الجانب الروسي، إذ فرض عقوباتٍ على هيئتين استخبارايتين روسيتين يُعتقد تورطهما في الاختراقات، وطرد 35 مسؤولًا روسيًا من الولايات المتحدة. إلا أن بوتين رفض اتخاذ ردّة فعلٍ على هذه الإجراءات.

2- لماذا اشتعل الجدل مجددًا حول الاختراقات الروسية؟

لأن التقرير المنشور يوم الجمعة كان أول تأكيدٍ استخباراتي رسمي على ما تداولته الصحف والمواقع الإخبارية سابقًا، عن أن الاختراق كان تحركًا روسيًا رسميًا يستهدف ترجيح كفة دونالد ترامب. في الانتخابات الرئاسية.

لأشهرٍ، ظلت المعلومات حول الاختراقات تتسرّب ببطء، وغالبًا بشكلٍ غير رسمي. في منتصف يونيو (حزيران) من العام الماضي، أفادت اللجنة الوطنية الديمقراطية باختراقٍ لشبكتها الحاسوبية، وبعد تحليل شركة الأمن السيبراني «كراودسترايك» للاختراق، وجّهت الاتهام علنًا إلى مخترقين روسيين. وفي يوليو (تموز)، ظهرت رسائل بريد إلكتروني مسروقة من اللجنة على موقع «ويكيليكس»؛ ما دفع عددًا من أعضاء الحزب الديمقراطي، من بينهم مدير حملة «كلينتون»، لاتهام الروسيين باستهدافهم الانتقاص من شعبية «هيلاري»، لصالح «ترامب».

بعدها خرجت عدة تقارير في الصحف الأمريكية تستشهد بمصادر سرية تؤكد أن الهدف كان فوز ترامب. ثمّ خرج «جيمس كلابر»، مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، يتّهم رسميًا الحكومة الروسية، «بناءً على تلك الجهود وحساسيتها»، مؤكدًا أنّها كانت بنية التدّخل في العملية الانتخابية الأمريكية. وهو ما أكّدته صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» لاحقًا، في ديسمبر (كانون الأول)، مرة أخرى عن مصادر استخباراتية سريّة؛ ما دفع الكونجرس إلى الإعلان عن اعتزامه فتح تحقيقٍ في الأمر.

3-  من تمّ اختراقه أيضًا؟

ينقل التقرير عن مجلة «إسكواير» الأمريكية أن الاختراق الروسي للولايات المتّحدة ودول أخرى ربما بدأ في 1996، بعد خمسة أعوامٍ من سقوط الاتحاد السوفييتي. من هذه الدول الأخرى ألمانيا، التي صرّحت وكالة الاستخبارات الداخلية فيها بأن مخترقين على صلة بالحكومة الروسية قد استهدفوا حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، وهو حزب المستشارة «أنجيلا ميركل».

«برونو كال»، رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، أخبر صحيفة «زود دويتشي تسايتونج» الألمانية الشهر الماضي أن روسيا قد تسعى إلى خلق «ضبابية سياسية» بهدف التأثير على الانتخابات الألمانية في عام 2017، والتي ستترشح فيها أنجيلا ميركل سعيًا إلى الفوز بفترة رابعة في المنصب.

اختراقات مزعومة أخرى شملت إستونيا، الجمهورية السوفيتية السابقة، والتي تعرّضت لهجومٍ شرس على بنيتها التحتية استمرّ شهرًا كاملًا في 2007. وهجمات مماثلة استهدفت دولتي جورجيا، وأوكرانيا. تشترك تلك الدول الثلاثة في قياداتها الموالية للغرب، والمنتقدة للسلطوية الروسية تحت حكم فلاديمير بوتين.

4-ما هي توابع «الاختراق» بالضبط؟

وفقًا للتقرير، يتوقف الأمر على الهدف. عندما يصل المخترقون الذين يُعتقد أنهم على صلة بروسيا إلى حواسيب وخوادم الحكومات أو المؤسسات أو الأفراد، يُمكنهم تسريب معلوماتٍ حساسة إلى موقع «ويكيليكس» أو المواقع المشابهة، مثلما حدث في اختراق اللجنة الوطنية الديمقراطية، واختراق الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (اتّهمت الوكالة روسيا بتزويد رياضييها بالمنشطات، ومنعت فريق سباقات المضمار والميدان من المشاركة في الألعاب الأولمبية الأخيرة في ريو). وبعد هجومهم على وكالة الأمن القومي الأمريكية، نشر المخترقون الملفات السرية على مواقع مشاركة الملفات، وفقًا لمجلة «إسكواير»
كما يُمكن استهداف البنية التحتية القومية، كما حدث مع أوكرانيا، إذ استهدف المخترقون شبكات الطاقة، واستتبعوها بخدمة الهاتف؛ لكيلا يتمكّن المستهلكون من الإبلاغ عن الأعطال.

لا تقتصر الأهداف على الحكومات والمؤسسات، ولكنها تشمل الأفراد أيضًا، وفقًا لتقريرٍ بصحيفة نيويورك تايمز، ذهب إلى أن الروس استهدفوا أجهزة معارضي الحكومة في الخارج، ونشروا عليها مقاطع إباحية للأطفال.

5- ما الدليل عن أن روسيا تدخّلت لصالح ترامب؟

المُتاح من المعلومات للعامة لا يؤكد بالقطع النوايا الروسية. بعضُ الأحداث تُشير إلى الأمر، منها التأييد المستمر للتلفاز الحكومي الروسي لترشّح ترامب، والأقاويل التي ترددت بأن اللجنة الوطنية الجمهورية تعرضت هي الأخرى للاختراق، لكن لم تُنشر أية تسريبات محرجة مماثلة للتي نُشرت عن الديمقراطيين. جديرٌ بالذكر أن اللجنة نفت حدوث الاختراق، وأكّدت أن أنظمتها الدفاعية تغلّبت على المحاولات.

تُشير «ذي أتلانتك» أيضًا إلى أن التقرير المشترك الصادر عن وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالية في 29 ديسمبر (كانون الأول) عن النشاط السيبراني الروسي أثناء الانتخابات الأمريكية افتقر إلى أدلة محددة، وتضمّن قائمة طويلة من البرمجيات الخبيثة، بعضها يستخدمه المخترقون غير الروسيين، وفقًا لنيويورك تايمز.

كذلك يُنكر المسؤولون الروسيون أية صلة لهم بالأمر، ويؤكّد خبراء روسيين أن تتبع مصدر الاختراق مستحيل، يؤيدهم في ذلك ترامب وعدد من رجاله المقربين، لكن «كافيه وادل» شرح في «ذي أتلانتك» أن تتبع مرتكب الاختراق صعب، إلا أنّه ليس مستحيلًا. يؤيده في ذلك «أندريه سولداتوف»، مؤلف كتاب «الشبكة الحمراء»، والذي قال لصحيفة «تيليجراف» البريطانية، «ربّما نواجه الآن أكبر مجتمعٍ من المهندسين في العالم، والعديد من المتخصصين العظماء. هم ليسوا مجرمين، وإنما محترفون».

6- لماذا نثق في تقاريرٍ صادرة عن الجهات نفسها التي اتّهمت العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل؟

وفقًا لـ«آيمي زيجارت»، الخبيرة الاستخباراتية الأمريكية، فإن الاختلاف كبير بين الأمرين؛ اختلافٌ في الأشخاص الذين عملوا على التحليلات الاستخباراتية، واختلافٌ في طبيعة الموضوع، واختلاف في عملية التحليل. لكن هذا لا يعني أنّ الإخفاقات الاستخباراتية السابقة ليست ذات أهمية. تقول زيجارت «أفضل الخبراء لم يتوقّعوا فوز ترامب، وهُناك أمريكان يتوقّعون ما سيفعله أمريكان في مجتمع مفتوح، وباستخدام استطلاعات رأي متكررة. في التحليل الاستخباراتي، يعمل الخصوم بكدٍ وينفقون مليارات الدولارات لإخفاء أنشطتهم وخداعنا».

أمّا «كينيث بولاك»، المحلل السابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية، والذي دعا إلى غزو العراق في 2003، فيذهب إلى أن صدام تخلّص من أسلحة الدمار الشامل بعد 1995، ولكنه لم يُرد إخبار شعبه بذلك؛ لكي لا يذهب الخوف عن الشعب العراقي، وهو ما قاد إلى «الخطأ» الذي وقعت فيه الاستخبارات الأمريكية.

«يُمكن للمجمع الاستخباراتي بالتأكيد أن يخطئ في هذه الأشياء، وينبغي عليك أن تنظر في كل شيءٍ بقدرٍ من الشكّ. ومع ذلك، يبدو أنّهم قد وجدوا آثار الجريمة في هذه الحالة. هذا هو الشيء اللطيف نوعًا بشأن الهجمات السيبرانية على حد فهمي، وهو إمكانية أن تتتبع ضربات المفاتيح وتشاهدها بنفسك.. وهذا لم يكن شيئًا متاحًا لنا في العراق».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد