في الأشهر الأخيرة صعَّدت السلطات الروسية من حملة الملاحقات والمحاكمات ضد النشطاء والمعارضين والصحافيين، بالإضافة إلى تجميد الحسابات المصرفية ومداهمة المنازل وتفتيشها مرارًا وتكرارًا.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّته روبين ديكسون، محررة الشؤون الدولية ومديرة مكتب الصحيفة في العاصمة الروسية موسكو، سلَّطت فيه الضوء على العقاب الذي تنفذه الحكومة في حق المعارضة الروسية، والذي يتمثل في الإبعاد والنفي لأداء الخدمة العسكرية في أرخبيل مهجور يقع بمنطقة القطب الشمالي الروسية، بعيدًا عن العُمْران والمدنيَّة، إذ إنه كان موقعًا تُجرى فيه اختبارات القنابل النووية السوفيتية في ستينات القرن الماضي.

بوتين يُحيي نهج المنفى السياسي

وفي مستهل التقرير – الذي أعادت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية نشره – أشارت الكاتبة إلى أوصاف المكان الذي يعيش فيه الأشخاص الذين تنفِيهِم الحكومة الروسية، وهو عبارة عن كوخ من المعدن ذي سقفٍ مليء بالشقوق والثقوب يشبه البرميل، ومعلَّق على أحد جدرانه من الداخل صورة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي هذا المكان المهجور لن تجد أشجارًا، أو خدمة إنترنت، أو خط هاتف أرضي، أو هاتف جوَّال.

ولا توجد في هذا المنفى مياه صالحة للشرب، سوى ثلجٍ مذاب، أو جليد. وسترى الدببة القطبية الجائعة منتشرة حولك في كل مكان. لذا يؤكد قادة المعارضة الروسية على أن المركز العسكري في شيراكينو يبدو مكانًا مثاليًا لإحياء أساليب النفي السياسي في روسيا في عهد بوتين.

تقول الكاتبة إنها تتحدث عن المكان الذي أُرسل إليه رسلان شافدينوف، أحد أبرز المعارضين السياسيين الواعدين في روسيا، بعدما حطَّم رجال أمن يرتدون أقنعة سوداء بابَ منزله واحتجزوه في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وتحدَّث شافيدينوف إلى صحيفة «واشنطن بوست» بعد عودته إلى موسكو في 23 ديسمبر، بعد عام كامل من اختطافه، قائلًا: «أطلَقُوا على هذا المكان اسم المنفى السياسي. ولم يُحاول الجيش الروسي تدريبي حتى على المهارات العسكرية».

دولي

منذ شهر
«الجارديان»: أسهم بقيمة 380 مليون دولار.. كيف اشتراها صهر بوتين بـ100 دولار؟

وألقت المحنة التي نزلت بشافيدينوف – أحد المقربين من زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني – بظلال أخرى على الأساليب العدائِية التي مارستها روسيا تصعيدًا لإسكات معارضي بوتين وترويعهم. وقد كثَّفت السلطات الروسية، خلال الأشهر الأخيرة، من حملة التضييق والملاحقات القضائية ضد النشطاء والمعارضين والصحافيين، بالإضافة إلى تجميد الحسابات المصرفية ومداهمة منازل المعارضين وتفتيشها مرارًا وتكرارًا.

ولفتت الكاتبة إلى أن التجنيد العسكري الإلزامي على الرجال هي الذريعة التي لجأت إليها السلطات الروسية لإرسال شافيدينوف إلى منطقة نوفايا زيمليا المهجورة، وهي إحدى الوسائل التي تُستخدم كثيرًا لنفي النشطاء السياسيين الشباب إلى أماكن نائية للقيام بمهام شاقة. إلا أن شافيدينوف يؤكد أن المسؤولين العسكريين أخبروه أن نفيه كان إجراء سياسيًّا، وأنه لم يتلقَ إخطارًا لأداء الخدمة العسكرية مطلقًا.

الانكماش السكاني كيف يمكن أن تثور الأجيال الجديدة من الروس على بوتين؟

وأشار التقرير إلى أن الخدمة العسكرية لمدة عام إلزامية على الشباب الروس، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و27 عامًا، لكن أبناء الأثرياء من الشعب الروسي، أو الذين تربطهم علاقات جيدة بالسلطة يمكنهم التهرب من أداء هذه الخدمة العسكرية عن طريق تقديم رشوة لمكاتب التجنيد العسكرية المحلية المعروفة بأنها غارقة في أوحال الفساد.

المعارضة الروسية: مزاعم علمية اختطاف

وذكرت الكاتبة أن شافيدينوف يُعد أحد الخصوم المهمين المناوئين للكرملين بسبب عمله مديرًا لمشروع وسيلة «التصويت الذكي» الخاص بنافالني، والتي تُوجِّه الناخبين للتصويت في الانتخابات لصالح المرشحين الذين يُعتقد أنهم قد يهزمون منافسيهم من حزب بوتين «روسيا الموحدة» الحاكم. وينتظر المعارضة الروسية امتحان صعب قادم وهو الانتخابات البرلمانية المُزمع إجراؤها في سبتمبر (أيلول) القادم.

وفي السياق ذاته، يرى نافالني أن «شافيدينوف كان ضحية لعملية اختطاف يبدو أن بوتين هو الذي أمر بها شخصيًّا». وصرَّح دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين قائلًا: «إذا كان شافدينوف قد تهرَّب من التجنيد، فإن كل ما تعرَّض له كان بموجب القانون».

ونشأ شافيدينوف، البالغ من العمر 24 عامًا، في إيسترا، إحدى بلديات روسيا الفقيرة الواقعة في غرب موسكو، وهي منطقة يُفضل السياسيون الروس وأصحاب المليارات أن يُشيدوا فيها قصورًا ريفية. وقد أثارت عدم المساواة تلك غضب شافيدينوف، قائلًا: «منذ طفولتي، وأنا أُدرك أن الأوضاع في روسيا لم تكن كما ينبغي، وأن ثمة ظلمًا في البلاد». وانضم شافيدينوف إلى مجموعة نافالني قبل ست سنوات.

ويتهم شافدينوف عدَّة أجهزة أمنية، من بينها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، ولجنة التحقيق الفيدرالية الروسية (هيئة تنفيذ القانون للجرائم الخطيرة)، والجيش الروسي، بالتورط في عملية اعتقاله، وترحيله من موسكو إلى منفاه، في عملية نموذجية للاعتقالات التي تتعرض لها شخصيات المعارضة البارزة، والصحافيون والنشطاء، بحسب الكاتبة.

وفي هذا الصدد قال فياتشيسلاف جيمادي، محامي شافدينوف: إن «السلطات الروسية انتهكت الإجراءات القانونية المعتادة بشأن المتهربين من الخدمة العسكرية، والذين ينبغي أن يُرسل إليهم أمر استدعاء مرة ومرتين. ويُواجه هؤلاء الذين يتجاهلون إرسال الاستدعاء الثاني جلسة استماع في المحكمة، والتي تفرض عليهم غرامة في العادة». ومع ذلك فإن التهرب من التجنيد يُعد جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة عامين.

عصابة السلطات الروسية لاختطاف المعارضين

روسيا - بوتين - الشرطة - الروسية - الاحتجاجات في روسيا

قوات الأمن الروسي

وتروي الكاتبة عملية الاختطاف التي تعرَّض لها شافدينوف، والتي بدأت في حوالي الساعة 3:30 مساءً في يوم 23 ديسمبر 2019. وعندما انقطع الاتصال بهاتفه الجوَّال، وتوقفت خدمة الإنترنت، وانقطعت الكهرباء فجأة في شقته بموسكو؛ مما تركه في عتمة مع غروب الشمس، تزامن ذلك مع طرقاتٍ من أفراد الشرطة الخاصة تكاد تخلع باب شقته.

واعتُقل شافدينوف في الأشهر السابقة، وجرى تفتيشه أكثر من مرة، وجُمِّد حسابه المصرفي. وأردف شافدينوف وهو يروي قصته بالكامل قائلًا: «نظرتُ من الفتحة الموجودة في بابي فرأيتُ حشدًا من الملثمين». وسرد محاميه كثيرًا من التفاصيل أمام المحكمة في يوليو (تمّوز).

وتابعت الكاتبة قائلةً: إن الشرر يتطاير أثناء تقطيع الملثمين باب شقته المعدني باستخدام آلة حادة. ولم يكن شافيدينوف يريد أن يتعرَّض للاعتقال، وهو لا يرتدي من ملابسه سوى سروالٍ قصير. وكان يهرول في العتمة بحثًا عن ثياب يرتديه على عجَل وارتدى جوارب غير متناسقة؛ لأنه لا يستطيع الرؤية وسط الظلام المفروض عليه. يقول المحامي: «إن أفراد الشرطة الروسية اقتحموا شقته وطرحوه أرضًا، وقيَّدوا يديه، واستولوا على حاسوبه، وهاتفه، وتلفازه».

وأكملت الكاتبة قصة اختطافه قائلة: ومن ثم نقلوه إلى المطار ووضعوه وهو لم يزل مقيَّد اليدين على متن طائرة، وذهبوا به إلى مدينة أرخانجيلسك الواقعة في أقصى شمال روسيا. يقول المحامي: إن «لواءً بحريًّا ومسؤولين عسكريين كبار التقوا بطاقم الطائرة قبل أن يُنقل شافيدينوف إلى طائرة أخرى حلَّقت إلى أرخبيل نوفايا زيمليا في وقت متأخر من الليلة نفسها».

يصف شافيدينوف حالته أثناء اختطافه قائلًا: «إن الأمر كان محيِّرًا جدًّا، وتوالت الأحداث بسرعة، حتى أنني لم يكن لدي متسع من الوقت لأشعر بالخوف. لقد رأيتُ أشخاصًا يحملون كاميرات فاعتقدت أنهم لن يقتلوني؛ لأنهم يُسجِّلون كل شيء». وفي اليوم التالي حصل على إذن بالاتصال بصديقته كيرا يارمش، سكرتيرة نافالني الصحافية، وكانت تلك هي مكالمته الهاتفية الوحيدة.

اختُطف وأُرسل إلى منفاه بسرعة رهيبة!

واستطرد شافيدينوف أنه نُقِل بعد ثلاثة أشهر بالطائرة إلى موقع عسكري سري بعيد جدًّا، والذي أُطلِق عليه اسم بوتشكا أو البرميل. وكان هناك ما بين ثلاثة وخمسة مجندين آخرين في وقت واحد، وتوصِّل مروحية الطعام إلى هذا المكان مرة واحدة شهريًّا والبريد كل شهرين. وأضاف: «كانت مهمتي تنظيف مدرج الهبوط، وإبعاد الدببة القطبية، والتي كانت تتضور جوعًا. وقد نامت على عتبة بابي. وهي في الواقع مخلوقات مخيفة جدًّا».

Embed from Getty Images

وألمحت الكاتبة إلى أن مسكنه الأشبه بالبرميل محفور في ذاكرته: كوخ يحتوي على نافذة يتيمة تغطيها ستائر صفراء قديمة مع إطارات تصنع مجال رؤية مسحطًا. أما غير ذلك فلا يوجد في المكان غير مهبط للطائرات وجبل، ولم تشرق عليه الشمس مطلقًا لأكثر من شهر في فصل الشتاء. وعندما يحتاج أحدنا إلى شرب المياه أو الاغتسال، ينبغي عليه في فصل الشتاء أن يُكسِّر كتلة من الثلج ويُذيبها على موقد يعمل بالحطب. أما في الصيف فينبغي عليه أن يسير قرابة كيلومترين (1.2 ميل) إلى النهر، ويعود حاملًا عبوتين من المياه بسعة 13 جالونًا، مع توخي الحذر من الدببة القطبية.

وخلُص شافيدينوف إلى أنه «يبدو أن السبب وراء نفيي إلى هذا المكان ألا تتاح لي أية إمكانية للتواصل مع عائلتي أو أصدقائي، وهذا ضغط نفسي هائل. تصَّور نفسك وحيدًا مع الدببة والكلاب البرية وشخصين آخرين فقط. ولم أكن أفعل شيئًا سوى قراءة الكتب، أو التحديق من النافذة، ومشاهدة حياتي تمضي كما يمر الماء من بين أصابعي. وربما إن كنتُ شخصًا آخر لما كنتُ سأفعل ذلك، وكنت سأصل لمرحلة اليأس».

سحق النشاط السياسي في روسيا.. منفى الخدمة العسكرية

وألمحت الكاتبة إلى أن شافيدينوف أمضى كثيرًا من الوقت في الحديث عن أمور السياسة مع غيره من المجندين، وكانوا جميعًا ينتمون إلى المنطقة الشمالية. وقد عَلِم من خلال إحدى الخطابات التي وصلته أن نافالني تعرَّض لعملية تسميم ودخل في غيبوبة، لكنه ظل لعدة أشهر لا يعرف أن ملهمه نجا من الموت. وأرسلت السلطات الروسية عددًا من أعضاء المعارضة الآخرين لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في مواقع نائية وقاسية.

ويرى شافدينوف أن الهدف من هذه الممارسات هو سحق النشاط السياسي بين الجيل الجديد من الشباب، الذين يشعرون بالنفور من قمع بوتين، ومحاولاته للحد من حرية الإنترنت. ويضيف أن «الأمور تزداد سوءًا كل عام، مع تقلص الحريات، وشن مزيد من حملات القمع السياسي، والزج بكثير من المعارضين السياسيين في السجون، إلى جانب التضييق على أشكال المعارضة. إن آلة القمع الروسية (جهاز الأمن الروسي) لا ترحم أحدًا وتدمِّر الجميع. وأعتقد أنني أُرسِلتُ إلى منطقة بوتشكا كي يحطِّموني ويكسروا أنفي، لكنني لم أسمح لهم بذلك».

Embed from Getty Images

ومن جانبه يقول جيمادي، محامي شافيدينوف الذي رفع دعوى قضائية ضد السلطات الروسية بتهمة تعرض موكله للاختطاف غير القانوني: إن «المحكمة رفضت الشكوى التي قدمناها دون مبرر. ولم تقدم وزارة الدفاع أي رد رسمي في المحكمة على الدعوى القضائية. ومن الواضح أن ما تعرض له شافيدينوف كان نفيًا سياسيًّا بسبب عدم قانونية تجنيده شكلًا ومضمونًا، والتي تضمنت عمليات تفتيش واختيار وجهة معينة: وهي وحدة عسكرية نائية جدًّا، والتي لا يُؤدي فيها الخدمة سوى المجندين من مدينة أرخانجيلسك فحسب».

ممارسة ممنهجة وليست حالة فردية

كما أبرز التقرير اعتقال أرتيوم إيونوف، أحد أعضاء مؤسسة مكافحة الفساد التابعة لنافالني، في شهر يونيو (حزيران)، ونقله إلى وحدة عسكرية في منطقة تشوكوتكا التي تقع في أقصى شمال البلاد على الرغم من معاناته من مرض الربو، واستبعاده من الخدمة العسكرية. وفي يوليو اعتقل إيفان كونوفالوف، السكرتير الصحافي لـ«النقابة المستقلة للعاملين بالقطاع الطبي» والمعروفة بـ«ائتلاف الأطباء»، ونُقِل جوًّا إلى وحدة أرخانجيلسك العسكرية.

بالإضافة إلى ذلك يُواجه إيجور تشيرنيوك، المدير السابق لمقر نافالني في كالينينجراد، والذي يعيش حاليًا في بنسلفانيا، تهمة جنائية روسية بالتهرب من الخدمة العسكرية. كما يُواجه أليكسي شوارتز، رئيس مقر نافالني في كورجان، المحاكمة بتهمة التهرب من التجنيد.

وفي السياق ذاته يؤكد أليكسي تابالوف، ناشط ومؤسس منظمة غير حكومية، أن «هذه الممارسة التي تنفذها السلطات الروسية تتزايد مع مرور الوقت. وكل يوم نسمع عن مزيد من المحاولات لتنفيذها. إن الاستبداد يستفحل في روسيا. ويمكننا أن نقول إنه ليس مجرد سلطوية. بل أصبحنا ندرك أن بوتين لن يرحل عن هذا الحكم الاستبدادي، وما دام أنه على قيد الحياة فسيظل يحكم البلاد، ويزداد الوضع سوءًا».

حقوق إنسان

منذ شهر
«الإفساد في الأرض».. كيف تستخدم السعودية وإيران العقوبات الدينية لقتل المعارضين؟

البصمة الأخيرة

واختتمت الكاتبة تقريرها بالتأييد الذي حظي به شافيدينوف عندما عاد إلى منزله في موسكو، واستلم حقيبة مليئة برسائل من المؤيدين والمهنئين، ولم يتبقَ له من رحلته سوى بصمته الرقمية: إذ وضع المؤيدون علامة على منطقة «بوتشكا» على خرائط جوجل، وأسموها بـ«محطة وقود شافيدينوف» وهو ما اجتذب عددًا من التقييمات من فئة الخمس نجوم، والتي تُمثل رسائل دعم له.

وكتب ميخائيل سامين، أحد المؤيدين «صحيح أن هناك دببةً والجو قارص البرودة، لكن الرفقة والصُحبة كانت رائعة». بينما كتب مؤيد آخر: «كفى هذا من فضلكم، سنبني نصبًا تذكاريًّا لجميع السجناء السياسيين المعاصرين عندما يتحقق لنا المستقبل الروسي الذي نتمناه».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد