نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لأندرو هيجينز، مدير مكتب الصحيفة في شرق أوروبا ووسطها والمقيم في العاصمة البولندية وارسو، تناول فيه الأزمات التي يتسبب فيها لقاح «سبوتنيك» الروسي في أوروبا، وأثر ذلك على المشهد السياسي في تلك البلدان الأوروبية.

استهل الكاتب تقريره بالقول: عندما رحَّب رئيس وزراء سلوفاكيا بالطائرة العسكرية التي تحمل 200 ألف جرعة من لقاح «سبوتنيك» الروسي في مارس (آذار) الماضي، وقف بفخر والتقط الصور على مدرَّج الطائرة بجانب الصناديق المحمَّلة بما كان يظن أنه الخلاص الطبي لبلاده.

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: هل يستطيع الغرب منع هجوم روسي جديد على أوكرانيا؟

وكانت سلوفاكيا في ذلك الوقت تمثِّل أعلى نسبة وفيات للفرد في العالم نتيجة الإصابة بمرض كوفيد-19، وأعطى وصول اللقاح الروسي بصيص أمل للتخفيف من تداعيات هذا المرض على حياة الناس. وفيما يخص روسيا، قدَّمت هذه الصفقة فوائد كبيرة لها أيضًا، والتي تمثلت في فتح سوق صغيرة، ولكنها مهمة من الناحية الرمزية لبيع منتجها في الاتحاد الأوروبي الذي رفض تسجيل اللقاح حتى الآن، وحثَّ الدول الأعضاء على تأجيل الطلب حتى يحظى هذا اللقاح بالموافقة.

جهود كلَّفته منصبه

يفيد التقرير أن هذه الجهود التي بذلها الرئيس السلوفاكي إيجو ماتوفيتش، أصبحت وبالًا عليه، إذ كلَّفته منصبه وكادت تطيح الحكومة بأكملها بعد ثلاثة أشهر فقط من تبنِّيها لإستراتيجية أمنية جديدة تهدف إلى الدعم المطلق لحلف شمال الأطلسي والحذر من روسيا. ويبدو أن الحكومة السلوفاكية الموالية بشدة للغرب والمُمزَّقة بين الوفاء بالتزامها بالقواعد الأوروبية وبين يأسها من الخروج من الأزمة الصحية التي ألمَّت بالبلاد، تشهد اضطرابًا سياسيًّا منذ أسابيع.

ولم يزل من غير الواضح هل «سبوتنيك ڤي»، أول لقاح مسجل في العالم لفيروس كورونا، حقًا سَبْق طبي له فاعليته؟ ومع ذلك فقد أثبت فاعليته على نحو ملحوظ في نشر الفوضى والانقسام في جميع أنحاء أوروبا.

انقسامات في أوروبا بشأن اللقاح الروسي

ويلفت التقرير إلى أنه في فرنسا على سبيل المثال، تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون إلى بوتين مؤخرًا حول عمليات تسليم محتملة للقاح «سبوتنيك»؛ الأمر الذي عَدَّه وزير خارجية ماكرون مجرد «أداة دعائية». وفي النمسا، اشتبك المستشار النمساوي، سيباستيان كورتس، مع أنجيلا ميركل بشأن برنامج التطعيم الذي يتضمن اللقاحات الغربية فقط. إلا أن سلوفاكيا هي المثال الأكبر هنا على سُمِّيَّة الآثار الجانبية للقاح الروسي!

Embed from Getty Images

وبدلًا عن أن ينال السيد ماتوفيتش الاستحسان لطلبه 5 ملايين جرعة من اللقاح الروسي، واجه اتهامات من وزرائه بإبرامه الصفقة دون علمهم، والانشقاق عن الكتلة الأوروبية والاستسلام لما وصفه وزير الخارجية، إيفان كوركوك، بأنه «أداة حرب هجينة تلقي بظلال من الشك على العمل مع الاتحاد الأوروبي». وفي مقابلة أجريت معه قال ماتوفيتش: «اعتقدتُ أن الناس سيكونون شاكرين لأننا وفَّرنا لهم لقاح «سبوتنيك»، لكن حدث العكس وواجهنا أزمة سياسية وأصبحتُ عدوًا للشعب».

الأراضي الشيوعية السابقة أيضًا تتساءل عن نوايا روسيا من نشر لقاحها

ويشير التقرير إلى ما قالته رئيسة وزراء ليتوانيا، إنجريد سيمونيت، في تغريدة نشرتها في فبراير (شباط) الماضي أن بوتين يقدم لقاح بلاده للعالم باعتباره «سلاحًا للتفرقة والسيادة»، وأضافت أنها تدرس شراء اللقاح الصيني على الرغم من المخاوف المماثلة التي يثيرها هو الآخر بدوره، إلا أنها بالتأكيد لن تطلب «سبوتنيك».

ووجد استطلاع حديث أجرته مجموعة الأبحاث جلوبسيك أنه من بين أولئك الذين يرغبون في أخذ اللقاح، 1% فقط من البولنديين والرومانيين و2% من الليتوانيين سيفضلون «سبوتنيك» على الأنواع الأمريكية والأوروبية الأخرى. وحتى في المجر، العضو الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي بدأ بتلقيح مواطنيه بلقاح «سبوتنيك»، أفاد 4% فقط من الناس أنهم يريدون اللقاح الروسي. ولكن في سلوفاكيا، أعرب 15% من الراغبين في التطعيم عن تفضيلهم للقاح الروسي؛ مُمهدين الطريق أمام روسيا للخروج من العزلة التي فرضتها عليها الشكوك المثارة بشأن لقاحها في أماكن أخرى.

وكان استهداف روسيا لسلوفاكيا واضحًا حتى قبل أن يطلب ماتوفيتش اللقاح. فقد قال بيتر كولز، مدير معهد السياسة الأمنية السلوفاكية: إن «هذا كان واضحًا من الرسائل التي تبثها وسائل الإعلام المناهضة للحكومة، والتي تعكس نظرة روسيا للعالم». وأضاف: «إنها خلال العام الماضي، وقبل أن تُنتِج أي جهة لقاحًا، كانت تروِّج لنظريات المؤامرة الجامحة بشأن خلق طفرات في البشر وحقنهم برقائق نانوية».

واستدرك قائلًا: «ولكن عندما أعلن بوتين عن «سبوتنيك» اختلفت الرواية، وبينما كانت لم تزل متشككة بشأن اللقاحات الغربية، أصبحت هذه الجهات تشيد بلقاح «سبوتنيك» على اعتباره منقذًا لسلوفاكيا».

Embed from Getty Images

وفي السياق نفسه عبَّر مارتن سماتانا، المسؤول السابق في وزارة الصحة السلوفاكية، عن دهشته من عدد أصدقائه الذي أصبحوا يرغبون في تلقي اللقاح الروسي.

تصرُّف فردي

ولكن ماتوفيتش قال إنه كان يدرك أن اللقاح الروسي لم يصرَّح باستخدامه في أوروبا، ولكن القاعدة الأساسية في الجائحة هي الصحة وإنقاذ الأرواح. ولكن عندما أخذ السيد ماتوفيتش فكرة استيراد لقاح «سبوتنيك» إلى حكومته في فبراير الماضي، طلبت منه أن ينتظر حتى تعطي وكالة الأدوية الأوروبية الضوء الأخضر. ولكن ماتوفيتش قرر أنه بينما على حكومته اتِّباع القواعد الأوروبية، يمكن لوزير الصحة في حكومته أن يطلب لقاح «سبوتنيك» لمواجهة حالة الطوارئ في البلاد، وفقًا للكاتب.

وقال وزير الخارجية، مارتن كلوس، إنه سمع عن تسليم اللقاح قبل وصوله بساعتين فقط. ولتفادي الاضطراب العارم الذي أعقب وصول لقاح «سبوتنيك» وللحفاظ على حكومته الائتلافية الهشَّة، وافق ماتوفيتش في 30 مارس على التنحي عن منصبه وتبادل المناصب مع وزير ماليته. وقال السيد كلوس إن روسيا ربما لم تكن تنوي الإطاحة بالحكومة، ولكن بعد محاولات كسر الوحدة الأوروبية بشأن العقوبات المفروضة عليها بعد ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014، سيكون انهيار الحكومة في سلوفاكيا نجاحًا كبيرًا لها.

وفي تقرير صدر الأسبوع الماضي، قالت الخدمة الخارجية للاتحاد الأوروبي إن حملة روسيا للترويج للقاح «سبوتنيك» في الخارج كانت تهدف إلى «زرع عدم الثقة» في منظم الأدوية في أوروبا وإذكاء نار الانقسامات.

لقاح للبشرية جمعاء!

وينقل التقرير رد روسيا على هذه الاتهامات؛ إذ أعربت وكالة الاستثمار الحكومية الروسية التي تقود حملة تصدير لقاح «سبوتنيك» عن أسفها لأن اللقاح الذي عَدَّته «لقاحًا للبشرية جمعاء» وقع ضحية «هجمات معلوماتية يومية مؤسفة». وعندما أثارت البرازيل مخاوف بشأن عدم كفاية البيانات أصدر معهد الجمالية مطوِّر اللقاح في موسكو بيانًا غاضبًا يشتكي فيه من أن «القوى غير الأخلاقية تهاجم لقاح «سبوتنيك» لأسباب تنافسية وسياسية».

ووصلت ذروة الجدل في سلوفاكيا في أبريل (نيسان) الماضي عندما زعمت وكالة تنظيم الأدوية في البلاد أن الجرعات التي وصلت إلى سلوفاكيا وكلَّفتها مليوني دولار تختلف عن تلك التي حظيت بمراجعة إيجابية في مجلة «لانسيت» البريطانية العريقة. وكانت المجلة ذكرت أن فاعلية اللقاح تصل إلى 91.6%، ومع ذلك فليست هذه هي مشكلة اللقاح الأساسية؛ إذ تكمن مشكلته في فشل روسيا المتكرر في اتباع الإجراءات وتوفير البيانات التي يحتاجها المنظمون الأجانب لتقييم السلامة.

Embed from Getty Images

ولم تزل الجرعات البالغ عددها 20 ألفًا، والتي سلَّمتها روسيا إلى سلوفاكيا، قابِعة في مستودع للأدوية في شرق البلاد، في حين قال ماتوفيتش: إن روسيا أعادت بالفعل الأموال التي دفعتها سلوفاكيا.

وقال بافول بابوس، المحلل السياسي في العاصمة السلوفاكية: إن ماتوفيتش لم يكن أبدًا مؤيدًا لروسيا، ولكنه ساذج جدًّا، ووقَع في فخ نصبته له الدعاية الروسية. ولكن ماتوفيتش سخر من ذلك وقال: إن الروس أرادوا المساعدة، ولكن بدلًا عن شكرهم، كِلْنَا لهم الاتهامات.

ما مشكلة اللقاح الروسي الأساسية؟

ويختم التقرير مع ما قالته رئيسة مركز الأبحاث الطبية الحيوية، الذي أجرى 14 اختبارًا في سلوفاكيا على اللقاح الروسي، إنها ليست لديها مخاوف بشأن فاعلية «سبوتنيك»، لكنها منزعجة من افتقار روسيا إلى الشفافية. ففي حين وُثِّقت الآثار الجانبية المحتملة للقاحات مثل أسترازينيكا وجونسون آند جونسون علنًا، «لا نعرف أي شيء عن الآثار الجانبية للقاح «سبوتنيك».

وقالت: إن اللقاح الروسي اجتاز جميع اختبارات فريقها، ولكنه فشل في الحصول على موافقة الهيئة التنظيمية الحكومية؛ لأن أكثر من ثلاثة أرباع المستندات المطلوبة للوفاء بالمعايير الأوروبية إما لم تُقدَّم، أو كانت غير مكتملة. وقالت السيدة باستوريكوفا: «نحن جزء من الأسرة الأوروبية، وعلينا أن نقبل قواعدها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد