تنظر مجموعة «فاجنر» الأمنية الروسية باهتمام إلى مالي، والتي تتوافق أوضاعها مع النمط الذي تتبناه روسيا للتدخل في قارة أفريقيا.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا أعدَّته إيمي ماكينون، مراسلة الأمن القومي والاستخبارات، سلَّطت فيه الضوء على سعي روسيا لبسط مزيد من نفوذها في قارة أفريقيا من خلال تزويد الحكومات الهشة والوليدة بمقاتلين من مجموعة «فاجنر» الأمنية الروسية، مشيرةً إلى أن الكرملين على وشك الاتفاق مع الحكومة الانتقالية الخاضعة للمؤسسة العسكرية في مالي لبدء نشر هذه القوات.

لماذا يقلق الغرب من «فاجنر»؟

في مستهل تقريرها، تتوقع المراسلة أن يُوضع قريبًا على جوازات سفر مقاتلي مجموعة «فاجنر» المرتزقة الروسية ختمًا آخر يتيح لها الدخول إلى أراضي دولة مالي التي تقع في غرب أفريقيا، بعدما عاث هؤلاء المرتزقة الروس فسادًا بالفعل في خمس دول أفريقية هشة على الأقل، فأصبحت سجلاتهم حافلة بانتهاكات حقوق الإنسان وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتدخلات السياسية.

Embed from Getty Images

ويوضح التقرير أنه في الأسبوع الماضي، أفادت وكالة رويترز أن مالي، التي يحكمها في الوقت الحالي مجلس عسكري بعدما شهدت انقلابَيْن خلال الأشهر الثلاثة عشرة الماضية، تُجري محادثات مع مجموعة «فاجنر» لتوظيف ما لا يقل عن ألف مقاتل لتدريب أفراد الجيش المالي وتوفير الأمن لكبار المسؤولين. إلا أن بعض الخبراء والمسؤولين الغربيين أعربوا عن مخاوفهم من أن يؤدي وجود مجموعة «فاجنر» في مالي إلى أن يَدِين الرئيس الجديد للبلاد بالفضل لموسكو، فضلًا عن تفاقم حالة عدم الاستقرار، التي أسفرت بالفعل عن إجبار ملايين من الشعب المالي على الرحيل من منازلهم.

وصحيحٌ أن وجود ألف مقاتل من مرتزقة «فاجنر» في دولة بحجم مالي يبدو وكأنه قطرة في المحيط، لكن التقارير الواردة من مالي أثارت قلق العواصم الغربية، وخاصة العاصمة الفرنسية باريس، التي تُعد في منتصف الطريق إلى تقليص وجودها تدريجيًّا في منطقة الساحل الأفريقي الذي بدأ منذ ثماني سنوات بهدف مكافحة الإرهاب. 

نفوذ الكرملين يتنامى في أفريقيا بسبب «فاجنر»

يشير التقرير إلى أن وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورانس بارلي، سافرت إلى مالي خلال عطلة نهاية الأسبوع لحث الحكومة العسكرية على إعادة النظر في هذه الخطوة، وفي يوم الاثنين، حذَّرت من أن إبرام مالي اتفاقًا مع «فاجنر» لدخول مقاتليها إلى البلاد سيؤدي إلى عزل مالي دوليًّا. بينما أعلنت ألمانيا، التي لديها كذلك عدة مئات من القوات في المنطقة، أنها قد تضطر أيضًا إلى إعادة النظر في التزاماتها العسكرية في المنطقة.

وفي هذا الصدد، أرسل مسؤول فرنسي إلى مجلة «فورين بوليسي» رسالة عبر البريد الإلكتروني قائلًا إن: «وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي أشارت إلى أن المجلس العسكري في مالي لم يُوقع أي عقد مع فاجنر، وذكَّرت أن قوات برخان لا يمكنها أن تتعايش مع قوة فاجنر، في إشارة إلى عملية برخان، وهي عملية مسلحة لمكافحة التمرد في منطقة الساحل الأفريقي تحت قيادة فرنسا، والتي تخوض معركة مع فروع تنظيمي القاعدة وداعش»، بالإضافة إلى الاشتباك مع مقاتلي «بوكو حرام».

Embed from Getty Images

ويلفت التقرير إلى أن إمكانية نشر مقاتلي «فاجنر» في مالي يتناسب مع أسلوب روسي جديد لإرسال مرتزقة روسيين لدعم القادة الأفارقة المحاصرين؛ مما يجعل الكرملين يحظى بنفوذ كبير للحصول على الحد الأدنى من الاستثمار. ومن الناحية الشكلية، يُعتقد على نطاق واسع أن الشبكة المبهمة من الشركات والمتعاقدين الذين يشكلون ما يُسمى بمجموعة «فاجنر» ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستخبارات الروسية.

المزج بين أنشطة المرتزقة وجني ثمار الموارد الطبيعية!

يُوضح جوزيف سيجل، مدير الأبحاث في مركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني، قائلًا: «لدينا خريطة توضح تمامًا كيفية حدوث ذلك». واستشهد سيجل بجمهورية أفريقيا الوسطى، والتي أُرسل إليها أكثر من ألفين من مقاتلي «فاجنر» منذ عام 2017.

وكانت مهمة هؤلاء المقاتلين، ظاهريًّا، تتمثل في أنهم مدرِّبين عسكريين غير مسلحين، وتمكنوا من الالتفاف على حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة عام 2013 على مالي من خلال انتشارهم في البلاد. لكن الروس سرعان ما تبوأوا مكانة مرموقة بعد توليهم مهام الحراسة الشخصية لفوستان آرشانج تواديرا، رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، بينما عُيِّن فاليري زاخاروف، مسؤول سابق في المخابرات العسكرية الروسية، مستشارًا للأمن القومي لتواديرا.

دولي

منذ 4 شهور
سكين روسيا الناعم.. ماذا تعرف عن شبكة بوتين الجاسوسية؟

ويضيف سيجل أن الروس: «اكتسبوا نفوذًا غير مسبوق في جمهورية أفريقيا الوسطى، وتورطت فاجنر بصورة أساسية في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وعمليات القتل خارج القانون والاغتصاب والتعذيب». وكانت إحدى سمات مجموعة «فاجنر» المميزة هي الجمع بين نشاط المرتزقة، الذي يسعى إلى تعزيز أهداف الكرملين الجيوسياسية، وبين جني ثمار استخراج الموارد الطبيعية المربحة في الدول التي يعملون فيها. وقد نفذت «فاجنر» هذا النمط في سوريا وليبيا والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث حازت الشركات التابعة لها على امتيازات التنقيب عن الذهب والماس في عام 2018.

وفي السياق ذاته، يُؤكد سيجل قائلًا: «أراهن على أن فاجنر ستتمكن من الوصول إلى بعض مناجم الذهب واليورانيوم والبوكسايت (الخام الطبيعي الذي يُصنع منه معظم معدن الألومنيوم) في مالي قريبًا».

تكتيك استهداف الدول الهشة

يُنوه التقرير إلى أن روسيا تسعى بانتظام لزيادة نفوذها في جميع أنحاء أفريقيا من خلال استخدام مزيد من الحملات الاقتصادية والدبلوماسية التقليدية المذهلة، بالإضافة إلى استخدامها لمزيد من الوسائل الماكرة عبر مجموعة «فاجنر» في ظل سعيها إلى زيادة إمكانية حصولهم على احتياطيات الموارد الطبيعية الثمينة في القارة السمراء، وذلك من أجل فرض نفوذها وتحقيق رؤية الكرملين المتمثلة في عالم متعدد الأقطاب.

Embed from Getty Images

وقياسًا على المعايير التقليدية لمفهوم إدارة الحكم، تتزايد روابط العلاقات الروسية لكنها تظل أقل من روابط الصين والولايات المتحدة والدول الأوروبية. وبينما تُمثل أفريقيا 16% من صادرات الأسلحة الروسية، تستقبل آسيا 60% من الأسلحة الروسية. وعلى الرغم من أن تجارة روسيا مع قارة أفريقيا في ازدياد، يظل حجمها ضئيلًا بالنظر إلى تجارة دول أخرى. ولكن إذا كان هناك أمر واحد أثبتت روسيا براعتها فيه، فهو أنها تلعب جيدًا بأوراق ضعيفة. ومنحت إستراتيجيات مثل الاعتماد على مجموعة «فاجنر»، الكرملين تأثيرًا كبيرًا بالنظر إلى استثماراته.

وألمح التقرير إلى أن موسكو تمكَّنت، من خلال استهداف الدول الهشة في لحظات الاضطراب، من الاستيلاء على تلك الدول واحدة تلو الأخرى. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2020، أعلنت الحكومة الروسية أنها أبرمت اتفاقًا مع الحكومة السودانية لإنشاء قاعدة بحرية في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر، من أجل توسيع نطاق وجودها العسكري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن هذا الاتفاق، الذي اتفق عليه الكرملين في البداية مع الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، لا تزال الحكومة السودانية الجديدة تراجِعه.

«فاجنر» رأس حربة الكرملين!

وأفادت القيادة الأمريكية في أفريقيا بأن قوات «فاجنر» كانت تعد رأس الحربة في ليبيا، إذ قاتلت إلى جانب قوات اللواء المنشق، خليفة حفتر، وأرسلت طائرات مقاتلة روسية متقدِّمة. وفي مدغشقر، شاركت قوات «فاجنر» في تدريب القوات المسلحة المحلية، كما أُرسل عدد من أعضاء مجموعة «فاجنر» إلى موزمبيق.

ويُشير التقرير إلى أن روسيا وقَّعت منذ عام 2015 عددًا من الاتفاقيات الثنائية للتعاون العسكري مع أكثر من 20 دولة أفريقية، وخلال فصل الصيف، وقَّعت اتفاقيات مع أكثر دولتين اكتظاظًا بالسكان في القارة، إثيوبيا ونيجيريا. وفي عام 2019 عُقدت القمة الروسية الأفريقية الأولى، التي شارك في استضافتها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، ومن المقرر عقد قمة أخرى في العام المقبل. يقول كاميرون هدسون، المدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، إنه: «إذا نظرت إلى الأمر، فستجد محورًا ضخمًا يمتد من ليبيا والبحر الأبيض المتوسط إلى أفريقيا الوسطى مرورًا بالبحر الأحمر على الأقل ويصل إلى مالي حاليًا».

الدور الروسي في انقلاب مالي

تابع التقرير موضحًا أن دور روسيا في الانقلاب الذي قاده جيش مالي في أغسطس (آب) 2020، والذي أطاح الرئيس المالي آنذاك، إبراهيم بوبكر كيتا، لا يزال غير واضح. وذكر موقع «ديلي بيست» الأمريكي أن اثنين من مخططي الانقلاب كانا في روسيا للتدريب العسكري وتوجَّهوا من موسكو إلى العاصمة المالية باماكو قبل أيام قليلة من تنفيذ الانقلاب. ويرى سيجل أن المعلومات المضللة الصادرة من روسيا أجَّجت أيضًا الاحتجاجات التي قادت إلى الانقلاب. لكن تورط روسيا في مأزق مالي الراهن لن يفيدها.

Embed from Getty Images

وأفادت إحصائيات الأمم المتحدة بأن أكثر من مليوني شخص نزحوا من منطقة الساحل الأفريقي في ظل تزايد تهديدات المتمردين الذين انتشروا من مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، مما أدَّى إلى تأجيج العنف الطائفي وردود الفعل الوحشية من الجيوش الوطنية والأجنبية التي غذَّت عمليات تجنيد تقوم بها الجماعات المتشددة. أما عن فرنسا، فإنها تتراجع إلى الوراء بالتزامن مع تطلعها إلى تحالف دولي يحل محلها ويضطلع بمهمتها القتالية وتتحمل القوات التابعة له مسؤولية تدريب القوات المحلية ومرافقتها.

يُؤكد سيجل: «الحفاظ على الوجود الأمني وإعادة بناء ثقة المجتمعات المحلية والتعاون معها هو الذي سيحدث فرقًا. وهذا يتطلب مضاعفة أعداد القوات المحلية المدربة تدريبًا جيدًا. ولهذا السبب، يُعد جلب قوات فاجنر طريقة غير مناسبة لحل الأزمة التي يعاني منها الشعب المالي، والتي يمكن أن تؤدي إلى خروج البيئة الأمنية عن السيطرة».

بينما يرى هدسون أنه إذا جلبت الحكومة الانتقالية الخاضعة لسلطة الجيش في مالي مقاتلي «فاجنر»، فستكون هذه «لحظة فاصلة محتملة. وفي الأساس، تختار الحكومة الانتقالية بين المرتزقة التابعين لروسيا أو الاستمرار في التعاون مع بعض الجيوش الأكثر احتراما في العالم».

الدور الأمريكي

يُبرز التقرير أن التغلغل الروسي في أفريقيا يثير مخاوف الغرب بشأن مقاصد موسكو على المدى البعيد. وتُعد مواجهة نفوذ روسيا والصين أحد الأهداف الواضحة لإستراتيجية جديدة تنتهجها الولايات المتحدة في أفريقيا، وتتمركز حول التجارة، ومكافحة الإرهاب، والتي كشف عنها جون بولتون في عام 2018 عندما كان مستشارًا للأمن القومي الأمريكي.

سياسة

منذ 3 سنوات
مترجم: الوطن الجديد للجهاد.. لماذا تزدهر الجماعات الإرهابية في إفريقيا؟

وخلال الحرب الباردة، سعى الاتحاد السوفيتي إلى شق طريقه في أفريقيا، مكتسبًا مناطق نفوذ جديدة من خلال دعم حركات الاستقلال واستغلال ما خلَّفه الإرث الاستعماري الوحشي للدول الغربية من آثار سلبية. وأدَّت هذه الذكريات إلى تخوف صانعي السياسة الأمريكية من التقدم الروسي في الدول التي لا يُعيرونها كثيرًا من الاهتمام. يقول بولتون: «إنهم يخضعون للجهة الجنوبية لحلف الناتو. وأنا لا أقول إن دور قوات فاجنر جوهريًّا للغاية، لكنها تعمل على توسيع نطاق نفوذ الكرملين والجهود لكسب تأييد الحكومات في المنطقة، بالإضافة إلى ما يؤدونه من مهام أخرى لاستخراج المعادن، والتي تؤدي إلى تقوية العلاقات الاقتصادية».

وفي ختام التقرير، تستشهد المراسلة بما قاله بول سترونسكي، الباحث البارز في برنامج روسيا وأوراسيا التابع لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: «زيادة نفوذ روسيا ومجموعة فاجنر في أفريقيا في الأونة الأخيرة لا ينبغي بالضرورة أن يستحوذ على انتباه صانعي السياسة. ولا ينبغي أن نشعر بالهلع من وجود روسيا في أفريقيا بحد ذاته. وعلينا تفعيل سياسة مواجهة روسيا في كل البلاد بدلًا من مواجهتها في أفريقيا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد