نشرت مجلة «ذا دبلومات» الأمريكية التي تهتم بالشؤون الدولية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تقريرًا لنوديرجون كيرغيزباييف، دبلوماسي أوزبكي سابق ومحلل سياسي، حول هدف روسيا من وجودها في أفغانستان، خَلُص فيه الكاتب إلى أن الوجود الروسي في آسيا الوسطى، الذي يستند إلى وجود تهديدات من جانب الجماعات الإرهابية في أفغانستان، يعرقل التنمية السياسية والاقتصادية في المنطقة.

وصدَّر الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أعرب في رسالة وجَّهها عبر الفيديو إلى المشاركين في مؤتمر جنيف الدولي بشأن أفغانستان في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 عن قلق موسكو إزاء التصعيد المستمر للعنف في أفغانستان، وأكَّد على نحو خاص أن مقاتلي «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» يحشدون قواتهم في الأقاليم الشمالية من البلاد لإيجاد نقطة انطلاق نحو السيطرة على مزيد من الأراضي والتوسُّع في آسيا الوسطى.

دولي

منذ 10 شهور
«ميدل إيست آي»: أول موطئ قدم لها في أفريقيا.. ماذا تريد روسيا من بورتسودان؟

روسيا والتلويح بالتهديد الأمني

ولفت الكاتب إلى أن تصريح وزير الخارجية الروسي بشأن تهديد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» جاء بعد قرار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب بتخفيض عدد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى 2.500 جندي بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) 2021، وهو ما قد يفيد في تأكيد مخاوف الجانب الروسي من تدهور الوضع الأمني. وفي الوقت نفسه هناك عوامل تُلقي بظلال من الشك على موقف موسكو، والذي يمكن اعتباره أيضًا جزءًا من رغبة روسية في دعم أهداف سياستها الخارجية في الجنوب.

وكان مسؤولون روس قد أدلوا في الماضي بتصريحات عديدة حول النفوذ المتنامي للجماعات الإرهابية الدولية في شمال أفغانستان، حيث تقول موسكو إن هذه الجماعات تهدف إلى توسيع عملياتها لتشمل آسيا الوسطى، وقد تطرق لافروف إلى هذا الموضوع أثناء خطاب ألقاه في مؤتمر عُقِد في موسكو بشأن أفغانستان في نوفمبر 2018، وأعلن أن مقاتلي «تنظيم الدولة» في أفغانستان يتلقون الدعم من رعاةٍ أجانب بُغية تحويل البلاد إلى منطقة انطلاق للمزيد من التقدم في اتجاه آسيا الوسطى.

وفي يناير 2019 أعرب نائب وزير الخارجية الروسي إيجور زوبكوف أيضًا عن مخاوفه من أن مقاتلي «تنظيم الدولة» يتجمعون معًا في طائرات مروحية ويستعدون لشن هجوم على حدود طاجيكستان، وقد أدلى زوبكوف بهذا التصريح قبل أيام قليلة من زيارة قام بها لافروف إلى العاصمة الطاجيكستانية دوشانبي، حيث عرض مساعدة أمنية إضافية إلى الجانب الطاجيكستاني.

الحفاظ على النفوذ الروسي في المنطقة

الحرب العالمية الثالثة - روسيا

وأوضح الكاتب أنه على الرغم من ضعف الموقف الحالي لـ«تنظيم الدولة» في منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان، فإنه من الواضح أن التصريحات التي يدلي بها المسؤولون الروس بشأن التهديد القائم بانتشار الصراع إلى آسيا الوسطى تشكل ردة فعل على السياسة الغربية، والرغبة في جعل مشكلة الإرهاب الدولي في أفغانستان من القضايا ذات الأهمية الآنيَّة بهدف الحفاظ على نفوذ موسكو في المنطقة.

وفي الوقت الحالي، يقتصر الوجود العسكري الروسي في آسيا الوسطى على القاعدة العسكرية الروسية رقم 201 في دوشانبي، وقاعدة جوية كانت في جمهورية قيرغيزستان، ونطاق اختبار الطوربيد على بحيرة إيسيك كول في قرغيزستان أيضًا، ووفقًا للمراقبين فإن هذا الوجود يسمح لروسيا بالحفاظ على نفوذها السياسي في آسيا الوسطى وتلقي معلومات عن القدرات القتالية والعملياتية للقوات المسلحة المحلية.

ونوَّه الكاتب إلى أن انسحاب قوات التحالف الغربي من أفغانستان من شأنه أن يوسِّع المجال الجيوستراتيجي لتعزيز مصالح روسيا في المنطقة بالكامل، ويشير بعض المراقبين إلى أن قرار واشنطن بسحب قواتها من الممكن أن يُنظَر إليه باعتباره فشلًا للسياسة الأمريكية في أفغانستان، وقد يُسلِّم موسكو دور المفاوض الرئيس في تسوية الصراع بين الأفغان.

ولكن هناك أيضًا تكهنات بأن علاقة الكرملين بحركة طالبان لا تقتصر على المفاوضات الدبلوماسية للتوفيق بين الأطراف المتحاربة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يعملان معًا على التنسيق في معركة مشتركة ضد «تنظيم الدولة»، وقد أفادت تقارير استندت إلى مصادر رفيعة في الجيش الأمريكي والحكومة الأفغانية أن روسيا تزود طالبان بالأسلحة والوقود عبر دول آسيا الوسطى.

عائق للتنمية السياسية والاقتصادية

وشدَّد الكاتب على أن روسيا لا تملك الموارد الكافية للتنفيذ الكامل لخططها الطموحة الرامية إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي، ولكنها في الوقت نفسه تحاول بكل السُبل الممكنة الحفاظ على وجودها وتعزيز ذلك الوجود في آسيا الوسطى، مشيرًا إلى أن أفغانستان عامل أساسي واضح في هذا الجهد، لكن مثل هذه الظروف تمنع بلدان المنطقة من بناء سياسة خارجية أكثر استقلالية وإدارتها؛ الأمر الذي يُحِد من مصلحة المستثمرين الغربيين، وتعطيل التنمية الاقتصادية الإقليمية، وتحسين رَفاهة السكان بالتبعية.

لذلك وبحسب ما يختتم الكاتب مقاله، من الأهمية بمكان أن تحافظ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على اتصالات وثيقة مع بلدان المنطقة، وأن يُقدما المساعدة في اندماجها في المجتمع الدولي خارج المجال الأوراسي. وفي المقابل يتعين على بلدان آسيا الوسطى أن تستمر في تنفيذ الإصلاحات الرامية إلى زيادة شفافية اقتصاداتها، وتحرير أسواق صرف عملاتها الأجنبية، وخلق الظروف المواتية للمستثمرين وتوفير الضمانات اللازمة لحماية استثماراتهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد