في مقال للكاتب ياروسلاف تروفيموف في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، تناول تروفيموف الجذور التاريخية للتدخل الروسي الأخير في الشرق الأوسط، حيث يشير إلى أن هذا التدخل يأتي على خلفية تاريخية ممتدة تعودة لقرون طويلة ماضية، وأن علاقة الروس بالعالم الإسلامي لم تكن ودية على الإطلاق عبر التاريخ، والتي بدأت من خلال جيوش الفتوحات الإسلامية التي أدخلت الإسلام إلى العديد من مناطق روسيا، كما يرصد وقائع تاريخية يدلل بها على توتر العلاقات المستمر.

يبدأ الكاتب سرد الوقائع بمقتل ألكسندر غريبويدوف عام 1829، وهو شاعر وكاتب مسرحي روسي كبير شغل منصب السفير الروسي في طهران بتكليف من الإمبراطور نيقولا الأول، إلا أنه قتل على يد مجموعة ثائرة على الإمبراطورية الروسية ومبعوثها في بلدهم، حيث قاموا بذبح غريبويدوف و36 دبلوماسيًّا آخر في السفارة. كادت هذه الأحداث أن تتكرر مرة أخرى عام 1979 بالتزامن مع أحداث الثورة الإيرانية، إلا أن القرار جاء باقتحام السفارة الأمريكية.

لماذا يتدخل الروس في سوريا؟

 

بحسب التقرير، فقد رأى الكثير من المحللين تدخل بوتين لدعم نظام بشار الأسد في سوريا كرغبة صريحة منه في أن يأخذ  دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأن يسيطر على المنطقة، إلا أن الأمر يختلف في روسيا، حيث أن موسكو ترى في ذلك عودة متأخرة لطموحاتها الجيوسياسية التي تعود لعهد القياصرة، وهو ما وصفه فيودور لوكيانوف، المحلل السياسي الروسي ورئيس تحرير مجلة «روسيا في السياسة العالمية»، بأنه وسيلة توضح روسيا من خلالها أن غيابها الدولي كقوة مؤثرة قد انتهى، وأنها عادت للساحة العالمية بقوة.

يرى الكاتب أن التدخل الروسي في سوريا، وعلى الرغم من النجاح الذي حققه في إنقاذ نظام الأسد والذي بدا وكأنه في أيامه الأخيرة قبل تدخل روسيا، إلا أن ذلك التدخل ونتائجه النهائية تظل محدودة بالحالة الاقتصادية الروسية المتراجعة، مع كونها حققت هدفها الأكبر، وهو وضع نفسها كلاعب أساسي في المنطقة، والتي تعد هدفًا استراتيجيًا مهمًا للروس تاريخيًا.

الجذور التاريخية

 

في القرون التالية حقق الروس تفوقًا واضحًا فقد أشار التقرير أيضًا إلى رحلة العالم والرحالة العربي ابن فضلان إلى بلاد الروس في القرن العاشر، حيث كان صاحب أقدم وصف أجنبي لبلاد الروس، والتي وصف فيها بعض أفعال الروس من حرق أجساد الرقيق من النساء عند موت أسيادهم، وتناول أيضًا وصف ابن بطوطة لبلاد الروس في القرن الرابع عشر، حيث وصف سكان تلك المنطقة بالقبح والغدر، بالإضافة لوصف أشكالهم من الشعر الأحمر والأعين الزرقاء، وكان في ذلك الوقت أمير موسكو يتبع الخلافة الإسلامية، كما كانت عملتهم ذات حروف عربية، وهو ما استمر حتى عام 1480.

واصلت روسيا الحروب على الإمبراطورية العثمانية المترنحة، وتقدمت بثبات وصولًا إلى آسيا الوسطى. وفي حروبها تلك، حاولت روسيا أن تُروج لنفسها باعتبارها حامية المسيحيين في الشرق الأوسط، الذين يتبعون المذهب الأرثوذوكسي مثل الروس.

يشير تقرير «وول ستريت جورنال» أيضًا إلى أنه مع بداية الحرب العالمية الأولى، تلقى الروس وعدًا من بريطانيا وفرنسا بأن تكون القسطنطينية من نصيبهم في حال هزيمة العثمانيين، إلا أن ذلك الوعد لم يتحقق بسبب الثورة البلشفية في عام 1917.  في الفترة التالية، كان الاتحاد السوفيتي قد حافظ على أغلب ما غزاه قياصرة الروس، وسعوا نحو مزيد من النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تمكنوا من تحقيقه عام 1941، حيث نجحوا في احتلال إيران بمساعدة بريطانيا والإطاحة بالشاه.

عودة العلاقات مع الأنظمة العربية اليسارية

وفي ستينات القرن الماضي، ارتبط الروس بعلاقات قوية مع بعض الأنظمة العربية، حيث كانوا المصدرين الرئيسيين للسلاح، وكان خبراؤهم العسكريون يأتون لتلك الدول لنقل خبراتهم؛ إذ ركزوا على دعم الأنظمة اليسارية في مصر وسوريا والعراق وليبيا وجنوب اليمن، إلا أن هذا النفوذ تراجع بشده مع تغيرات الوضع السياسي في المنطقة عبر السنوات التالية وقيام الثورة الإيرانية عام 1979، وتوقيع مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل، واتجاه موسكو نحو أفغانستان بطموحات استعمارية، وهو ما أنهى نفوذها في الشرق الأوسط، بل وساهم في انهيار الاتحاد  السوفيتي.

بحسب التقرير، حاول الروس استعادة نفوذهم من خلال حرب الكويت والتي دخلها الرئيس ميخائيل غورباتشوف تحت مظلة الولايات المتحدة التي قادت تلك الحرب، إلا أن واشنطن تمكنت منذ تلك الفترة من فرض سيطرة كاملة على المنطقة وسط انشغال الروس بالدفاع عن أراضيهم التي أصابها التفكك والضعف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور العديد من الحركات الانفصالية، وهو ما نجح بوتين في التعامل معه فيما بعد، ليعود للطموح الروسي القديم والرغبة في لعب دور هام في الشرق الأوسط مع انطلاق ثورات الربيع العربي.

الربيع العربي ونقطة التحول

 

بحلول عام 2011، ومع انطلاق الثورات الشعبية والاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة، بدا وكأن روسيا تضع أعينها على سوريا تحديدًا، ففي الوقت الذي لم تبدِ فيه رأيًا في تدخل الولايات المتحدة وحلفائها في ليبيا من خلال حق الفيتو، وقفت روسيا بقوة أمام التدخلات المشابهة في سوريا، حيث تمتد العلاقات مع النظام السوري عبر عقود مضت، وتحديدًا منذ عهد الرئيس حافظ الأسد، والذي استضاف التواجد الأوحد للبحرية الروسية في البحر المتوسط بميناء طرطوس، فكان خيار الروس في هذه الحرب هو الوقوف بشكل صريح إلى جانب نظام الأسد وتوجيه أسلحتهم نحو معارضي الأسد بحسب ما أكده الكاتب ياروسلاف تروفيموف.

يقول الكاتب أن ما تفعله روسيا في المنطقة يأتي على خلفية مصالح وتطلعات خاصة، وهو ما أكده عدد من الخبراء السياسيين، إلا أن الطموح الروسي يظل محاصرًا من قبل الاقتصاد المتراجع وتبعاته داخليًا، حيث يعاني الاقتصاد الروسي بسبب العقوبات التي فرضها الغرب بعد غزو أوكرانيا عام 2014، بالإضافة إلى تراجع أسعار النفط والغاز عالميًا وتأثيره المباشر على حجم صادرات البلاد. وعلى الرغم من ذلك، يقول الكاتب إن روسيا دائمًا ما عهدت مثل تلك المشكلات، وأنها لم تحقق ازدهارًا اقتصاديًّا من قبل في حين أن ذلك لم يؤثر على تواجدها عالميًا.

يعتقد الخبراء أيضًا أن روسيا تفتقد القوة الناعمة التي تستخدمها الولايات المتحدة لبسط نفوذها عالميًا، حيث من السهل ملاحظة تأثير الأفلام والموسيقى الأمريكية على الشباب العرب والإيرانيين، في حين لا نرى المثل بالنسبة لروسيا، بل إن التأثير الثقافي للمسلمين ينتشر في روسيا والتي تضم 15% من السكان المسلمين، في حين أشار الكاتب إلى حقيقة أن المقاتلين الروس هم في المركز الثاني من حيث أعداد المنضمين لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

على الجانب الآخر، يرى بعض الخبراء أن تدخل روسيا وتواجدها في الشرق الأوسط في ظل الأوضاع الحالية هو أمر حتمي، يقول أندريه كورتينوف، مدير عام مجلس العلاقات الدولية الروسية: «الشرق الأوسط قريب للغاية من روسيا بدرجة تجبرها ألا تتخذ موقع المتفرج مما يحدث، فهي ليست كأستراليا أو الأرجنتين، يمكننا رؤية الأمور وسط شوارعنا ومحلاتنا وبين العاملين في البناء، بل وفي السجون لدينا.. كل ذلك يجبرنا أن نلعب دورًا فعالًا في الشرق الأوسط». يبدو أيضًا أن التدخل الروسي في المنطقة حذر للغاية، ويبدو أنه استفاد جيدًا من التجربة الأمريكية في العراق بحسب لوكيانوف.

هل تسير روسيا في الطريق الصحيح في علاقاتها بالمنطقة؟

 

وكان أوباما قد حذر روسيا صراحة في العام الماضي من المخاطرة باستعداء الأغلبية السنية في المنطقة بالوقوف إلى جانب بشار الأسد، وهو ما يفتح الباب أمام استهداف روسيا من قبل تنظيمات سنية كتنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات، وهو ما قاد روسيا إلى شيء من الحذر في تعاملها مع صراعات الشرق الأوسط.

يرى الكاتب أن العلاقات الروسية في الوقت الحالي تمتاز عن علاقات الولايات المتحدة أو حتى الاتحاد السوفيتي السابق بأنها لا تقوم على أساس أيديولوجي، وأنها تخاطب كل قوى المنطقة (باستثناء تركيا التي تعتبر في صراع كبير مع روسيا حول مصير نظام الأسد، وقد أثار الأتراك غضب بوتين بعد إسقاط طائرة حربية روسية نهاية العام الماضي). بخلاف ذلك، تمتلك روسيا علاقات متميزة مع إسرائيل، ومع إيران، بالإضافة لحفاظها على علاقاتها مع حماس وحزب الله.

يشير تقرير «وول ستريت جورنال» إلى أن كثرة التحالفات ربما لا تكون في صالح روسيا في جميع الأحوال، فهو لا يؤسس لتحالفات قوية وممتدة، فعلى سبيل المثال، على الرغم من العلاقات الجيدة بين روسيا وإيران وأهدافهما المتفقة نسبيًا فيما يتعلق بسوريا، إلا أن الإيرانيين يشعرون بالاستياء من علاقات موسكو مع إسرائيل، في الوقت نفسه، تتجنب إيران الدخول في الصراع الطائفي مع القوى السنية وعلى رأسها السعودية.

روسيا وإيران وإسرائيل.. المزيج المستحيل

 

تقول دينا إصفندياري، زميلة في كلية كينغز بلندن: «الإيرانيون يشعرون بأن الروس يخدعونهم، وأنهم لن يصدقوا وعودهم لإيران»، وهو ما أكده بعض المحللين، كما ذكروا أن العلاقة بين روسيا وإيران تقوم على المنفعة البحتة، بخلاف علاقة روسيا بإسرائيل على سبيل المثال، حيث تتعاطف روسيا مع إسرائيل بسبب وجود عدد كبير من الإسرائيليين ذوي الأصول السوفيتية الذين يتحدثون الروسية حتى الآن.

يشير التقرير أيضًا أنه من المنتظر أن تصبح العلاقات بين روسيا وإسرائيل أكثر حميمية وخاصة مع تولي ليبرمان لمنصب وزير الدفاع الإسرائيلي نهاية الشهر الماضي، وهو إسرائيلي ولد في الاتحاد السوفيتي. وفي مقابلة مع ليبرمان قبل تولي المنصب الجديد، قال: «خبرتي تقول إنه الممكن العمل مع الروس، إنهم براغماتيون، ويمكنك عقد الصفقات معهم والحصول على إجابات واضحة»، كما أضاف أن روسيا لن تتخلى عن مصالحها في الشرق الأوسط، وأنها قوة كبيرة للغاية من الصعب تجاهلها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد