الروس الأصغر سنًّا غير راضين عن النظام، لكنهم بصفة عامة غير مهتمين بالسياسة. وفيما يلي طريقة تغيير تلك الأوضاع.

كتبت ماريا سنيجوفايا، الباحثة في مركز تحليل السياسية الأوروبية، ودنيس فولكوف، نائب مدير مركز ليفادا في موسكو، وستيفن جونشاروف، الباحث البارز بمركز ليفادا، تحليلًا حول آفاق المشاركة السياسية للشباب الروس وموقفهم من النظام السياسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإمكانية تغيير ذلك النظام عن طريق الاحتجاج أو صناديق الاقتراع. ويطرح الباحثون كثيرًا من الأسباب التي تحول دون حدوث ذلك في الوقت الحالي، مثل عدد الشباب المنخفض قياسًا بعدد السكان وعزوف الشباب الروس عن الانخراط في السياسة في مرحلة مبكرة من حياتهم.

دولي

منذ أسبوعين
«واشنطن بوست»: بطلاها روسيا وتركيا.. هكذا تدخل أرمينيا وأذربيجان حربًا من نوع جديد

جيل الألفية وجيل زد والتغيير السياسي

وفي مستهل مقالهم، أوضح الباحثون أنه من بيلاروسيا إلى قيرغيزستان إلى أوكرانيا، كان للانتفاضات الشعبية التي اجتاحت عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي في العقدين الماضيين سمة واحدة مشتركة: مستويات عالية من المشاركة بين جيل الألفية (المولود بين 1981 و1996) والجيل زد أي الجيل الذي يلي جيل الألفية (المولود بين 1997 و2012).

ومن بعض النواحي، يبدو أن الدور القادم قد يكون على شباب روسيا. ووفقًا لاستطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين، أصبح الشباب الروس هم الجماعة الأكثر تذمرًا من النظام السياسي الروسي. لكن العقبات التي منعت جيل الألفية وجيل زد في البلاد من إصلاح النظام حتى الآن تظل قائمة.

أولًا، هناك حجم الأجيال الشابة، والتي تُشكِّل أقلية صغيرة داخل المجتمع الروسي بفضل عقود من معدلات المواليد المنخفضة. وببساطة، قد لا يكون هناك عدد كافٍ من الشباب للضغط بنجاح من أجل إحداث تغيير أساسي. ثانيًا، يُعرِض عديد من الشباب الروس عن المشاركة بفاعلية في السياسة ولا يزيد انخراطهم السياسي إلا مع دخولهم أوائل مرحلة الثلاثينيات من العمر.

الولايات المتحدة يمكن أن تساعد في تعزيز المشاركة السياسية في روسيا

واستدرك الباحثون قائلين: غير أن الشباب يجب ألا يعتريه اليأس. وتشير النتائج المستخلصة من دراستنا الجديدة التي أُجريت مع مركز ليفادا، وهي شركة استطلاعات رأي مستقلة، إلى طرق يمكن للولايات المتحدة أن تساعد من خلالها في تعزيز المشاركة المدنية والسياسية لمستويات أعلى في هذه الفئات العمرية – وتساعدهم في لعب دور مماثل للدور الذي يلعبونه في الدول المجاورة لروسيا.

كيف يمكن أن تثور الأجيال الجديدة من الروس على بوتين؟

وقبل عدة سنوات، كان من الشائع بالنسبة للمراقبين المهتمين أن يصوِّروا الشباب الروس، الذين لم يُظهروا أي ميل لتحدي حكم فلاديمير بوتين، على أنهم مناهضون للديمقراطية ومحافظون بشدة وغير مستعدين للقتال من أجل مستقبل أكثر انفتاحًا. ولكن اليوم يُعد الروس الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و34 عامًا هم الفئة العمرية الأبرز في مجال ريادة الأعمال والميل للغرب والتسامح في البلاد. وهم أصحاب التوجهات الأقل أبوية من بقية المواطنين، وعدد الروس الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا والذين يعطون الأولوية لحقوق الإنسان يبلغ تقريبًا ضعف عدد أولئك الذين يعطون الأولوية لمصالح الدولة. والعكس هو الصحيح بين كبار السن من الروس.

بوتين وتدهور مستوى المعيشة

والروس الأصغر سنًّا هم أيضًا من بين الجماعات الأكثر ميلًا للمعارضة في روسيا. ولقد أثر التدهور المستمر في مستويات المعيشة على دعم السلطات بين جميع الروس، وليس من الصعب معرفة السبب. وانخفضت الدخول الحقيقية في روسيا كل عام بين عامي 2014 و2018، عندما غيرت دائرة الإحصاء الفيدرالية الروسية طريقة الإبلاغ عن الدخل. وفي عام 2020، شهدت الدخول الحقيقية أكبر انخفاض في العشرين عامًا الماضية بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا. وأدَّى هذا، إلى جانب ارتفاع سن التقاعد الذي لم يكن موضع ترحيب في 2018، إلى تضاؤل ثقة الروس في القادة السياسيين في بلادهم.

ويظهر نقص الدعم على نحو أكثر وضوحًا بين المواطنين الأصغر سنًا. وفي اقتراع يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)، كان الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا هم المجموعة الأكثر انتقادًا لحكم بوتين (تراوحت نسبة رفضه من 49 إلى 50 في المئة). وفي دراسة أجريت في يوليو، اعتقد 62 في المئة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا أن روسيا تسير في الاتجاه الخاطئ (مقابل 40 في المئة في المتوسط ​من كل الأعمار الأخرى). ووفقًا للدراسة، ذكر سبعة في المئة فقط من الشباب الروس بوتين بين السياسيين الذين يثقون بهم (مقابل 23 في المئة من المواطنين في المتوسط). وفي أغسطس (آب)، قال 23 في المئة فقط من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا و31 في المئة من الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و39 عامًا ممن شملهم الاستطلاع إنهم سيصوتون لبوتين إذا كانت الانتخابات ستجرى يوم الأحد المقبل، مقارنةً بنسبة 40 في المئة من المواطنين بوجه عام.

بوتين - روسبا

الشباب الروس أكثر تعرضًا للإنترنت

وألمح الباحثون إلى أنه بناءً على مناقشات مجموعات التركيز، يبدو أن الروس الأصغر والأكبر سنًا يتشاركون في عديد من نفس أسباب عدم الرضا. ويشمل ذلك المخاوف بشأن المشاكل الاقتصادية لروسيا ومستقبل البلاد. غير أن هناك أيضًا مشكلات خاصة بالعمر، تتعلق في الغالب بالعادات الإعلامية المختلفة للشباب الروس. ويُعد الشباب الروس على وجه الخصوص أكثر تعرضًا واطلاعًا على الإنترنت والشبكات الاجتماعية. على سبيل المثال، قدَّم موقع يوتيوب منصة ضخمة لشخصيات عامة جديدة، مثل الصحفي المستقل ومدون الفيديو الشهير يوري دود والسياسيين المستقلين؛ بمن فيهم أليكسي نافالني (زعيم المعارضة الروسي).

وبسبب وصولهم إلى مصادر خارجية للمعلومات، يبدو الشباب الروس أقل عرضة للدعاية التلفزيونية التي يروِّجها الكرملين. والروس الأصغر سنًّا أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة التي تقوِّض القنوات التلفزيونية التي تسيطر عليها الدولة الروسية جهودها باستمرار. أما الروس الأكبر سنًا والذين يعتمدون على التلفزيون الروسي (55 عامًا فأكثر)، فهم أقل من ذلك. ويشكو الشباب الروس في كثير من الأحيان من القيود المفروضة على الإنترنت وتطبيقات الاتصالات الشائعة مثل تيليجرام. ويعارضون الاتهامات الجنائية التي يمكن توجيهها بسبب إعادة نشر المنشورات والتغريدات التي تُعد ناقدة لبوتين، وينتقدون الوحشية المتزايدة للسلطات، مثل قمع المتظاهرين في موسكو في صيف عام 2019. وفي مجموعات التركيز في نهاية الصيف الماضي، ذكر شباب من المدن الكبرى مرارًا وتكرارًا حالة داريا سوسنوفسكايا، وهي شابة تعرضت للكمات متعمدة في بطنها سدَّدها إليها ضابط شرطة في أحد الاحتجاجات. وحصد أحد مقاطع الفيديو الذي صوَّر هذه اللحظة أكثر من 700 ألف مشاهدة على يوتيوب.

وإضافةً إلى ذلك، يمكن أن تؤدي زيادة اختراق الإنترنت والمعارضة المتزايدة للسلطات بين الشباب الروس إلى تآكل سلطة بوتين على المدى الطويل.

الشباب الروس أقلية بين المواطنين

ومع ذلك، تظل هناك عدة عقبات مهمة. أولًا، يشكِّل الشباب الروس أقلية بين السكان الروس وعددهم آخذ في الانخفاض. ووفقًا لتعداد عام 2019، شكَّل الروس الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا 16.5 في المئة فقط من السكان بسبب العدد الصغير نسبيًّا للأطفال الذين ولدوا بين عامي 1989 و2003. ومؤخرًا في عام 2010، شكَّلت هذه الفئة العمرية 24 في المئة من السكان. وهذا العدد، رغم أنه أقل بكثير مما هو عليه في عديد من الجمهوريات الآسيوية في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي، يمكن مقارنته ببيلاروسيا، حيث يشكِّل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا 17.7 في المئة. وفي أوكرانيا، تبلغ نسبة الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، 9.6 في المئة فقط.

Embed from Getty Images

المعارضة الروسية: انخفاض معدلات المشاركة السياسية

ولفت الباحثون إلى أن ما يضاعف من التحدي الخاص بالحجم، أن الشباب الروس لديهم أيضًا معدلات منخفضة من المشاركة السياسية. وتُظهر الاستطلاعات أن حوالي 20 في المئة فقط من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عامًا مهتمون بالسياسة، ويذكر سبعة في المئة فقط المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية الروسية على أنها أمر محتمل في المستقبل. ويتابع الروس الأصغر سنًّا الأخبار ويناقشون الموضوعات السياسية بمعدل أقل مرتين من الأشخاص الأكبر سنًّا، ويصوتون في الانتخابات على المستويات المختلفة بأقل ثلاث مرات في الغالب.

وقد يفسر انخفاض الاهتمام بالسياسة حقيقة أنه على الرغم من استيائهم المتزايد من السلطات، لم يزد الشباب باعتباره حصة من جميع المحتجين المعارضين على مدار العقد الماضي. وظل الرقم ثابتًا عند حوالي 20 إلى 30 في المئة من المشاركين في الاحتجاجات. وبدلًا من ذلك، يميل الشباب الروس إلى الانخراط سياسيًّا عبر الإنترنت على نحو أساسي. على سبيل المثال، في حين أن الشباب الروس، حتى أكثر من الفئات العمرية الأخرى، لم يحبوا التعديلات الدستورية التي أُجرِيت في عام 2020، والتي منحت، من بين تغييرات أخرى، بوتين الحق في البقاء في السلطة لمدتين متتاليتين، إلا أنهم امتنعوا على نحو غير متناسب عن التصويت خلال الاستفتاءات الدستورية، بما في ذلك الاقتراع الذي أُجرِي في يوليو 2020. ويُعد هذا ناتجًا عن عمليتين. أولًا، اعتقد قلة من الشباب الروس أن تصويتهم سيكون حاسمًا ومؤثرًا. ثانيًا، حالت الفوضى المستمرة داخل المعارضة الروسية دون طرح استراتيجية موحدة للتصويت على التعديلات الدستورية وتعبئة الشباب الروس للمشاركة.

المشاركة السياسية تأتي مع النهوض بالمسؤوليات

وعلى الرغم من أن جيل الألفية وجيل زد الروسيين غير مهتمين بالسياسة إلى حد ما في الوقت الحالي، يأتي الاهتمام بالسياسة والمشاركة السياسية في روسيا في وقت لاحق في الحياة، عندما يقترب العمر من 25 إلى 30. وتُظهر البيانات المأخوذة من استطلاعات الرأي التي أجريناها أن المؤشرات المختلفة لمرحلة البلوغ، مثل الحصول على رهن عقاري ووجود أطفال والعيش بعيدًا عن الوالدين، تنبئ عن مشاركة سياسية أعلى بين الروس.

Embed from Getty Images

وحتى ذلك الحين، يميل الشباب إلى اسْتِقاء المعلومات السياسية من البالغين المحيطين بهم. غير أنه عندما تصبح هذه الأجيال أكثر انخراطًا في السياسة، فإنهم قد يشكلون عقبة حقيقية أمام حكم بوتين – من خلال الاحتجاجات وفي صناديق الاقتراع. وبحلول عام 2024، قد تنمو هذه الفئة العمرية لتمثل تحديًا انتخابيًّا كبيرًا للنظام الحاكم.

واختتم الباحثون تحليلهم قائلين: وفي غضون ذلك، يُظهر بحثنا أن مؤشرات المشاركة المدنية والسياسية أعلى بين الروس الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و34 عامًا ممن يتحدثون لغات أجنبية ويسافرون إلى الخارج. وأظهرت دراسات أخرى أيضًا أن المستجيبين الشباب الذين لديهم خبرة قصيرة في السفر خارج روسيا يظهرون ميلًا أعلى للتفكير المستقل. ويؤدي التعرض للقيم والمعايير والأفكار المختلفة من البلدان الأخرى إلى تغيير تصور الناس للطريقة التي يجب أن تكون عليها الأوضاع في بلادهم. ويشير هذا إلى أن تعزيز برامج التبادل التعليمي في الولايات المتحدة قد تكون طريقة لتحفيز النشاط السياسي بين الشباب الروس.

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: القتل البطيء المؤلم.. لماذا يُفضل بوتين تسميم معارضيه؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد