رحب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي بالزوار والمشاهدين واللاعبين من جميع أنحاء العالم للمشاركة في كأس العالم الذي تستضيفه روسيا، وتحرص موسكو على الاستفادة منه لأغراض دبلوماسية، ولكن هناك رجلًا واحدًا أكثر حرصًا على الاستفادة من كأس العالم: رمضان قديروف، رجل الشيشان القوي، الذي يستخدم البطولة للوصول إلى حلفاء محتملين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

هذه العلاقة الرياضية الجديدة بين الشيشان ومصر هي أحدث دليل على طموحات قديروف المتزايدة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، بالإضافة إلى استخدامه المتزايد للرياضة لتعزيز مصالحه السياسية في الداخل والخارج، بما في ذلك بناء العلاقات الدبلوماسية المباشرة بين الشيشان والحكومات الأجنبية وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر في الجمهورية. هكذا استهل الكاتب كريم زيدان مقاله في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

لماذا يهتم قديروف بصلاح؟

ويقول الكاتب: «بعد وصول المنتخب المصري إلى روسيا بوقت قصير، اقترب المسؤولون الشيشانيون من النجم المصري، محمد صلاح، في غرفته بالفندق، وأخبروه أن قديروف ينتظره في الردهة». التقى صلاح مع المستبد الشيشاني – بحسب الكاتب – والتُقطت لهما صور أمام مئات من المشجعين. كان التصوير الفوتوغرافي جزءً بسيطًا من حملة قديروف المستمرة لتقديم نفسه كقائد خيّر، لمحو الانطباع الذي خلقته الحملة القمعية الأخيرة لحكومته على مجتمع المثليين، ولتعزيز صورته بين الشيشانيين كحاكم ذي نفوذ قادر على مصادقة الشخصيات البارزة، لذلك يهتم قديروف بالرياضي الأكثر شعبية في العالم الإسلامي: محمد صلاح.

Embed from Getty Images

رئيس الشيشان رمضان قديروف يلعب مباراة ودية مع البرازيلي رونالدينو

عندما انتهت الحرب الشيشانية الثانية في عام 2000، عقد الكرملين اتفاقًا غير مكتوب مع الشيشان، يضمن للجمهورية الشيشانية دعمًا استثنائيًا، وزيادة في التمويل مقابل الولاء والامتثال لروسيا. ونتيجة لذلك، أصبحت دولة شبه مستقلة ضمن حدود روسيا، ويحكمها قديروف كما لو كانت إقطاعيته الخاصة.

كيف يحكم قديروف الشيشان؟

ويروي الكاتب، تولى قديروف السلطة في عام 2007، بعد ثلاث سنوات من اغتيال والده (أحمد قديروف، الذي كان آنذاك رئيس الجمهورية) أثناء عرض احتفالي في ملعب لكرة القدم في العاصمة الشيشانية جروزني.

منذ توليه منصبه بدعم بوتين، حكم قديروف الشعب الشيشاني بقبضة حديدية معززًا سلطته من خلال الخوف والترهيب: القتل خارج نطاق القضاء وقمع المنشقين والصحافيين، والقمع الشديد لمجتمع المثليين. احتجزت الحكومة الشيشانية في أوائل عام 2017 أكثر من 100 رجل يشتبه في أنهم مثليون جنسيًا وتعرضوا للصدمات الكهربائية وغيرها من أعمال التعذيب المروعة. وقُتل العديد منهم، بينما أُجبر مئات آخرون على الفرار واللجوء إلى دول خارج روسيا، ولم يتم محاسبة أي من الجناة. بينما أنكر قديروف وجود مثليين في الشيشان، وتجاهل التقارير التي تفيد بتطهير المثليين على أنها مجرد «هراء»، ودعا أيضًا إلى القتل بدافع الشرف كحل ناجع للشيشانيين الذين لديهم أفراد من أسرة مثليي الجنس.

Embed from Getty Images

مسجد قلب الشيشان

مثل العديد من الرجال الأقوياء، قديروف عاشق للرياضة، ومهتم باستخدامها لخدمة صورته كرجل قوي، وللمساعدة في الحفاظ على سعادة الجمهور، وتفضيله لكرة القدم وفنون القتال المختلطة غير مستغرب، فهما من أكثر الرياضات شعبية في روسيا؛ إذ يتشابك عالم الفنون القتالية مع رجال العصابات الذين أصبحوا عناصر قوة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ويعتمد عليهم قديروف جزئيًا لفرض سلطته.

كيف يستخدم قديروف الرياضة لتعزيز سلطته؟

على مر السنين، زارت قائمة طويلة من الرياضيين وغيرهم من المشاهير الشيشان بعد دعوة شخصية من قديروف. ويذكر الكاتب، من بين هؤلاء الممثلين، جان كلود فان دام وستيفن سيجال، بالإضافة إلى بطل بطولة الكيك بوكسينج بدر هاري، وبطلي UFC السابقين: فابريسيو ويردوم، وفرانكي إدجار، وكلهم فَرحوا بالمقابل المادي غير المعلن، وصمتوا عن عنف النظام وقمعه. ويقول الكاتب: «لعب كل هؤلاء الزوار دورًا في مساعدة المستبد على إضفاء الشرعية على حكمه وصرف الانتباه عن الجوانب الوحشية في عهده».

ويستطرد الكاتب، أثناء تواجده في منصبه أسس قديروف نادي أخمات القتالي (صالة ألعاب قتالية) وبطولة أخمات القتالية العالمية، لرفع شعبية فنون القتال المختلطة داخل جمهوريته؛ حتى سُجِل أكثر من 5 آلاف شخص حاليًا في النادي.

Embed from Getty Images

دودوف مع قديروف أثناء تقديم محمد صلاح للجمهور الشيشاني، في ملعب أخمات أرينا بجروزني في 10 يونيو (حزيران) 2018

وكان قديروف ذات يوم يعتبر هذه الرياضة تتناقض مع القيم التقليدية لشمال القوقاز – حيث يحظر مثل هذا القتال ثقافيًا ودينيًا – فقد قضى قديروف على  هذه التقاليد القديمة واستخدم الرياضات القتالية لأغراض دعائية. وقد عين حلفاءه السياسيين في مناصب قيادية داخل الهيئات الرياضة الإدارية للسيطرة على الرياضيين. ومن بين هؤلاء المعينين: ماغوميد داودوف الذي عُين كرئيس لنادي كرة القدم في العاصمة «أخمات جروزني»، ويلفت الكاتب إلى أن داودوف، متشدد انفصالي سابق تحول إلى حليف لقديروف، واتهمه ضحايا بالمشاركة في تعذيب المثليين بالشيشان في العام الماضي. وحضر دودوف مع قديروف أثناء تقديم محمد صلاح للجمهور الشيشاني.

خلال فترة توليه السلطة لم يظهر قديروف كزعيم سياسي فحسب، بل كوجه يمثل حوالي 20 مليون مسلم روسي، فالجمهورية تُحكم تحت ظل الشريعة تعد موطنًا لأحد أكبر المساجد في روسيا، والمعروف باسم قلب الشيشان. ونتيجة لذلك أصبح قديروف لاعبًا مهمًا في السياسة الروسية، ليس فقط بسبب نطاق قوته في شمال القوقاز، ولكن أيضًا لأنه في وضع جيد ليكون بمثابة قناة ترفع من توثيق العلاقات بين روسيا والبلدان ذات الأغلبية المسلمة السنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: «في عام 2017 تولى دور مبعوث بوتين المسلم السني وسافر إلى البحرين، والتقى مع الملك حمد، واستعرض العلاقات الثنائية، من خلال تجدد التعاون الاقتصادي بشكل رئيس. وخلال زيارته زار قديروف أبناء الملك حمد: الشيخ ناصر، والشيخ خالد، المتدخلين في الشؤون الرياضية للمملكة».

في نهاية المطاف، مهدت رحلة قديروف إلى البحرين الطريق للمملكة لتحسين علاقاتها الاقتصادية مع الشيشان وروسيا بشكل عام. كما أقام علاقات مع الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك حاكم الأمر الواقع الشيخ محمد بن زايد، الذي أنشأ صندوق زايد في الشيشان لتمويل المشاريع المحلية في عام 2017. مهدت هذه اللقاءات الطريق لجهوده الحالية لبناء علاقة أقوى مع مصر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!