نشرت منصة الاستخبارات الجيوسياسية الرائدة في العالم، ستراتفور، تقريرًا عن الدور الذي تلعبه روسيا في الوقت الراهن في المجتمعات الديمقراطية الغربية، والمتمثل في إذكاء روح التطرف والجموح من خلال تعزيز أيدولوجيات التطرف اليميني في هذه المجتمعات على نحو يهدد الاستقرار الذي تنعم به ويؤجج الصراع الداخلي على نحو يهدد السلام الاجتماعي، بما يخدم المصالح الروسية في المنطقة ويعزز بسط نفوذها خارج حدودها.

مصالح روسيا والتطرف اليميني

يبدأ التقرير بالتأكيد على حقيقة أصبحت واضحة للعيان، مفادها أن فكرة تقويض الغرب وزيادة النفوذ الروسي تدفع جمهورية روسيا الاتحادية إلى الاستمرار في تعزيز التطرف اليميني بطرق لا تصل إلى حد كبير إلى مستوى الدعم المباشر للعنف من خلال استغلال التوترات المجتمعية القائمة والمشاعر المؤيدة لروسيا في دوائر معينة.

دولي

منذ 11 شهر
مترجم: ما حجم الضرر الذي ألحقته اختراقات روسيا بالمواقع الفيدرالية الأمريكية؟

وقد لفت الحصار العنيف لمبنى الكونجرس الأمريكي (الكابيتول) في السادس من شهر يناير (كانون الثاني) الجاري الانتباه مجددًا إلى الأنشطة البارزة المتزايدة للمتطرفين اليمينيين (RWEs) في الغرب ودور النفوذ الأجنبي في ترويج الأيديولوجيات التي غذَّت عددًا من الهجمات الإرهابية الفتَّاكة في السنوات الأخيرة.

والحقيقة، أن المسؤولين الأمريكيين لم يتَّهِموا روسيا بالوقوف وراء تمرد الكابيتول الأمريكي، الذي أذكاه إلى حد كبير المظالم والشكاوى الانتخابية.

ومع ذلك، تثير جهود موسكو المستمرة لتقويض الديمقراطية الأمريكية -وبالأخص من خلال تدخُّلها الثابت والمؤكد في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2016- تساؤلاتٍ حول تواطئها على نحو غير مباشر في تقوية حركة المتطرفين اليمينيين التي كانت وراء عملية الاستيلاء على مبنى الكونجرس الأمريكي.

تجاهل اليمين المتطرف في الداخل.. لأجل أهداف أكبر

ويشير التقرير إلى أن الحكومة الروسية في الداخل تتسامح –بل وفي بعض الحالات تؤيد ضمنيًّا- مع أنشطة الحركات اليمينية المتطرفة التي تسعى لإظهار نفوذها وزرع الفتنة والشقاق في الغرب. ومن ناحية أخرى، تفرض السلطات الروسية قيودًا شديدة على تصرفات المجموعات والأفراد المحليين التابعين لليمين المتطرف، إذ تحدد تلك السلطات مستوى النشاط الذي ترى أنه يمكن التحكم فيه ويمكن استمالته لاستهداف أعداء الدولة السياسيين الداخليين والخارجيين على حد سواء.
Embed from Getty Images

وتتعارض أحيانًا مصالح بعض مجموعات اليمين المتطرف الروسية مع مصالح الكرملين، لكن الحكومة لا تزال تسمح لهم بالعمل، طالما أنهم لا يهددون استقرار النظام. على سبيل المثال، تُعد الحركة الإمبراطورية الروسية (RIM) مجموعة قومية عنصرية متطرفة شبه عسكرية تتوق إلى العودة إلى الدولة الإمبراطورية الروسية القيصرية.

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الكرملين يسمح لهذه الحركة بإدارة مرافق التدريب والتواصل مع المجموعات المتشابهة معها في التفكير في الخارج، إذ تتوافق معركة حركة الإمبراطورية الروسية ضد الليبرالية العابرة للحدود والتعددية الثقافية مع أهداف السياسة الخارجية لموسكو. وخلال العقد الماضي، سمحت السلطات الروسية أيضًا للجهات اليمينية المحلية الفاعلة باستضافة اجتماعات داخل البلاد مع نظرائِها الأجانب.

حركات اليمين المتطرف تحت المجهر

  •  أوضح التقرير أنه في العام الماضي، صنَّفت الولايات المتحدة حركة الإمبراطورية الروسية وقادتها باعتبارهم إرهابيين عالميين بسبب صلات الحركة بالأنشطة العنيفة للمتطرفين اليمينيين في الخارج. وتضمنت هذه الأنشطة تجنيد الروس للقتال في شرق أوكرانيا وتوفير تدريب شبه عسكري للأجانب ذوي التفكير المماثل، بما في ذلك النازيون الجدد الذين نفَّذوا سلسلة من التفجيرات ضد اللاجئين في السويد بين شهري نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 ويناير (كانون الثاني) 2017.
  • في عام 2015، أسست حركة الإمبراطورية الروسية وحزب «رودينا» اليميني الروسي مؤتمرًا متعدد الجنسيات أطلق عليه اسم «الحركة العالمية الوطنية المحافظة» بهدف محاربة «الليبرالية والتعددية الثقافية والتسامح».
  • وسافر عديدٌ من المجموعات اليمينية الأوروبية المتطرفة التي ارتبطت ارتباطًا مباشرًا بالعنف في الغرب، ومن بينها حركة المقاومة الشمالية النازية الجديدة، إلى روسيا لحضور منتدياتٍ استضافها سياسيون يمينيون روس. وفي شهر يناير عام 2020، كشفت تحقيقات منفصلة أجرتها وسائل إعلام غربية أن مجموعة النازيين الجدد المعروفة باسم القاعدة (The Base)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، كان يقودها رجل أمريكي انتقل إلى روسيا في عام 2018.

ويضيف التقرير أن روسيا تقدم على نحو مباشر ومتكرر دعمًا أيديولوجيًّا وماليًّا، وفي بعض الأحيان دعمًا تكتيكيًّا مباشرًا، لمجموعة متنوعة من القوى اليمينية في الخارج. ودأب الفاعلون المرتبطون بالكرملين على نشر وترويج الدعاية اليمينية التي تقوض القيم الغربية الليبرالية المتعددة الثقافات.

وأظهر تدخل موسكو المكثف في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الخاصة بعام 2016 الأساليب المتنوعة التي يمكن للكرملين ووكلائه استخدامها لدعم السياسيين اليمينيين المتعاطفين مع روسيا، وتضخيم الروايات التي تسردها حركة الإمبراطورية الروسية وتحقق الفائدة لروسيا. ومع ذلك، يمكن القول إن تدخل روسيا في الشؤون الأوروبية كان أكثر انتشارًا على نحو يثير الجدل.

الخطاب اليميني في روسيا

Embed from Getty Images

  • اتَّهم مسؤولو الأمن السويديون وكلاءَ روسيا في البلاد بالتدخل في انتخابات السويد التي أُجرِيت في عام 2018 – والتي حصل فيها حزب سياسي من أصول نازية جديدة على عدد قياسي من المقاعد التشريعية – من خلال استغلال مخاوف الهجرة والترويج للمشاعر المعادية للأجانب على شبكة الإنترنت. ووفقًا لتحقيق أجرته وسائل الإعلام البلطيقية، موَّلت مؤسسات مرتبطة بالحكومة الروسية سرًّا أكثر من 40 منظمة غير حكومية تولَّت الترويج لخطاب يميني مُعادٍ للغرب في كل من إستونيا ولاتفيا وليتوانيا بين عامي 2012 و2015.
  • وكشف تحقيق أُجرِي في عام 2018 أن الحكومة الروسية امتلكت وأدارت سرًّا بوابة إخبارية رائدة على الإنترنت في منطقة البلطيق، وغالبًا ما وجَّهت تغطيتها الإخبارية سهام النقد إلى الغرب والترويج لروسيا وتأجيج التوترات العِرقية الإقليمية.
  • وفي عام 2016، اتُّهمت أجهزة الأمن الروسية بالعمل مع الجماعات المحلية اليمينية المتطرفة وتحالف من الأحزاب السياسية اليمينية في جمهورية الجبل الأسود لتنظيم انقلاب وبث الفوضى أثناء إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد.
  • وتقدِّم الجهات الفاعلة الروسية أيضًا دعمًا ماليًّا علنيًّا وسريًّا للقوى السياسية الأوروبية اليمينية، ويحدث هذا عادةً من خلال طرق تتجنب التواصل المباشر مع الكرملين وطلبات المقايضة الصريحة. وفي عام 2014، على سبيل المثال، منح بنك روسي حزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي قرضًا بعد أن دعم زعيمه علنًا الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم.

 الأيديولوجيات المتطرفة لمجابهة الديمقراطية الليبرالية 

يلفت التقرير إلى أن دعم الكرملين للجماعات اليمينية المتطرفة يُعد جزءًا من هدفه الجغرافي الاستراتيجي الأكبر لتعطيل النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي وعرقلته من خلال دعم الأيديولوجيات المتطرفة بجميع أنواعها، بما في ذلك الأيديولوجيات اليسارية.
ومع ذلك، أعطت موسكو الأولوية للترويج للجماعات اليمينية المتطرفة في الغرب؛ لأنها غالبًا ما تتمتع بتعاطف متأصل أكبر مع روسيا موازنةً بخصومها من اليسار. ومنذ عام 2004، وصف زعيم النازيين الجدد الأمريكي ديفيد ديوك روسيا بأنها «مفتاح بقاء الجنس الأبيض».
وفي السنوات الأخيرة، تحدث عديدٌ من الجماعات الغربية اليمينية المتطرفة الأخرى باستحسان عن روسيا. وتُظهر مثل هذه المشاعر لموسكو أنها تستطيع التغلب على وضعها العسكري والاقتصادي الأضعف نسبيًّا في محاولتها لتقويض النظام الغربي من خلال استغلال مشاعر الجماعات اليمينية المتطرفة الحالية المؤيدة لروسيا بطرق غير متماثلة وأقل علانية وتتطلب موارد أقل.

  • في عام 2019، دعا زعيم الحزب الديمقراطي الوطني النازي الجديد في ألمانيا روسيا علنًا إلى «تحدي الليبرالية الغربية في عُقر دارها» وقال إن موسكو يمكن أن «تطمئن» بأنها ستجد في هذا المسعى «حلفاء ملتزمين وشجعان» بين أنصار الحزب.

إن الدعم الروسي المتنوع للتطرف اليميني يمنحه طرقًا منخفضة التكلفة نسبيًّا وهي طرق يمكن إنكارها (من حيث علاقتها بروسيا) لمتابعة تحقيق أهداف إصلاحية ربما تتطلب بخلاف ذلك استثمارات استراتيجية أكبر بكثير.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، استفادت أجهزة الأمن الروسية من شبكة لنوادي فنون الدفاع عن النفس في أوروبا والولايات المتحدة والتي تُعلِّم أسلوب القتال الروسي «systema» لتجنيد عملاء مؤثرين، غالبًا عن غير قصد، لنشر الروايات المتطرفة، وفقًا لتحقيقات أجرتها وسائل إعلام مختلفة.

وفي هذا الصدد، استخدم الكرملين أيضًا مجموعة «ذئاب الليل» (Night Wolves) -وهي مجموعة روسية يمينية تستخدم الدراجات النارية ومؤيدة للنظام ومعادية للغرب ولها فروع في جميع أنحاء أوروبا- لتحقيق أهدافه من دون إظهار علاقته بها وبأقل تكلفة.

وقد تدرَّبت المجموعة مع المجموعات الأوروبية اليمينية المتطرفة شبه العسكرية، ونظَّمت تظاهراتٍ واضحة لدعم السياسيين المؤيدين لروسيا وعقدت مهرجانات لنشر الأفكار المناهضة لليبرالية والمعادية لتعدد الثقافات.

ماذا ستفعل أمريكا لمواجهة روسيا؟

ويذهب التقرير إلى أن موسكو ستواجه قريبًا مقاومة أكبر من جانب واشنطن، حيث ضاعف دعمها للجماعات اليمينية المتطرفة قائمة المظالم والشكاوى الطويلة، التي تحتفظ بها الإدارة القادمة للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن ضد روسيا. فالرئيس بايدن، مقارنةً بسلفه، من المُستبعد تمامًا أن يطلب علنًا الدعم الروسي في مواجهة القوى اليمينية المتطرفة، لا سيما تلك المرتبطة بالعنف.

ومن المرجح أيضًا أن يركز بايدن على نحو أكبر على دعم الحلفاء الأوروبيين، وهو الأمر الذي ربما يقلل من قدرة موسكو على استغلال الانقسامات بين القادة الغربيين. وبالإضافة إلى ذلك، ربما تستهدف إدارة بايدن روسيا بصورة مباشرة من خلال ردود الفعل السياسية، مثل فرض حظر السفر و/أو العقوبات المالية، والتي يمكن أن تردع وتعطل بعض السلوكيات الروسية الخبيثة الداعمة للجماعات اليمينية المتطرفة.

ومع ذلك، سيظل الكرملين قادرًا على استخدام أساليب غير متماثلة لاستغلال التوترات المجتمعية الغربية بطرق تعزز الجماعات والأفراد التابعين لليمين المتطرف (ورواياتهم). وستكون هناك دائمًا مجموعة من الأشخاص والكيانات في الغرب، توفر عن قصد أو بغير قصد، سبلًا لموسكو لممارسة نفوذها من خلال وسطاء منخفضي التكلفة يقدمون لروسيا إمكانية الإنكار المعقولة لأي صلة بتلك الجماعات.

وعلى الفور، نجد أن توابع جائحة فيروس كورونا المُستجد -ومن بينها الاضطراب الاقتصادي العميق، والعزلة الاجتماعية، وانعدام الثقة بالنخب- تقدم الفرصة لمظالم يمكن للكرملين الاستفادة منها لنشر الروايات اليمينية الهادفة لتخريب التضامن الغربي.

بوتين روسيا بيلاروسيا

وعلى المدى الطويل، ستتمكن روسيا أيضًا من استغلال الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستمرة -مثل القضايا التي تدق إسفينًا في العلاقات مثل الهوية الوطنية والعِرق والهجرة- لتعزيز الجهات الفاعلة اليمينية المختلفة التي تزرع الفتنة في المجتمعات الغربية، وتوفر مساحة لروسيا لتطل بنفوذها وتمارسه.

دولي

منذ 11 شهر
«الإندبندنت»: حتى بعد رحيل ترامب.. أفكار اليمين الشعبوي لن تختفي من أوروبا

موسكو لن تكف عن ممارساتها العدائية

  • يشير التقرير في ختامه إلى أنه في العام الماضي، أفاد عديد من الأجهزة الأمنية والمنظمات غير الحكومية أن موسكو استخدمت جائحة فيروس كورونا المُستجد لتشويه سمعة سياسات الحكومات الغربية وأدائها، من خلال مقارنتها بالصور الإيجابية لتجاوب روسيا مع الأزمة الصحية.
  • وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على سبعة أفراد وشركات أوكرانيين بزعم أنهم جزء من «شبكة نفوذ أجنبية مرتبطة بروسيا» يقودها «عميل روسي نشط» لتزويد المواطنين الأمريكيين بمعلومات مضللة بهدف التأثير في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2020.
  • ويُظهر الحصار العنيف لمبنى الكونجرس الأمريكي أيضًا مدى الاستقطاب الذي يمكن لروسيا استخدامه لتحقيق مصلحتها، بما في ذلك البناء على جهود الدعاية الحالية عبر الإنترنت لإشعال النزاعات المجتمعية المحلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد