هذه الترجمة نُشِرت للمرة الأولى في موقع السوري الجديد.

في يناير (كانون الثاني)، ناقش كل من صموئيل هيلفونت ومايكل بريل عبر صحيفة فورين أفيرز بأن الرئيس العراقي السابق صدام حسين لم يكن قد لعب أي دور في الظهور النهائي لتنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضًا باسم داعش)؛ كون صدام لم يكن إسلاميًا.

في سياق نقاشهما، استندا إلى كتابي في 2014: «صدام حسين والإسلام»، واستحضرا وجهات النظر التي تبنيتها هناك، وفي أماكن أخرى لم أذكر في كتابي «داعش»، ولكنني ناقشت السياسات البعثية لصدام (بما في ذلك إسلاميته الخاصة في التسعينيات). وفي نهاية الكتاب، خلصت إلى أن حملة العقيدة الإسلامية لصدام حسين في التسعينيات قد مهدت الطريق لداعش.

وفي مجلة «فورين أفيرز«  في نيسان (أبريل)، كررت تصريحي في هذه القضية، مشيرًا إلى أن السياسة الإسلامية لصدام كانت فقط عاملًا واحدًا – على الرغم من أنها عامل كبير – وراء ظهور داعش.

ثم كتب هيلفونت وبريل مقالة ثانية دفاعًا عن موقفهما قائلين مرة أخرى أن صدام لم يكن إسلاميًا؛ ولهذا السبب كان صدام بريئًا من المساهمة في الظهور النهائي لداعش.

في هذه المرحلة، على أي حال نقاشنا هو حول المنهجية فضلًا عن المادة، وهو ما أعتبره استخدامهم غير المتناسق للحقائق، وإصدارهم للتصريحات المتناقضة، والتركيز الضيق على السجلات البعثية الداخلية، التي جعلتهم يغفلون عن المصادر الرئيسية الأخرى. يمكن للقراء أن يجدوا مثل هذه الأمور غامضة، لكنها مهمة للبحث، لأن المنهجية السليمة توفر فقط الأساس لاستنتاجات موضوعية دقيقة.

وقد اعترض هيلفونت وبريل على فكرة – كما في كتابي – أن الدولة العراقية متورطة بشكل عميق في فرض الشريعة: مثل معاقبة السارق بالبتر، بوضع الحكم في نظام العقوبات، وصراحة سن الحكم من الشريعة. في المقام الأول، كتب الباحثون أنه «لا يوجد دليل في سجلات البعث بأن النظام يطبق حكم الشريعة الإسلامية في العراق. ومثل هذه الفظائع (البتر وقطع الرؤوس) قد تم تنفيذها من قبل القوات شبه العسكرية للنظام مثل فدائيي صدام…». بالاعتماد على كتابي، أوردت لافتًا إلى الطرق العديدة التي تتشارك فيها الدولة – من إصدار قوانين البتر للسرقة وتنفيذ حكم الإعدام للدعارة، إلى التغطية التلفزيونية المحلية للبتر. وفي ردهما، اعتمد هيلفونت وبريل على الحقائق خاصتي في الوقت الذي ادعوا: «لم نكن ننوي الإشارة إلى أن (الميليشيات غير المنضبطة) وحدها، أو في المقام الأول، هي من تسن هذه العقوبات».

يمضي كل من هيلفونت وبريل في الزعم أن بتر الأيدي والأرجل بسبب السرقة كان مجرد وحشية النظام، ولم يكن البتر قد تم من زاوية تطبيق الشريعة. ولكنني كنت قد أشرت إلى أن معظم العراقيين عرفوا من المدرسة ومن البيت أن هذه هي الشريعة، متبعين آية من الآيات القانونية الأكثر شهرة في القرآن، وأن وسائل الإعلام البعثي أشادت بصدام في تنفيذ الشريعة بهذه الطريقة. وأشار رد هيلفونت وبريل بأنهم «كانوا على علم جيد بالمراجع العامة للشريعة الإسلامية التي يصنفها بارام في مقالته»، ولكنهم لم يذكروا أي شيء من هذا في مقالتهم الأصلية، التي يبدو كطريقة غريبة في معالجة الأدلة ذات الصلة. وعلاوة على ذلك، أيضًا غيروا رأيهم في ما تقول «السجلات الداخلية للنظام» بخصوص بتر الأطراف، حيث انقلبوا من القول: «لا يوجد أي دليل في السجلات البعثية بأن النظام يطبق الشريعة الإسلامية في العراق» إلى الإقرار بأنه في بعض الأحيان، ولو أن ذلك غير متسق، أوضح صدام بنفسه البتر من خلال الشريعة.

وفي الوقت نفسه، تجاهل هيلفونت وبريل وجهة نظري حول إرث صدام الشامل في قتل الشيعة والأكراد – بأن الكراهية الطائفية والخوف الذي أنشأهم صدام يستمر في إفساد العراق الآن، وساعد داعش في كسب تأييد السنة. لم يظهر القتل بالغاز للأكراد في مدينة حلبجة وعمليات الإعدام الجماعية للشيعة في آذار (مارس) 1991 في أرشيف هوفر في سجلات حزب البعث الداخلية، ولكن هذا لا يعني أنه لم يحدث قط. وأيضًا يتجاهلان وجهة نظري أن المطلعين الأقوياء مثل ابن صدام عدي والأخ غير الشقيق برزان تكريتي من بين عدد قليل من الناس الذين يمكنهم انتقاد صدام دون عقاب، انتقدوا مرارًا وتكرارًا سياسة النظام في حماية المتطرفين الإسلاميين السنة (الوهابيين)، الأمر الذي يؤكد أن صدام يفعل ذلك. في مذكراته الخاصة، كتب برزان عن شقيقه:

الطريقة التي يفكر الرئيس فيها، للأسف، مماثلة لطريقة تفكير الراهب الذي يجلس في المحراب ويتعبد الله. أخبرت الرئيس عن خطورة التحالف مع التيار الديني محليًا وخارجيًا.

تجاهل الماضي أدى بهيلفونت وبريل إلى إساءة تفسير الحاضر؛ إذ أشارت تلك المادة الأصلية:

منذ عام 2003، التحق البعثيون السابقون بمجموعة متنوعة من الجماعات المتمردة، وليس فقط بداعش. فقد تحولت ولاءاتهم على مر الزمن وفقًا للمناخ السياسي – في الأساس لأولئك الذين حكموا والذين يمكنهم الاستيلاء على السلطة بشكل ناجح. مثل الآخرين عبر التاريخ، أظهر العراقيون مرارًا وتكرارًا قدرة هائلة على التكيف مع الظروف الحالية والقبول بالأيديولوجية السائدة.

ووفقًا لهذه النظرية الانتهازية، يتوقع المرء أن تبدل أدوار هؤلاء البعثيين السابقين، أولًا للنظام الجديد الذي تبع القديم عندما هُزِمَ البعثيون، ولكنهم لم يُهزَموا: حيث فضلوا الانضمام إلى الإسلاميين الأكثر تطرفًا. والآن، مرة أخرى، بينما يخسر داعش على الأرض، لم يغير هؤلاء البعثيون السابقون مواقفهم أيضًا، على الأقل على أي مستوى يمكن ملاحظته. وهذا يوحي بأن علاقتهم مع داعش تتجاوز الانتهازية المحضة، وترجع إلى كيف كيفهم إرث صدام على رؤية السلفيين كشركاء شرعيين وقابلين للحياة.

ناقش كل من هيلفونت وبريل بأن نظام صدام حسين لم يدخل في التحول الإسلامي في التسعينيات، ويستشهدون بدليل أن نظام صدام حسين كان إلى حد كبير إسلاميا في السبعينيات. ولكن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما تبدو لهم. كان هناك بالفعل بعض العناصر الإسلامية في حزب البعث والسياسة الرسمية للحكومة العراقية في أواخر الستينيات والسبعينيات. وما يفتقدونه هو مدى وطبيعة وأهمية تغير تلك العناصر مع مرور الوقت.

وبالتالي يتحدثون عن أن دستور البعثيين المؤقت الأول في سبتمبر (أيلول) 1968 – الذي جاء بعد شهر واحد من مجيء الحزب إلى السلطة – كان مليئًا بالإشارات إلى الإسلام. وما لم يتحدثوا عنه بأنه كان الدستور المؤقت الثاني في يوليو (تموز) 1970 – وهو من تأليف صدام وحاشيته من الشباب البعثيين – والذي حل محل الدستور الأول وأهمل «الإسلام» و«الدين» تمامًا. والاستثناء الوحيد لذلك هو أن الإسلام كان لا يزال يُعرف بأنه «دين الدولة» في الوثيقة. ولا يمكن إزالة هذا خوفًا من الاحتجاجات الجماهيرية. (في عام 1972، حاول حزب البعث السوري إزالة الإسلام كدين للدولة).

استمر هذا الدستور العلماني المؤقت الثاني حتى عام 2003. وفي التسعينيات، على الرغم من أن صدام تجاهل هذه الوثيقة، لم يتمكن من تغييره لأنه قد شُوهد من قبل حزب البعث باعتباره الاستسلام التام للأحزاب الدينية التي كان يعظ ضدها على الرغم من أن صدام كان يطبق الكثير من برنامجهم في العراق. حيث لا يستطيع تحمل ذل خيانة عقيدة الحزب الرئيسية في الإيمان: العروبة العلمانية.

العناصر الإسلامية اتي يشيران إليها فيما أراه علمانية السبعينيات، علاوة على ذلك، كانت حقا فقط إيماءات للعصر الذهبي للإسلام في العالم العربي. وكانت تعبيرات فخر في المجد الذي كان الإسلام عليه عند العربي كتاريخ، وليس كتطبيق للشريعة الإسلامية والممارسات الدينية للنظام الذي كان بعد عقدين من الزمن. وعندما أعلن صدام في عام 1977، كان يعتقد بأن الزمن عفا على الشريعة: «إن المشاكل الاجتماعية الحالية … مختلفة تمامًا عن تلك الموجودة في العصور الإسلامية الأولى، عندما تم تحييز قواعد [الشريعة] الفقهية … [هذه القواعد] لا يمكن أن تكون قواعد الحياة الحالية». وفي التسعينيات قام بالتغيير التام.

يركز هيلفونت وبريل بشكل مكثف على سجلات داخلية. هذه يمكن أن يكون مفيدا، ولكن ما لم يتم استكماله بأنواع أخرى من الأدلة، يمكن أيضًا أن يكون إشكاليا. لأن معظم العراقيين ليسوا أعضاء في الحزب، كانوا أكثر تأثرًا بما شاهدوه وعاشوه بشكل يومي في وسائل الإعلام المفتوحة والأماكن العامة، مما علموا من الخطاب الحزبي الداخلي المبوب. أكثر ما يهمهم هو كيف تمت ترجمة قرارات السياسة الداخلية الحاسمة في السياسات العامة. ففي التسعينيات، على الرغم من أن بغداد لم تصبح الرياض، لم يتم تنفذ سياسات صدام كما في تقرير هيلفونت وبريل – أسلمة صدام السنية غير المسبوقة في التعليم، وإنشاء بنك حكومي إسلامي، والأسلمة الجزئية للضرائب، والقيود المفروضة على المشروبات الروحية والترفيه، وتطبيق الشريعة في قانون العقوبات. مهما كانت قيادة البعثيين قد أظهرت نفسها داخليًا، فما يهم في نهاية المطاف هو كيف حاولت القيادة التلاعب بالشعب العراقي.

تستند استنتاجاتي الخاصة على 30 سنة من الدراسة لحزب البعث العراقي، ومعظمها من خلال المصادر المفتوحة. فمنذ عام 2011، قضيت بضعة أشهر في مركز أبحاث سجلات الصراع في جامعة الدفاع القومي. وعلى الرغم من أنها أصغر بكثير من أرشيف هوفر، فهي مجموعة ثمينة من الوثائق الحكومية والحزبية الداخلية، فضلًا عن عدد كبير من تسجيلات لصدام عن اجتماعاته ضمن الأبواب المغلقة مع جنرالاته، وهم كبار مسؤولي الحزب وشيوخ القبائل وكبار الشخصيات الأجانب. لم أكن أرى ولا أستمع إلى كل ذلك، ولكنني وجدت معلومات هامة جدًا هناك، استخدمتها في كتابي. لفهم أرشيف معهد هوفر، التي يشير إليها هيلفونت وبريل، فقد درست عمل علماء مثل عباس كاظم، ويوسف ساسون، ودينا رزق خوري، وهارون فاوست. لا يمكن المبالغة في أهمية السجلات الداخلية، حيث أنجز هيلفونت وبريل الكثير من خلال قضاء بعض الوقت هناك. والإغلاق الأخير لمركز بحوث سجلات الصراع كان خسارة كبيرة. ولكن يعتبر هيلفونت وبريل أن مستندات البعثيين في هوفر هي الحقيقة الكاملة الأصلية. وهكذا، لا يمكن الرجوع لهذه السجلات الداخلية لوحدها. لا بد من النظر في المصادر البعثية المفتوحة. ولا بد من تحليل التناقضات بين المصدرين.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد