في مقال حديث لها، عددت مجلة فورين أفيرز البدائل المطروحة أمام واشنطن للتعامل مع الأزمة السياسية التي تعصف بالعراق حاليًا في أعقاب الاحتجاجات الواسعة التي قادها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

وأشارت المجلة إلى فشل أعضاء البرلمان العراقي في الاتفاق والتصويت على الأسماء المرشحة في التعديل الوزاري الذي يجريه رئيس الوزراء حيدر العبادي، باعتباره جزءًا من الإصلاحات السياسية التي طالب بها العراقيون، مما أدى إلى قيام محتجين باقتحام مبنى مجلس النواب تعبيرًا عن سخطهم.

وتؤكد المجلة إن الوضع لا يزال غامضًا، ولا تزال بغداد في مرحلة صعبة، رغم انسحاب المتظاهرين من مبنى البرلمان بعد اقتحامه. إلا أن الولايات المتحدة موقفها أصعب بكثير، إذ بات عليها التوسط لحل الأزمة بين الحكومة العراقية وبين رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي قاتل الجيش الأميركي إبان الغزو، والذي يقود الاحتجاجات الآن.

محطم الأحزاب

وقد اشتعلت مظاهرات الصيف الماضي في العراق منددة بالفساد المستشري في البلاد. وقد دعم المرجع الشيعي الأعلى في العراق، آية الله علي السيستاني، تلك المطالب. لكن الأحزاب العراقية عرقلت خطة رئيس الوزراء لإجراء إصلاحات، ووقف السيستاني متفرجًا. وتشير المجلة أنه منذ احتلال العراق في 2003، اتسم المناخ السياسي بالفساد وغياب المساءلة، ويجري تشكيل الحكومات على أساس طائفي من قبل الأحزاب وليس عبر رئيس الوزراء.

ومع عدم تدخل السيستاني لدعم الإصلاحات، يشير التقرير إلى تقدم الصدر، الذي يتخذ من الشيعة الفقراء قاعدة دعم شعبية له، وقاد حركة الاحتجاجات. وقد ناشد في خطاباته أمام المتظاهرين كافة العراقيين متجاوزًا النبرة الطائفية.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتصدى فيها الصدر للطائفية، ففي وقت ولاية رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في 2012، هاجم الصدر المالكي بسبب سياساته الإقصائية بحق العرب السنة والأكراد والتركمان، ومحاولات المالكي التفرد بكافة السلطات. ويحاول الصدر الآن دفع البرلمان إلى تشكيل حكومة تكنوقراط غير طائفية.

لكن الصدر لم يخف أن مناهضته للمالكي كانت في جانب كبير منها تنافسًا على زعامة الطائفة الشيعية. كان المالكي، الذي شهد عهده صعود تنظيم الدولة الإسلامية، قد اتُهم بمعاداة السنة عبر استهداف قادتهم وتفضيل الشيعة صراحة، وعلى أثر ذلك أطيح به من رئاسة الحكومة.

وللمرة الأولى، أطلق محتجون هتافات معادية لإيران أثناء تجمعهم في الساحة الكبرى في المنطقة الخضراء المحصنة، وهو ما يؤشر إلى أن الصدر يحاول تقويض مصداقية القادة الشيعة الآخرين الموالين للدولة الفارسية. وعلى رأسهم فيلق بدر وعصائب أهل الحق اللتان تقودان القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يقول المقال إن بعض الأطراف تسعى لاستغلال الأزمة لصالحها. فقد شارك أنصار رئيس الوزراء السابق إياد علاوي في الاعتصام، ودعوا إلى إزاحة العبادي وإسناد المهمة إلى علاوي. وهكذا تزداد الضغوط على العبادي الذي بات محاصرًا بين مطرقة المطالبين بالإصلاحات وبين الرافضين لها.

مخاوف من تصاعد حدة الأزمة

ووفقًا للمجلة، فإن الصدر يتصرف بذكاء. فهو يمزج بين هدف نبيل ومطامع شخصية خاصة به. وقد زاد الصدر وأتباعه من ضغوطهم بشكل سلمي، كما أكد عليهم مرارًا، وذلك على الرغم من وقوع إصابات بين صفوف نواب البرلمان أثناء فرارهم وقت اقتحام المتظاهرين مبنى مجلس النواب.

يقول المقال إن ثمة مخاوف من تصاعد حدة الأزمة إذا ما أقدمت الميليشيات التابعة للقادة الشيعة المنافسين للصدر على التدخل في الأزمة، وهو ما يستدعي شبح الأحداث الدامية التي وقعت عام 1958 التي أفضت إلى إسقاط الملكية.

وقد بات الآن أمام القادة السياسيين في العراق خياران أحلاهما مرّ؛ فإما مواصلة عرقلة الإصلاحات على أمل أن يتحمل الشعب نفس الحكومة التي تفتقر إلى الكفاءة، أو إطلاق يد العبادي في تشكيل الحكومة من خارج الأحزاب. وذلك في وقت يمر فيه العراق بأزمة مالية طاحنة بسبب انهيار واردات النفط والحرب مع داعش.

دور واشنطن

وأشارت المجلة إلى إعلان الصدر اعتزامه الصمت خلال الشهرين التاليين، لكنه على الأرجح سيبقى قائدًا للاحتجاجات عبر توجيه التعليمات إلى المحتجين. وقد بات على الولايات المتحدة التحرك فورًا لاحتواء الأزمة المشتعلة.

وتؤكد فورين أفيرز أن الصدر بات رقمًا صعبًا في المعادلة العراقية ولم يعد قائدًا لحركة هامشية. وأنه يمكن لواشنطن فتح قناة اتصال مباشرة معه. وهذا سيتيح لواشنطن فهمًا أفضل لطبيعة ما يسعى إليه الصدر، فضلاً عن أنه قد يغير من وجهة نظره تجاه أهداف الولايات المتحدة ومصالحها في العراق.

وتواصل المجلة تعديد خيارات واشنطن في التعامل مع الأزمة. إذ أكدت أنه يمكن لواشنطن العمل مع طهران على تليين موقف المالكي الرافض للإصلاحات، وذلك باللعب على وتر المخاوف من احتمالية اشتعال قتال داخل البيت الشيعي واحتمال انهيار النظام السياسي الذي تلا الغزو الأميركي في 2003، الذي منح الشيعة دور القيادة لأول مرة في تاريخ البلاد.

وأخيرًا، يمكن لأمريكا الضغط على الأكراد (الذين يصرون على أن تبقى الحكومة من مختلف الأحزاب على أمل أن تتيح الخلافات الفرصة لهم للانفصال عن العراق) لإثنائهم عن معارضة العبادي.

ويشير المقال إلى إمكانية استفادة الأكراد من التعاون مع العبادي، وذلك عبر الضغط لحل نزاعات رئيسية على النفط والإيرادات. فهذا سيمهد الطريق أكثر للاستقلال عن العراق بتوفير الموارد اللازمة للوفاء بالمتطلبات الدستورية والمالية والسياسية للانفصال.

ويشير المقال أنه إذا ما انهارت حكومة العبادي، فسوف تصبح المساعدات المخصصة للأكراد ضمن المساعدات المالية والعسكرية الممنوحة من قبل واشنطن إلى بغداد في مهب الريح.

وتختتم المجلة بالإشارة إلى أنه إذا ما تفجر العنف في العراق في الأيام المقبلة، فإن مستقبل العراق سيكون في غياهب المجهول، وهو ما قد يعود بالنفع على تنظيم الدولة. وقد خسر تنظيم الدولة الكثير في الفترة الأخيرة، وسيرتكب قادة العراق خطأ جسيمًا قد يعتبر جريمة إذا ما انشغلوا بصراعهم على السلطة في بغداد وتناسوا معركتهم الرئيسية مع التنظيم، وفق ما تشير إليه المجلة الأمريكية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات