ذات يوم كانت الديناصورات المفترسة الضخمة، مثل الأبيليصور المفترس قصير الخطم، والتيروصور، تجوب المنطقة التي تعرف الآن بالصحراء الكبرى.

بالرغم من أن الحجر الصحي الذي نعيش فيه حاليًا يجعل الشهر الماضي يبدو وكأنه كان منذ 100 مليون عام، إلا أن دراسة جديدة تشير إلى أنك إذا عدت بالفعل إلى تلك الفترة الزمنية، واتجهت إلى الصحراء الغربية، فستواجه على الأرجح مجموعة جديدة تمامًا من المشاكل على شكل جحافل من الحيوانات المفترسة هائلة الحجم.

ويوضح تقرير نشرته مجلة «بوبيولار ساينس» العلمية الأمريكية أنه بدلًا عن الصحراء، كانت المنطقة مغطاة بشبكة نهرية شاسعة تتدفق عبر أراضي المغرب والجزائر الحاليين. وأضاف أن الأمر الغريب أن علماء الأحياء القديمة عثروا على حفريات قليلة للغاية للديناصورات آكلة النباتات التي كانت تجوب معظم أنحاء العالم في ذلك الوقت، واكتشفوا بدلًا عن ذلك العديد من حفريات الديناصورات آكلات اللحوم، والزواحف الطائرة التي تُسمى التيروصورات، وأسلاف التماسيح المعاصرة.

أخطر مكان في التاريخ

نقلت كاتبة التقرير كيت باجالي، وهي محررة متخصصة في الطيور والديناصورات، عن نزار إبراهيم عالم الحفريات بجامعة (ديترويت ميرسي) قوله: «إنه ربما كان المكان الأكثر خطورة في تاريخ كوكب الأرض؛ لأنه كان موطنًا للكثير جدًا من أنواع الحيوانات المفترسة من مختلف الأشكال والأحجام»، مضيفًا: «نهر العمالقة هذا لا يشبه أي نظام إيكولوجي (بيئي) موجود في الوقت الراهن، كما أنه فريد من نوعه أيضًا مقارنةً بالنظم الإيكولوجية الأخرى التي انتشرت في عصر الديناصورات».

وأوضحت الكاتبة أن إبراهيم وزملاءه ألقوا نظرة عامة على المخلوقات والجيولوجيا التي شكلت هذا النظام الإيكولوجي، والتي حُفظت بقاياها في التكوينات الصخرية الواقعة في شرق المغرب، والمعروفة باسم مجموعة «كمكم» أو «أسِرَّة كمكم».

وأضافت أن الفريق البحثي نشر في 21 أبريل (نيسان) تقريرًا في دورية «زووكيز» العلمية، مبني على النتائج التي توصل إليها بعد عقدين من الحملات الاستكشافية في المنطقة والزيارات التي قام بها للمجموعات الأحفورية الموجودة في المتاحف في جميع أنحاء العالم.

ونقلت عن أندريا كاو، الباحث المستقل الذي يعمل مع المتاحف والجامعات في إيطاليا والمملكة المتحدة وغيرها من الأماكن، قوله في رسالة بالبريد الإلكتروني: إن «هذا العمل يمثل أول موجز تجميعي مُفصل لجميع أعمال الجيولوجيا والحفريات السابقة التي أجُريت في أسِرَّة كمكم، وأول محاولة لإعادة بناء الظروف البيئية التي سادت هذه المنطقة من شمال أفريقيا منذ ما بين 100 إلى 95 مليون عام مضت».

Embed from Getty Images

وأوضح كاو – الذي درس مجموعة كمكم والنظم الإيكولوجية القديمة الأخرى في شمال أفريقيا – أنه على الرغم من أن بعض نتائج الحفريات لا تزال أولية وتحتاج إلى تأكيدها بدراسات أكثر تفصيلًا، إلا أن التقرير يمكن أن يوفر موردًا قيمًا لعلماء الحفريات في الحملات الاستكشافية المستقبلية في المنطقة.

انتشار واسع لآكلات اللحوم

وذكرت «بوبيولار ساينس» أن المنطقة التي يُطلق عليها اسم مجموعة كمكم تتكون من طبقات من الصخور الرسوبية، تطل على جرف طويل متعرج بالقرب من الحدود بين المغرب والجزائر. والحفريات التي وجُدت فيها تُشكل مجموعة متنوعة.

يقول إبراهيم: «يمكنك أن تجد فيها أشياء صغيرة للغاية – الحيوانات البرمائية الصغيرة والنباتات الدقيقة – وصولًا إلى الديناصورات الضخمة»، مضيفًا أن عددًا قليلًا من هذه الحفريات تعود لديناصورات عاشبة مثل ديناصورات الصوروبودا طويلة العنق، إلا أن وجود هذه المخلوقات لا يبدو بمثل شيوع أقربائها من آكلات اللحوم، موضحًا أن علماء الحفريات لاحظوا انتشار هذا النمط في مختلف أنحاء شمال أفريقيا منذ ثلاثينات القرن العشرين.

وأضاف التقرير أن هذه الوحوش المخيفة تضم ما لا يقل عن أربعة ديناصورات مفترسة كبيرة الحجم، ينتمي أولها إلى مجموعة تسمى الآبيليصوريدات، والذي يشير خطمه القصير وأسنانه الصغيرة نسبيًا إلى أنه ربما كان من الحيوانات القمَّامة (التي تتغذى على الجيف).

كما اكتشف علماء الحفريات أيضًا حفرية سبينوصور له خطم ضيق وأسنان مُخصصة للإيقاع بالأسماك وثقبها، بالإضافة إلى طائر جارح سريع الحركة يبلغ طوله حوالي 26 قدمًا (حوالي ثمانية أمتار)، أما الرابع فهو صياد عملاق بأسنان مدببة تشبه سكاكين تقطيع اللحوم، ويعرف باسم «Carcharodontosaurus saharicus» ويقترب حجمه من حجم الديناصور «تي ريكس». في الوقت نفسه، كانت التيروصورات المجنحة التي يتراوح طولها بين 13 و20 قدمًا تحلق في الجو، بينما تطوف المخلوقات الشبيهة بالتماسيح وأسماك القرش، والتي يعادل طولها طول حافلة مدرسية، في الماء.

ونقل التقرير عن إبراهيم قوله: «إذا زرت هذا المكان كإنسان، فستجد العديد من الطرق المختلفة للموت، ولن تكون آمنًا في أي مكان».

وأضاف أنه ومن خلال دراسة هذه التشكيلة الواسعة من الحفريات التي عاشت في هذه البيئة المروعة، كان هو وفريقه يأملون في أن يفهموا بصورة أفضل كيف تعايشت هذه «الوفرة العظيمة» من الحيوانات المفترسة معًا، ونوعية الغذاء الذي اقتاتوا عليه.

Embed from Getty Images

ولاحظ الباحثون أن الجماجم التي تنتمي إلى آكلات اللحوم في مجموعة كمكم متنوعة إلى حد ما، مما يشير إلى أن كلًا منها تتخصص في التغذي على أنواع مختلفة من الفرائس، وهو ما سمح للحيوانات المفترسة بالبقاء بعيدًا عن بعضها البعض وتجنب الاضطرار إلى التنافس على نفس الوجبات. وتكونت هذه الوجبات في الكثير من الحالات من المأكولات البحرية، إذ يبدو أن الأسماك كانت أكثر مصادر الغذاء وفرة في ذلك الوقت، لاسيما وأن بعض هذه الكائنات التي تسبح في المياه كان يصل حجمه إلى حجم سيارات الدفع الرباعي.

في الوقت الراهن، يقل عدد المفترسات العليا مثل الذئاب والأسود بشكل كبير في الطبيعة عن فرائسها العاشبة. ومع ذلك، وحتى خلال العصر الطباشيري الوسيط عندما كانت الشبكات النهرية الشاسعة تغطي شمال أفريقيا، كانت النظم الإيكولوجية التي يسيطر عليها هذا العدد الكبير من الحيوانات المفترسة الضخمة نادرة. ويقول إبراهيم: «الأمر أكثر شبهًا، في بعض النواحي، بما قد تراه في النظم الإيكولوجية البحرية، حيث تكون المفترسات هي الأكثر شيوعًا».

أسباب انخفاض أعداد الديناصورات العاشبة

ويوضح إبراهيم أن الطبيعة التي عاشت فيها هذه الحيوانات كانت مليئة بالأنهار المتعرجة والبحيرات والسهول الطينية، وهو ما يشير إلى أن المنطقة لم تستطع الحفاظ على كمية كافية من النباتات لفترات طويلة، بما يكفي لإطعام أعداد كبيرة من الديناصورات آكلة النباتات. وأوضحت كاتبة التقرير أنه على الرغم من ذلك، فقد تكون هناك أسباب أخرى وراء عثور علماء الحفريات على هذا العدد القليل من حفريات الحيوانات العاشبة الكبيرة في هذه المنطقة.

ونقلت الكاتبة عن فيليب مانيون، عالم الحفريات في جامعة «كلية لندن الجامعية» والذي لم يشارك في البحث، ما شاركه معها في رسالة بالبريد الإلكتروني، إن معظم حفريات الصوروبودا التي وجُدت في هذه المنطقة هي عظام مفردة أو شظايا وليست هياكل عظمية مكتملة؛ الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد الأنواع التي تنتمي إليها. وعادةً ما تكون أسنان ديناصورات الصوروبودا أيضًا متشابهة، وغالبًا ما تكون فقراتها المكشوفة هشة وأكثر عرضة للضرر.

Embed from Getty Images

وتابع قائلًا: «لا يمكننا أن نتأكد في نهاية المطاف من أن الحفريات لا تعكس تنوعًا أكبر»، إذ أنه من المحتمل أيضًا أن تكون هذه الديناصورات آكلة النباتات قد عاشت وماتت أساسًا في موائل أخرى قريبة، ونادرًا ما غامرت بالدخول إلى المناطق التي تصادف أن حافظت عليها مجموعة كمكم.

ونقل التقرير عن إبراهيم قوله: «إن مجموعة كمكم تُذكرنا بأن النظم الإيكولوجية التي سادت في الماضي ربما خضعت لقواعد مختلفة تمامًا عن تلك التي نراها اليوم. وهو يعتبر أن هذا ليس أمرًا مستغربًا، لأن أكثر من 99% من جميع الكائنات الحية التي استوطنت الأرض يومًا ما قد انقرضت قبل الوقت القصير الذي نُسميه الحاضر».

واختتم قائلًا: إن «الصحراء مكان مذهل كما هي، ولكن عندما تكون هناك في هذا المكان الجاف الوعر، وتلتقط قشور الأسماك، وأسنان التماسيح العملاقة، فإن هذا يمنحك بالفعل شعورًا بما نسميه الماضي السحيق»، مضيفًا: «هذا هو الوقت الذي تدرك فيه حقًا كم تغير كوكبنا، وكيف يمكن أن يتغير بمرور الوقت».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد