أثار محمد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، وولي العهد التالي بعد القرار الأخير الذي أصدره والده الملك سلمان، ضجةً في الرياض، عاصمة السعودية الخامدة. فتكاد النساء المُلتفَّات بالعباءات أن يُغشى عليهن عند رؤية صوره على هواتفهن الذكية، ويُكلِّل الصحفيون ذِكره بصفات متودِّدة، ويتسابق الدبلوماسيون إلى نقل أي معلومةٍ عنه إلى عواصمهم، ويقضي الموظفون الآن لياليهم في الوزارات لتنفيذ تعليماته بعد أن كانوا يغفون طوال اليوم فوق مكاتبهم.

لا عجب في ذلك، فالملك سلمان الذي تولَّى الحُكم في يناير هو السادس من بين أبناء الملك عبد العزيز بن سعود؛ مؤسِّس المملكة، الذين ارتدوا تاجها. كما أنَّ قراره بأن يكون آخر الملوك من ذلك الجيل، وأن يمتد خط الوراثة أولًا إلى ابن أخيه (الذي لم يُنجِب ذكورًا) ثم إلى محمد بن نايف الذي يبلغ 55 عامًا، ثم إلى محمد بن سلمان؛ وهو في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات من عمره، سيكون تحوُّلًا كبيرًا تحت أي ظرف، وسيفتح الباب أمام تولِّي حاكم يقترب سِنًّا من المَحكومين. ولكن محمد بن سلمان ليس مجرد وجه شاب في ظل حُكم الشيوخ، بل وجه نشيط وهادف كما يبدو. فخلال بضعة أشهر فقط، شنَّ حربًا في اليمن، وسافر إلى كامب ديفيد للقاء الرئيس أوباما، وأصبح مُشرِفًا على شركة آرامكو السعودية للنفط المملوكة للدولة.

قال الداعية والمعارض السابق للحكومة محسن العواجي إنَّ «البلاد كانت كسفينةٍ طافيةٍ دون بوصلة تحت سماءٍ مُظلِمة. ما زال من المُبكِّر الُحكم على الوضع، ولكنَّنا على الأقل نرى الآن نجومًا». سيكون ذلك من حُسن الحظ، إن كان حقيقيًّا، لأنَّ المياه التي ستُبحر فيها البلاد أكثر خطرًا ممَّا كانت في العقود الماضية. فهي مُحاطة بحروبٍ أهلية ودول فاشلة، وضربَها الانخفاض الحاد في أسعار النفط في مقتلٍ. تُزيد إيران – عدوتها- من الاضطرابات الإقليمية وتستغلها عبر العديد من وكلائها من الشيعة. ويبدو أنَّ تأثير إيران وثروتها سيتزايدان أكثر إذا رُفِعَت العقوبات المُقرَّرة عليها ردًّا على برنامجها النووي كجزءٍ من صفقتها مع أمريكا وروسيا وأوروبا في وقتٍ لاحق من الصيف الجاري.

حرب اليمن

لطالما تمتَّعت السعودية بأهميةٍ ليست نابعة ممَّا تفعل، وإنَّما ممَّا تكون؛ فهي مصدر صادرات النفط الهائلة ومحلّ أكثر الأماكن قدسيةً في الإسلام. يشعر قادتها الآن بالحاجة إلى اكتساب وضعها من خلال إظهار قدرةٍ على مواجهة إيران ودعم أقرانها من السُنَّة في خضم الصراعات الطائفية في المنطقة.

ويشعر قادتها بالإضافة إلى ذلك بعدم إمكانية اعتمادهم على أمريكا كما كانوا يفعلون من قبل أكثر من ذلك. فقد أصبحت الولايات المتحدة في ظل حُكم أوباما عازفة عن الانخراط في منطقة تستهلكها الحروب الأهلية. كما جعلها ازدهار الطاقة الصخرية أقلّ اعتمادًا على النفط السعودي، وتحاول أمريكا جاهدةً عقد صفقةٍ مع إيران.

يهدف قرار السعودية بالتدخُّل في اليمن في مارس – عملية تلعب فيها السعودية بحزمٍ دور القائد، ولكن مع دعمٍ أمريكي في الاستخبارات واللوجستيات- ظاهريًّا إلى القضاء على المتمرِّدين الحوثيين المدعومين من إيران. ولكن غرضها الأهم هو إظهار رغبة المملكة الجديدة في القيادة لإيران وللآخرين. كان جون جينكينز سفيرًا لبريطانيا في الرياض من قبل ويرأس الآن الفرع الإقليمي للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، وهو مركز بريطاني للأبحاث. قال جون: «لا تتعلَّق الحرب باليمن، وإنَّما تحاول إرسال إشارة بنوايا السعودية وأهليتها». ويتَّفق معه الأكاديمي جريجوري جوز في كون السعوديون يحاولون إرسال رسالة، فيقول: «السؤال هو: ما الذي سيُظهِرونه؟».

الأمر بسيط جدًّا في رأي أحد مستشاري العائلة المالكة، فيقول: «لن يدَع كلٌّ من الخليج والسعودية الفُرس والطائفية يُدمِّران بلادنا»، ويقول إنَّه ينبغي النظر إلى هذا الإجراء باعتباره بادرة تحالف عسكري خليجي جديد على طراز الناتو ترأسه السعودية. بحَثت جامعة الدول العربية؛ وهي رابطة غير مؤثِّرة بدرجةٍ كبيرة، مثل تلك الأفكار لسنوات، ولكن لم تبدُ القيادة السعودية وجيهة على نحوٍ خاص قط. ولكنَّها الآن القيادة الوحيدة المُتاحة – وهو ما يُزعج بعض السعوديين-، فقد اعتادت مصر؛ الدولة الأقدم والأكثر شعبيةً، السيطرة على القوة الإقليمية، ولكن عليها الآن التعامل مع اقتصادها الراكد وسياستها المُتحجِّرة والهجمات الإرهابية. ولدى مسؤوليها ما يكفي من مشاكلٍ ناتجة عن تعاملهم مع ليبيا؛ جارتهم الغارقة في الفوضى، رغم رفضهم لفكرة قيادة «بدو» السعودية للعالم العربي. وأصبحت العراق الآن من وكلاء إيران بعد أن كانت حصنًا ضد إيران، وانهارت سوريا، ولتركيا تأثير محدود على إخوتها في الدين من العرب.

تمكَّنَت السعودية خلال ساعات من اتخاذها قرار الدخول إلى اليمن من تكوين تحالف من عشرة أعضاء من الدول السُنِّية؛ ويشمل الأردن والمغرب ومصر، وقطر التي كانت خصمًا لها حتى وقتٍ قريب. كما نجحت المملكة في الحصول على دعم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإجرائها فيما يشبه الانقلاب الدبلوماسي.

ولكن تُعَدّ الحرب بالكاد نجاحًا عسكريًّا أو دبلوماسيًّا، فالقوات المُسلَّحة السعودية أفضل في بعض الأمور من أمورٍ أخرى، وليست مُعتادة على التخطيط لحملات كاملة، على الرغم من كون السعودية أكبر مستورد أسلحة في العالم. وقد تعرَّضَت للانتقاد بسبب القصف غير الدقيق، والحصار البحري الذي منع وصول الوقود والطعام تمامًا تقريبًا للبلد. يساهم معظم أعضاء التحالف الآخرين – الذين لم يُطلَب من بعضهم في الحقيقة الاشتراك، بل أُمِروا به- إسهامًا قليلًا، فقد أسهموا بثلاث ضربات جوية فقط؛ إذ رفضت باكستان إرسال قوات، ورأت مصر أنَّ دورها تقييد طموح السعودية وليس تسهيله.

هناك إجماع عام خارج المملكة على أنَّ الحرب في طريقها نحو الفشل، فالحوثيون مستمرون في التقدُّم، وتذيع مُنظَّمات الإغاثة عدد الخسائر البشرية – تُقدِّر الأمم المُتَّحدة عدد الوفيات من المدنيين بـ 1849- وخطر المجاعة الذي يواجهه الملايين. ليس لدى السعوديين المُتَّهَمين من اليمنيين بغضّ الطرف عن الجماعات التي تتبع أفكار القاعدة على أمل إبعاد الحوثيين، أي خطة جديرة بالثقة لتسوية النزاع السياسي في اليمن، فهم يرفضون التحدُّث مع الحوثيين. يقول أحد المُراقبين في الرياض إنَّهم يحاولون ارتجال الخطة مع استمرار الحرب.

لم يكشف دعم السعودية للمُتمرِّدين في سوريا لسنوات عن أي عمقٍ للعقل الاستراتيجي أو الدبلوماسي. لقد أنفقت المملكة، رغم ثروتها، على مجموعاتها المُفضَّلة من المُتمرِّدين أقلّ ممَّا أنفقت إيران على دعم نظام بشار الأسد، إذ قسَّمت المملكة ما أنفقته على الكثير جدًّا من المجموعات، مما جعلها تفشل في تنسيق جهودها مع الآخرين.

ربما تتغيَّر الأمور، فقد بدأ الملك سلمان في تنحية الخلافات الماضية مع تركيا جانبًا، ممَّا قد يُحدِث فرقًا. لقد أدَّى التنسيق المُتزايد مع تركيا وقطر في سوريا إلى تقدُّم المُتمرِّدين تقدُّمًا هامًا في شمال غرب البلاد. ولكن عقَّد ظهور الدولة الإسلامية المزعومة من دور السعودية في سوريا ودورها على نطاقٍ أوسع بالتأكيد. عانت المملكة من بضع هجمات منفردة مستوحاة من هجمات الدولة الإسلامية، وهي قلقة للغاية بشأن الخلافة، فهي لا تدعم الدولة الإسلامية وقد تحرَّكت سريعًا لمنع التمويلات الخاصة من الوصول إليها. كان محمد بن نايف مسئولًا عن استئصال القاعدة من المملكة بعد 2001، وهو مثابر فيما يتعلَّق بمكافحة الإرهاب، ويُقال إنَّه قد أعطى أمريكا بيانات كل السعوديين الذين سافروا إلى الخلافة.

ولكن من الصعب على السعودية مواجهة الدولة الإسلامية عندما تحمل أيديولوجيتها الدينية التطهيرية والمُتعصِّبة تشابهات كثيرة مع المذهب الوهَّابي السعودي، الفرق الضئيل – والفاصل- أنَّ الوهابيين يدعون للولاء للملك. تفوز الأسرة الحاكمة -التي تقع على الجانب الأكثر ليبراليةً من المجتمع السعودي- بالشرعية من دعاة المملكة عبر السماح لأفكارهم المتعصِّبة أن تحكم بحُرية، وتُقوِّض هذه الصفقة قدرة الدولة على استخدام القوة الدينية الناعمة التي ينبغي أن تتمتَّع بها باعتبارها مهد الرسول مُحمَّد وبلد مكَّة والمدينة في تكذيب تعاليم الدولة الإسلامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد