التالي هو الجزء الثاني من ترجمة مقال نشرته مجلة «الإيكونوميست» البريطانية. يمكنك الاطلاع على الجزء الأول من هنا.

أزمة النفط

هناك إذًا مُعيقات أمام استخدام السعودية لقوتها الدينية الناعمة، كما أن مصادرها الأخرى للهيبة غير العسكرية وغير النقدية ضئيلة، فليس لدى المملكة نفوذ ثقافي مُقارنةً بمصر العريقة بصناعتها السينمائية، أو بدبي اليوم بفنها المعماري الأنيق. كما تمتلئ بمشاريع بها أخطاء في التنفيذ، بدءًا من المباني الخالية في الحي المالي الجديد بالرياض إلى كآبة الرياض الباهتة التي لا تُقارَن بدبي المُتألِّقة، ولا حتى بالعاصمة البحرينية؛ المنامة، فهي ليست مكانًا يطمح الآخرون أن يصلوا إلى مكانته.

إذا كان العالم بوجه عام غير مرتاحٍ لجهود المملكة في سبيل القيادة الإقليمية، إلَّا أنَّ شعبها يعجبه بعضًا ممَّا يحدث على الأقل، برغم قلقه من فكرة قيادة أميرٍ شابٍ للأمور. تتمتَّع الحرب على اليمن بشعبيةٍ كبيرةٍ، وعبَّرَت عن نزعةٍ عسكرية جديدة في ثقافة البلد. لقد قدَّمَت شركة زين لخدمات الاتصالات المُتنقِّلة خصم 50% للجنود، وتفاعلت النساء بحماسٍ شديد على هاشتاج يسألهن عمَّا إذا كُنَّ قد يقبلن الزواج من رجلٍ في زيٍِ عسكريٍ (السعوديون من أكثر مستخدمي موقع تويتر في العالم). ويضيف ذلك إلى شعبية الملك والأمراء؛ وبخاصةٍ محمد بن سلمان الذي يتصدَّر الحرب.

لقد حسم الملك سلمان بإعادة تشكيله للخلافة نزاعًا دام طويلًا؛ وهو تدافُع حوالي 8000 أمير من الجيل الثالث من العائلة المالكة على المنصب، كما وطَّد الحُكم بطريقةٍ لم تعتَد عليها العائلة، إذ عزل مقرن؛ أخاه غير الشقيق، من منصبه كوليّ العهد فيما يشبه انقلاب القصر بعد توليه الحُكم بفترةٍ قصيرة ليُفسح المجال لابن أخيه الذي يحترمه الشعب لتمكُّنه من عمله، ولابنه المُفضَّل. صدَّقَت هيئة البيعة، المُكوَّنة من 45 ابنًا لعبد العزيز تربطهم رابطة الدم، على هذا الاتفاق، وتقول الشائعات إنَّ مقرن قد تلقَّى تعويضًا.

استُبدِلَت باللجان العديدة التي كانت تُتَّخَذ فيها القرارات مجلسان عامان يضعان السُلطة في أيدي ولي العهد الجديد ونائبه. يُشرِف محمد بن نايف على هيئة تنسيق الأمن والشؤون الداخلية، ويرأس محمد بن سلمان نظيرتها الاقتصادية المسؤولة عن التنمية والنفط. كان الملك عبد الله، الملك السابق، يُفضِّل طريقة بدوية لمحاولة بناء الإجماع من الأسفل إلى الأعلى، وهي نشر الأفكار في التجمُّعات المُجتمعية في أنحاء البلاد قبل تنفيذها، وقد تخلَّى الملك الجديد عن هذه الطريقة. وأصبح هناك الآن كما يقول أحد الدبلوماسيين مَن يُمكن تحميلهم المسؤولية.

ينبغي استخدام تلك السُلطة لتحقيق إصلاح اقتصادي لكي تتمكَّن من إنجاز الكثير على المدى البعيد. لم يدفع انخفاض أسعار النفط من 110 دولارات للبرميل في مايو 2014 إلى 65 دولارًا اليوم السعودية نحو أزمةٍ ماليةٍ كما فعل ركود الأسعار في أواخر التسعينيَّات، لأنَّها تمتلك الآن احتياطيًّا من النقد الأجنبي يبلُغ 697 مليار دولار. وهو ما يقترب من حجم الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، فهو كبيرٌ بما يكفي ليتيح لقادتها التخفيف من الأزمة. لم تتضمَّن الميزانية التي أُقِرَّت في ديسمبر الماضي أي إشارةٍ إلى خفض الإنفاق، بل سمَحَت بعجزٍ فيها بلغ 36.8 مليار دولار. أنفق الملك سلمان عند تبوُّئه المنصب في يناير علاوةً للموظفين الحكوميين وأشياء أخرى لبقية رعيته بسخاء، وهو ما قد يُكلِّف من 3% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولكن لا يُمكِن أن يدوم هذا السخاء، لأنَّ النفط يُمثِّل حوالي 90% من عوائد الحكومة، وبينما لم تعُد أسعار النفط منخفضة كما كانت، فلا تلوح في الأفق أي علامةٍ على ارتفاعها أكثر من ذلك. لقد ازداد الإنفاق خلال العقد الماضي من أجل خلق دولة الرفاهة وتشييد مشاريع البنية التحتية. سيبلُغ عجز الموازنة لهذا العام المالي على الأرجح 100 مليار دولار، أو 15% من توقُّعات صندوق النقد الدولي للناتج الإجمالي المحلي كما يقول جيسون توفي من شركة كابيتال إيكونوميكس للأبحاث. ويقول اقتصاديٌّ مقيمٌ بالرياض: «طالما ظلَّ سعر النفط 65 دولارًا وظلُّوا ينفقون كما لو أنَّ سعره 100 دولار، بالإضافة إلى حرب اليمن، فسينفد الاحتياطي سريعًا».

يشعر بعض أفراد العائلة المالكة بالقلق، فانخفاض أسعار النفط أكثر من ذلك سيكون كارثةً، كما قال الأمير الوليد بن طلال -الذي يُخيَّل إليه أنَّه وارن بافيت السعودي- لمتابعيه على موقع تويتر العام الماضي. كما أنَّ بعض المُستثمرين مُتقلِّبون، فقد انخفض في يناير سعر السوق للريال ليصبح أقلّ قليلًا من السعر الرسمي الذي يرتبط به الريال بالدولار، ممَّا يشير إلى حدوث تدفقات لرؤوس أموال مضاربة. انخفض احتياطي السعودية من العملة الأجنبية بين نهاية يناير ونهاية مارس بنسبة 5%، ممَّا يوحي بأنَّ البنك المركزي كان يبيع الدولارات لتعويض إحدى حالات تهريب رأس المال، ربما بسبب إصابة أحد الأفراد الأثرياء أو البنوك أو الشركات بالذعر.

بهذا المُعدَّل، سينفد الاحتياطي الذي تمتلكه السعودية خلال ثلاثة أعوام فقط، ولكن إذا لم تضطر المملكة إلى الإنفاق من أجل دعم عُملتها، سيسمح لها الاحتياطي بأن تستمر أكثر من ذلك، مع وجود عجزٍ كبير. إن ميزانية الدولة أقوى قليلًا ممَّا كانت في التسعينيَّات، فقد سدَّدت كل ديونها المحلية تقريبًا. إذا ظلَّت تعاني من عجزٍ قَدْره 100 مليار دولار سنويًّا بينما تستمرّ في استنزاف الاحتياطي وإصدار سندات ديون محلية تصل قيمتها إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، فقد يستمر الأمر لعشر سنوات. كما يمكنها أن تسعى للحصول على دعم عملائها بالخارج، مثل الصين.

تُمثِّل عشر سنوات لتُجَّار النفط ووزراء المالية الغرب عُمرًا بأكمله، ولكنَّها مُجرَّد فترة هامة في نظر حُكَّام السعودية الذين تُعَدَّ الحياة السياسية عندهم عُمرًا بأكمله حقًّا. لقد أجروا بعض المحاولات لمعالجة الإنفاق، فقد تخلَّص سلمان من بعض المنشآت عديمة القيمة، بما في ذلك مجموعة من ملاعب كرة القدم الجديدة، ويُخطَّط لفرض ضريبةٍ جديدةٍ على الأراضي غير المُستَخدَمة، وهناك حديث حول فرض ضريبة القيمة المُضافَة، كما يُمكن زيادة تكاليف الحج إلى مكة الذي ينبغي على المسلم تأديته مرة في حياته. ولكن حتى إذا مرَّ كل ذلك، فإن الدولة مُلزمة بمستوى من الإنفاق لا يُمكنها تحمُّله على المدى المتوسط، إذا افترضنا بقاء النفط على سعره الحالي. ويزداد الاستهلاك المحلي للطاقة؛ الذي يصل حاليًا إلى حوالي رُبع الإنتاج، بسرعةٍ مخيفة مع النمو السُكَّاني (ويُتوقَّع أن يرتفع من 28 ميجا وات اليوم إلى 45 ميجا وات بحلول عام 2050)، ولكن يُخمِّن البعض احتمالية عدم وجود نفط للتصدير بحلول عام 2030.

الأولويات الحاسمة

بدأت الجهود المبذولة من أجل تنويع الاقتصاد في التسعينيَّات عندما دفع انهيارُ الأسعار وليَّ العهد آنذاك عبد الله لإعلان أنَّ «عهد الوفرة قد انقضى»، ولكن عندما تعافى سعر النفط تلاشت الجهود، ولم تُخلِّف سوى القليل من التقدُّم. تسيطر على القطاع الخاص صناعات تعتمد على الطاقة المدعومة مثل البتروكيماويات والألومنيوم. على الرغم من أنَّ الدولة تُنفِق الكثير على التعليم، إلَّا أنَّها تُوفِّر وظائف قليلة للغاية لشبابها؛ وخاصةً النساء، اللاتي تُشكِّلن ما يقل عن 20% من القوى العاملة. سيتطلَّب التعامل مع هذا الأمر مستوى من الالتزام تجاه إعادة الهيكلة الجذرية لم تُظهِره العائلة الملكية المُحافِظة الحَذِرة من قبل، لأنَّ التغيير سيشمل تخفيض بعضٍ من الدعم وتحوُّل موقف الدولة تجاه حقوق المرأة، سيزيد ذلك من التوتر السياسي الذي لا يرغب النظام في مواجهته، ولكن تجنُّب إعادة الهيكلة ونفاد المال قد يسبِّبان توترًا بنفس القدر.

لقد رأى السعوديُّون ما حدث في الربيع العربي في البلاد الأخرى، ولم يعجب ذلك الأغلبية الساحقة منهم. حتى أكثرهم تعرُّضًا للظلم؛ مثل الأقلية الشيعية المُضطَهَدَة في الشرق أو النشطاء الذين يُسجَنون لمجرَّد المُطالبة بالإصلاحات، يعتقدون أنَّ حالهم أفضل ممَّا لو كانوا يعيشون في سوريا أو ليبيا. لكن الشباب -المُتَّصلين بالعالم الخارجي وذوي الثقافة الواسعة المتزايدة- يُفضِّلون التمتُّع بالخدمات والإسكان في وطنهم على القيام بمغامرات في دولٍ أخرى، وحتى إذا لم يكونوا يتوقون إلى الديمقراطية الكاملة، إلَّا أنَّهم ما يزالون يريدون أن يكون لهم رأيًا.

لطالما كان المتدينون مصدر معظم الاضطرابات في المملكة وليس الليبراليون، ولكن حاجة العائلة المالكة لدعم الشيوخ جعلتها لا تفعل الكثير من أجل ترويض الأيديولوجية الوهَّابية، والتي يراها الكثيرون، ومن بينهم السُنَّة، تُشكِّل ركيزةً للجهاد العنيف. لقد أصبحت المُعتقدات داخل المملكة أكثر تنوُّعًا ممَّا كانت، ويزيد ادِّعاء غير ذلك من مُعدَّل فقدان عُلماء الإسلام لأتباعهم وشرعيتهم، ولكن يبدو أنَّ الملك سلمان يمنح العُلماء حُريةً أكبر، فيُقال إنَّه لا يحثهم على التنديد بالدولة الإسلامية كما كان يفعل الملك عبد الله. وقد عزل في يناير رئيس الشرطة الدينية الذي كان يبدو وكأنَّه يحاول تقليم أظافرها.

لكي يجعل الملك سلمان وورثته السعودية قائدًا جديرًا بالثقة، عليهم إصلاح اقتصادها، ومن حيث القوة الناعمة، سيكون من الأفضل إن كافحوا الشيوخ المُتطرِّفين أيضًا. كلا المهمتين هائلتان، وستُصعِّب الأولى من الثانية إذا أخذت الاضطرابات التي ستنتُج عن إعادة الهيكلة الاقتصادية شكلًا دينيًّا. كما قد ينتُج المزيد من التعقيدات عن طريقة توطيد الملك سلمان لحُكمه في الفرع الذي ينتمي إليه من العائلة المالكة.

يعي قصر آل سعود جيِّدًا أنَّ الصراع بين أفراده قد أسقط الدولة السعودية الثانية في مطلع القرن العشرين، ولكن لا يتوهَّم الكثيرون أنَّ أبناء عبد الله، أو بمعنى أصح إخوة محمد بن سلمان الأكبر سِنًّا، يطيرون فرحًا بطريقة إعادة ترتيب الخلافة. إذا بدأت الأمور في الفشل، ربما يجدونها فرصةً لإلغاء تلك التغييرات، كما أنَّه من الممكن أن يسقط وليّ العهد ونائبه، فينبغي على محمد بن سلمان أن يعي جيِّدًا أنَّ السابقة التي وضعها والده في التخلُّص من وليّ العهد قد تتكرَّر على نحوٍ يضره.

قد يظلّ السعوديون مبتهجين بوليِّ العهد الأمير الشاب قليلًا، وربما يُحقِّق طموحه للبلاد النفوذ الذي لطالما افتقرت إليه إذا وجَّهه بصورةٍ ملائمة. إذا أصبح ملكًا في أحد الأيام بعد عقودٍ، ربما يكون ذلك بسبب تغييره المملكة للأفضل، ولكن هذا التنبُّؤ ليس أكيدًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد