كشف الكاتب ديفيد كيرك باتريك في مقال له نشر في صحيفة نيويورك تايمز عن أن أميرًا سعوديًّا غير معروف من العائلة المالكة –بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود– قد دفع مبلغ 450 مليون دولار مقابل اقتناء لوحة الفنان الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي «سالفاتور موندي» الشهر الماضي، في أوج حملة اعتقالات شرسة طالت عشرات الأمراء ورجال الأعمال في السعودية بزعم محاربة الفساد.

وتوضِّح الصحيفة أن هذا الكشف المثير –وفقًا لمستندات تقول الصحيفة إنها اطلعت عليها– يربط أحد أسرار العالم الفني مع ما يشهده قصر الحكم في المملكة من أحداث تهز المنطقة. ويأتي إقدام الأمير بدر على شراء اللوحة المثيرة للجدل في الوقت الذي يتعرض فيه كثير من أعضاء النخبة السعودية، بمن فيهم أعضاء في العائلة المالكة، إلى حملة قمع واسعة النطاق ضد الفساد والإثراء الذاتي.

لوحة سالفاتور موندي التي بيعت بـ450 مليون دولار

أكدت الصحيفة أن الأمير بدر هو صديق ولي العهد محمد بن سلمان البالغ من العمر 32 عامًا الذي شن حملة التطهير المزعومة. وهذا هو أوضح مؤشر حتى الآن على الطابع الانتقائي للحملة، كما تنوه الصحيفة، وليس مثلما يزعم مؤيدو ولي العهد أنها خطوات إصلاحية. إن حملة الاعتقالات التي جرت خارج نطاق القضاء لم يسبق لها مثيل في تاريخ السعودية الحديث؛ مما أثار قلق الحكومات الغربية بشأن الاستقرار السياسي في أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، واستجلب انتقادات المدافعين عن حقوق الإنسان حول سيادة القانون، وأثار فزع المستثمرين في أسواق الطاقة.

تأتي حملة الأمير محمد بن سلمان لتواكب عقودًا من الجهود التي بذلها الحكام السعوديون السابقون لبناء الولاء والتوافق داخل الأسرة المالكة –تضيف الصحيفة– وحتى قبل كشف أحد المقرّبين من الأمير عن شراء اللوحة، فإن إسراف ابن سلمان قد أثار العجب مسبقًا، لا سيما مع شرائه قبل عامين يختًا مقابل نصف مليار دولار أيضًا.

قال ناطق باسم دار المزاد التي باعت اللوحة، إن الدار لا تعلِّق على هويات أي مشترين أو بائعين دون إذن منهم. ولم يرد الأمير بدر على طلب التعليق، ولكن مع إلحاح الصحيفة للحصول على رد، كتب فرع اللوفر الذي افتُتح حديثًا في أبوظبي على حساب تويتر أن اللوحة «ستُعرض في اللوفر أبوظبي». وجدير بالذكر أن ولي العهد السعودي حليفٌ وثيق للإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضًا: كيف وظَّفت الإمارات أموالها من أجل شراء التاريخ للعرض في «اللوفر أبوظبي»؟

تكشف الوثائق التي اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» أن الأمير بدر لم يتقدَّم بعرض الشراء حتى قبل يوم البيع. كانت هويته مجهولة لدرجة أن المديرين التنفيذيين في دار المزاد كابدوا المشقة من أجل إثبات هويته وذمته المالية. وحتى بعد تقديمه مبلغ 100 مليون دولار لدخول المزاد، طرح محامي الدار سؤالين رئيسيَّين على الأمير: من أين حصل على المال؟ وما هي علاقته بالحاكم السعودي الملك سلمان؟ اكتفى الأمير بالقول إنه أحد أفراد العائلة المالكة، وفقًا للوثائق والأشخاص المعنيين.

الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود

ولكن قبل أقل من أسبوعين –تستدرك الصحيفة– كان ولي العهد قد شنّ حملة على أكثر من 200 من أغنى الأمراء السعوديين ورجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين. تواجه المملكة أزمة اقتصادية منذ سنوات بسبب انهيار أسعار النفط، وأراد بن سلمان استعادة مئات المليارات من الدولارات من المكاسب غير المشروعة المزعومة.

تعتبر لوحة «سالفاتور موندي» قيمة كبيرة في عالم الفن، وموضوعًا مثيرًا للجدل. لكن بعض الخبراء شككوا في أن يكون ليوناردو دافنشي هو صاحب اللوحة. كانت اللوحة في حوزة الملياردير الروسي ديمتري إي. ريبولوفليف الذي اشترى منزلاً من دونالد ترامب قبل عقد من الزمان بحوالي 95 مليون دولار. وكان السيد ريبولوفليف قد دفع 127.5 مليون دولار لشراء اللوحة في عام 2013.

تقول الصحيفة إن قيام أمير سعودي بدفع هذا المبلغ غير المسبوق في لوحة تجس~Aد المسيح ربما يثير حساسيات دينية في المملكة. لا يعترف المسلمون بأن يسوع ابن الله بل نبيّ. ومعظم المسلمين – وخاصة رجال الدين في المملكة – يحرّمون التجسيد الفني لأي من الأنبياء.

لا يعتبر الأمير بدر أحد الأمراء الرئيسيين في العائلة المالكة، فهو يأتي من جناح آل فرحان، الذين ينحدرون من شقيق الحاكم السعودي في القرن الثامن عشر. ولا يصل نسبهم إلى مؤسس المملكة الحديثة الملك عبد العزيز بن سعود. لكنّ الأمير بدر صديق لولي العهد. وقد التحقا معًا بجامعة الملك سعود بالرياض. وبعد أن تولَّى الملك سلمان العرش في عام 2015، وأوكل إدارة الدولة لابنه محمد، عيَّن الأخير الأمير بدر في مناصب رفيعة المستوى، بما في ذلك منصبًا مرتبطًا ارتباطًا وثيقا بالأسرة.

كان جناح آل سلمان من العائلة المالكة يسيطر تقليديًا على المجموعة السعودية للبحوث والتسويق، التي تُصدر صحيفة الشرق الأوسط العربية وغيرها من المطبوعات. ولكن بعد ما يقرب من 30 عامًا من تمرير رئاسة المجموعة من فرد في هذا الجناح إلى آخر، وُضع الأمير بدر في هذا المنصب.

وفي يوليو «تموز» – يواصل كاتب التقرير – عُين الأمير بدر مديرًا للجنة أنشئت حديثًا بقيادة بان سلمان لتطوير محافظة العلا التي تحتوي على موقع أثري يأمل ولي العهد أن يتحول إلى مقصد سياحي. وأشار بيان حكومي إلى أن تطوير المحافظة مهم لخطط ولي العهد للمملكة، والمعروفة برؤية 2030، وذكرت قناة العربية السعودية أن الأمير محمد كان قد التقط صورًا مع السكان المحليين بينما كان يقوم بجولة في الصحراء على عربات الدفع الرباعي.

كما استلم الأمير بدر منصب رئيس مجلس إدارة شركة إنيرجي هولدينجز إنترناشونال وفقًا لموقعها على شبكة الإنترنت، وقد وصفه الموقع بأنه «أحد أصغر رواد الأعمال في السعودية». ووفقًا للسيرة الذاتية المنشورة على الموقع، فهو أيضًا رئيس اللجنة التأسيسية لإئتلاف محلي حصل على ترخيص لبناء شبكة الألياف البصرية، في «شراكة استراتيجية» مع شركة فيرايزون. ومن الشائع أن يستفيد الأمراء السعوديون ذوو النفوذ من دخول الشركات الدولية إلى المملكة.

كما أن الأمير بدر أحد مؤسسي شركة كبيرة لإعادة تدوير النفايات في المملكة. أما بالنسبة إلى العقارات – ينوه التقرير – التي قال الأمير لمؤسسة المزاد أنها مصدر أمواله، تشير السيرة الذاتية إلى أنه «نشط أيضًا في مشاريع عقارية في المملكة ودبي وباقي دول الشرق الأوسط على مدى خمس سنوات» بما في ذلك في شراكة مع «شركات ذات سمعة طيبة».

تعاون الأميران معًا في مشروع خاص بأحدهما، وتواصلا مع شركة برنت طومسون المعمارية، ومقرها لوس أنجلوس، لتصميم مجمع منتجع ضخم بالقرب من جدة، وفقًا لوصف المشروع على موقع المجموعة. يتكون المنتجع من سبعة قصور لأمراء من آل سلمان، التي تحيط بهيكل على شكل زهرة. «شكلت البتلات سلسلة من الخلجان الخاصة، كل منها هي قصر قائم بذاته، له شواطئه الخاصة، ودار ضيافة وحدائق ومرافق الرياضات المائية»، وفقًا للوصف على موقع الشركة.

كان أليكس روتر، الرئيس المشارك لفن ما بعد الحرب والفن المعاصر في دار المزاد وكيلاً عن الأمير بدر في المزاد – يضيف تقرير الصحيفة – الذي تابعه عبر الهاتف. وكان ما لا يقل عن ثلاثة من مقدمي العروض المجهولين الآخرين يتنافسون عبر الهاتف من خلال ممثلين في قاعة المزاد. وقد تجمَّع كبار التجار وجامعي التحف من مختلف أنحاء العالم للمشاهدة.

بدأ المزاد بعطاء قدره 100 مليون دولار من جامع غير معروف. سرعان ما انهالت العطاءات، ليصل ثمن اللوحة على الفور إلى 225 مليون دولار، متجاوزة بذلك الرقم القياسي السابق لبيع أي لوحة في مزاد علني، الذي بلغ 179.4 مليون دولار في لوحة «نساء الجزائر» من إبداع بيكاسو في نفس الدار في عام 2015.

وخلال أقل من دقيقتين بعد بدء المزاد – يقول التقرير – وصل سعر اللوحة إلى 260 مليون دولار، وحينئذٍ لم يكن قد تبقى سوى اثنان من مقدمي العروض المجهولين هما الأمير بدر، وشخص آخر يمثله فرانسوا دي بورتير، متعهِّد اللوحات الرئيسية القديمة في الدار.

خفتت حدة المنافسة على اللوحة. ولكن بعد أن وصلت العطاءات إلى 330 مليون دولار، بدأ الأمير بدر برفع السعر على نحو متزايد. تعجب الحضور في قاعة المزاد بشدة عندما وصل العطاء إلى 350 مليون دولار. قال مدير المزاد «من فضلك فرانسوا، أبحث عن عرض آخر، عند 350 مليون دولار»، فضحك الحاضرون من جرأته.

استمرت العطاءات لمدة ثلث الساعة، حتى رمى الأمير بدر 30 مليون دولار دفعة واحدة، ليصل سعر اللوحة إلى 400 مليون دولار. وبلغ السعر النهائي 450 مليون دولار تشمل رسومًا إضافية يدفعها المشتري. كان الأمير قد تعهَّد بسداد المبلغ دفعة واحدة عند الانتهاء من البيع. ولكن في ضوء ارتفاع سعر البيع بشكلٍ غير متوقع، وُقع عقد للسداد على ستة أقساط شهرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد