على الرغم من كل ما عرفه المحققون حول الهجوم الإرهابي الذي وقع في سان برناردينو، ثمة لغز بلا حل: كيف تمكن كل من سيد رضوان فاروق وزوجته تاشفين مالك، وهما زوجان لديهما طفل رضيع، ووالده الذي عرف عنه أنه شخص هادئ، من الحفاظ على التخفي كإرهابيين؟ كيف تمكنوا من خداع الجميع؟

 

في تاريخ الإرهاب، الكليشيهات الشائعة حول المهاجمين، بأنهم جيران هادئون وزملاء عمل صامتون وآخر من تتوقع علاقتهم بالإرهاب، غالبًا ما تكون حقيقية. في مايو، هاجم رجل يدعى نادر الصوفي مسابقة رسم كاريكاتوري للنبي محمد في ولاية تكساس، كان لديه ابن يبلغ من العمر تسع سنوات، ولديه متجر لتنظيف السجاد، وتبدو حياته عادية. “لقد أحب قضاء الوقت مع ابنه” تقول والدة المسلح، شارون صوفي للصحافة. “لا زلت لا أصدق قيامه بذلك النوع من الأفعال، وعلى الأرجح لن أصدق”. بعد فتح سيف الدين رزقي النار على منتجع شاطئي في تونس في يونيو، وصفته والدته بأنه لا يقوَى نفسيًا على ارتكاب الجرائم المتهم بها. “ذات مرة كان هناك فأر في المنزل وسألت سيف الدين قتله فرفض قائلا: “لا يمكنني أن أقتل أي شيء”.  وعندما يشترك زوجان، كما هو الحال في هجمات سان برناردينو؛ في مثل تلك الهجمات فإنه من الصعب معرفة من كان القائد ومن كان التابع، وما الذي أخفوه عن بعضهما البعض. وبعدما قتل جيرمين ليندسي وثلاثة انتحاريين آخرين ستة وخمسين شخصًا في لندن، قالت زوجته البريطانية، سامانثا ليوثويت، في عام 2005 في البداية للصحفيين أنها “شعرت بالفزع من هول الجريمة و”أنها تمقت” دور زوجها في ذلك. ولكن في نهاية المطاف قامت ليوثويت، وهي أم لثلاثة أطفال؛ بالاختفاء، وهي متهمة منذ ذلك الحين بالتآمر لشن هجمات سوق ويست جيت في نيروبي، مما يجعلها واحدة من أكثر الإرهابيين المطلوبين المشتبه بهم في العالم.

 

يبقى سر الحياة المزدوجة لغزًا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن المتطرفين نادرًا ما يعثر عليهم بعد وقوع الهجمات لشرح آليات الخداع التي يتبعونها. ولكن، من خلال تناول المسألة من زاوية مختلفة قليلا، سلط باحثان في علم النفس الضوء على كيفية تمكن المتطرفين من إخفاء ميولهم عن الأقارب وزملاء العمل. على مدى عشر سنوات تقريبًا، قام بيت سيمي، من جامعة نبراسكا في أوماها، وروبرت فوتريل، من جامعة نيفادا في لاس فيغاس، قاما بإجراء مقابلات مع تسعة وثمانين من العنصريين البيض، وذلك بهدف فهم ما سماه الباحثان “إستراتيجيات التخفي والظهور المحسوبة”.

 

قاما بملاحظة الأنماط. ففي كثير من الحالات، لا يفهم المتعصبون حديثًا مستوى الاستياء ويخشون من أن آراءهم الجديدة سوف تنمو. وفي بعض الأحيان، يحاولون تفسير نظرتهم المختلفة إلى العالم للآباء والأصدقاء ليكتشفوا، على حد تعبير أحدهم؛ أنه “عندما كشفت لهم عن معتقداتي اهتاجوا واتهموني بالنازية والعنصرية”. لذلك، فإنهم يتعلمون إخفاء الوشم عن أرباب العمل، والاستماع إلى الموسيقى التي تمجد العرق الأبيض عبر سماعات الرأس في العمل، باعتباره شكلا من أشكال التمرد الخاص؛ وتجنب التجمعات العائلية، وتجنب إثارة الناس الذين يصفهم الأصدقاء الجدد بأنهم “طبيعيون”، قال ماك، وهو عضو في الجبهة الآرية، “فلسفتي مع الأسرة هي تجنب الوعظ بأقصى قدر ممكن. أخبئ أشيائي التي تمجد البيض”. يتذكر ناشط منهم سماه الباحثان تشارلي، “وأخيرًا لم أكترث لهم واشتريت علم الصليب المعقوف وقد كرهوا ذلك. لذا أحفظ الأعلام في غرفتي في علبة مع بعض الأشياء الأخرى وبهذه الطريقة لا يسبب الأمر أي مشاكل”.

 

كان أحد الأعمال الوحشية التي شهدتها هجمات سان برناردينو هو أن فاروق وزوجته اعتديا على زملائه في إدارة الصحة العامة في المقاطعة، وكثير منهم كان يعرفه منذ سنوات. وقد أقاموا له حفلًا بمناسبة ولادة ابنه. وفي يوم الهجوم، كان قد أمضى الصباح معهم. ليس واضحًا منذ متى كان يعيش متخفيًا، ويقوم بتقديم صورة على خلاف الحقيقة. أوضح ريتشارد، وهو قومي آري من الذين قابلهم سيمي وفوتريل؛ أن عيش حياة الخداع حصّن إحساسه بالظلم والضحية: “أعلم أنني سأصبح عاطلًا عن العمل إذا ما علم زملائي بأنني عنصري أبيض”.

 

في بحثهم المعنون بـ”تحقيق حول وصمة العار التي تلحق بالناشط المدافع عن سمو العرق الأبيض”، الذي نشر في مجلة المشكلات الاجتماعية، في عام 2009، نقل كل من سيمي وفوتريل عن عنصري أبيض يسكن في جنوب كاليفورنيا، والذي أخفى عنصريته لكسب العيش؛ قوله “إن حلم وجود وطن للعرق الأبيض لن يتحقق بين عشية وضحاها. علينا أن نتعامل مع ما هو أمامنا. بالنسبة لكثير من القوميين البيض الذين يحتقرون السود في العمل، والمديرين اليهود، سم ما شئت… إذا كنت ستصبح عنصريًا عليك أن تعرف من أنت في عقلك، وما الذي تؤمن به، ولكن هذا لا يعني أنك لا تستطيع في نفس الوقت أن تعيش في العالم وتتعامل معه”.

 

على هامش العنصرية الأميركية، هناك انقسام: بعض النشطاء يحلقون رؤوسهم ويحيون بعضهم البعض بتحية هتلر. وآخرون يتشاركون معتقدات مشابهة ولكن اختاروا إخفاء هوياتهم. وبقدر ما تبدو مروعة، فإن الحياة الخفية تعطي إحساسًا بالخطر يمكن أن يكون من الصعب فهمه. تيري، عضو في حركة النازيون الأمريكية، وصف لسيمي وفوتريل الطريقة التي يتعامل بها مع التنوع العرقي في مكان عمل زوجته. “إنها تعمل مع اثنتين من الفتيات السود. ليستا صديقتيها، إذا جاز التعبير، لكنهما مقربتان جدًا منها، مثل الجميع”. يقول “إن العمال السود هم شركاء العمل الذين ستضطر للتحدث إليهم وألا تتحلى بالوقاحة أبدًا معهم. لكنني أساعدها على فهم أنه في زمن الحرب، سنقطع رؤوسهم”.

 

إن الحد الذي يصل إليه الناس لإخفاء الأفكار البشعة، والإحساس المتزامن بأننا لا نعرف أولئك الذين يعيشون بيننا، هو ظاهرة مثيرة للغضب. بل قد يخضع أيضًا للتلاعب السياسي. والمتعصب الذي يبحث عن المنطق يمكن أن يفسر شكوكه من الجيران المسلمين وزملاء العمل من خلال تخيل عالم خفي. (تقوض الإحصاءات هذه الشبهات: ففي السنوات التي تلت هجمات سبتمبر، هوجم الأميركيون من قبل إرهابيين محليين يمينيين ضعف عدد مرات الهجمات التي تعرضوا لها من جانب الإرهابيين الإسلاميين). لا نقوم بدراسة آلية الجريمة للقضاء على الهلع الذي يتملكنا ولكن، بدلًا من ذلك، لنزع فتيله وربط حبل خيالنا بالحقائق. وللحفاظ على سلامتنا حقًا، علينا أن نعترف أن بعضًا من أسوأ الأشخاص يختبئون على مرأى من الجميع، ولكن علينا أيضًا التعرف على الفرق بين المتخفي وغير المألوف. من المريح أن نفترض أن هذا الأخير يمثل تهديدًا. ولكن هذا سيكون خطأ.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد