652

حوّل النمو الحضري على كوكب الأرض هذه المادة البسيطة إلى سلعة نادرة، والتقرير الذي نشرته صحيفة الباييس يلقي الضوء على أبعاد الآثار البيئية المدمرة التي تنتج من الاستغلال المفرط للرمال.

الغوص في أحد أكبر الشعاب المرجانية في المياه النقية لجزر جيلي. أو جولة على شواطئ الرمال البيضاء اللانهائية في لومبوك. أو الاستسلام للسحر الفاتن لبالي، والاستمتاع بمعابد جافا وبراكينها. واكتشاف القرود في أدغال بورنيو. والاندهاش برؤية التنين في كومودو. هي أحد الأشياء الرائعة في إندونيسيا، أرض الأحلام التي تضم 17500 جزيرة. هذه الجنة يحدق بها الخطر؛ لأنها تغرق ببطء.

Embed from Getty Images

ما السبب؟ النشاط السري للصوص الرمال، الذين يقتربون ليلًا من السواحل لسرقتها وبيعها في السوق السوداء. في بدايات الألفية وصلت تجارة الرمال غير المشروعة في إندونيسيا لوضع من الخطورة بحيث بدأت البلد في فقدان الأرض. واليوم اختفت 25 جزيرة بشواطئها.

الرمال في كل ما يحيط بنا

الرمال هي المورد الطبيعي الأكثر طلبًا اليوم، بعد الماء والوقود الحيوي. وتحولت إلى سلعة ثمينة جدًا وأساسية بالنسبة للحضارات الحديثة. يقول باسكال بيدوزي مدير وحدة التغير العالمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومؤلف تقرير الرمال، إنها أكثر ندرة مما تعتقد (2014) «مجتمعنا مكوّن حرفيًّا من الرمال».

كل ما يحيط بنا يحتوي على الرمال: الأسمنت والزجاج والأسفلت والأجهزة الإلكترونية، وحتى البلاستيك ومستحضرات التجميل ومعجون الأسنان تحتوي على هذا العنصر. لكن استخدامه الأساسي يكون في مجال البناء، والذي يستهلك ربع رمال الكوكب. نظرًا إلى وجوده على نطاق واسع في الشواطئ، فهو يتماسك بشكل أفضل في صناعة الأسمنت؛ ومن هنا فإن الطفرة العقارية تلتهم كميات ضخمة من هذا المورد. وضعف التنظيم في العديد من الدول يشجع وجود شبكات المافيا.

 الرمال الساحلية هي المثالية لعمليات البناء– مصدر الصورة

وفقًا لتقرير الأمم المتحدة فإن 54% من سكان العالم يعيشون في مناطق حضرية، والمتوقع أن تصل النسبة إلى 66% بحلول عام 2050، وستكون الزيادة الأكبر في الهند والصين. وهذا النمو الحضري يتطلب كميات هائلة من الرمال لتختلط بالأسمنت، يحتاج بيت ذو مساحة متوسطة إلى 200 طن، ويحتاج مستشفى إلى 3 آلاف طن، ويحتاج كيلومتر واحد من الطرق السريعة إلى 30 ألف طن. في كل عام تستخرج 59 ألف مليون طن من المواد حول العالم. ويقول باسكال بيدوزي إن ما يصل إلى 85٪ منها هو رمال للبناء.

كل شيء من حولنا يحتوي على الرمل: الأسمنت والزجاج والأسفلت وحتى البلاستيك.

تكمن المشكلة في أن تكوين الرمال عملية طبيعية بطيئة يتطلب حدوثها سنوات، بينما الطلب يرتفع بقدر أكبر من عملية التجدد هذه وقدرة الطبيعة نفسها على الإمداد، يوضح نيك ماينين من المكتب الأوروبي لشؤون البيئة: «على المستوى العالمي فإننا نستهلك ضعف كمية الرمال التي يمكن للأنهار حملها، ولهذا علينا البحث عنها في أماكن أخرى»، ويضيف: «الآن يمكن تجريف الأنهار وبنسبة أقل قاع البحر أيضًا، لكن التقديرات تشير إلى أن ما بين 75% و 90% من شواطئ العالم تتقلص».

كائنات وأراضٍ مهددة

العواقب البيئية لا يمكن إصلاحها: تدمير الموائل البحرية، وتآكل أعماق البحار، وزيادة المواد المعلّقة، وزيادة التعرية… ومع استمرار المعدل السريع لاستخراج الرمال، فإن الأجيال القادمة ستجد نفسها في بيئة طبيعية قمرية، شواطئ صخرية، وأمواج محمومة، وأنهار ومستنقعات جافة، وأراضٍ قاحلة، وانقراض النباتات والحيوانات. تقول أورورا تورريس، الباحثة في المركز الألماني للبحث المتكامل للتنوع البيولوجي: «كل هذه التغييرات البيئية تضع النظم البيئية في الأنهار والدلتا والمناطق الساحلية في خطر، ومن هنا فإن هناك طائفة عريضة من الكائنات المهددة بداية من القشريات الصغيرة، وحتى الدلافين والتماسيح النهرية»، وتحذر: «لسنا واعين بالآثار المتعاقبة التي سيحدثها هذا التدهور على رفاهيتنا»، وقد ارتبط الاستغلال المفرط للرمال بزيادة الجفاف والفيضانات، والتعرض للعواصف والتسونامي، أو انتشار الأمراض المعدية مثل الملاريا. كما يمكن أن يؤدي إلى ترحيل سكان المناطق الأكثر تأثرًا، وتحويلهم إلى لاجئين بيئيين.

ليس عليك السفر إلى إندونيسيا لتقف على آثار حركة مرور الرمال. لقد امتدت التجارة في توسعها إلى المغرب. حيث يحمل العمّال بجرافات بسيطة الرمال على ظهور الحمير ويلقونها في شاحنات النقل. بين مدينتي آسفي والصويرة غرب البلاد حوّل هذا التهريب الشاطئ الذهبي إلى منظر صخري، ويتم الحصول على الرمال من الصحراء رغم أنها ليست مثالية كما الحال في رمال الشواطئ، لكن التمدد الحضري في حاجة ماسة اليوم إلى هذا المورد المحدود.

جزر الكناري واحدة من الوجهات الرئيسية للإسبان لاستخراج الرمال، وفقًا لمنظمة مراقبة الثروات بالصحراء الغربية ، التي قضت سنوات في البحث عن الموارد التي تخرج من باب العيون عبر إسبانيا لتجديد الشواطئ وإنشاء المباني. تقول كريستينا مارتينيث، المتحدثة باسم المنظمة: «جزر الكناري تستورد الرمال الصحراوية وشاطئ تريستاس مثال معروف».

تقر وزارة الزراعة والثروة السمكية والأغذية والبيئة في إسبانيا بأن رمال الشواطئ مورد نادر للغاية، ويقول المتحدث باسم الوزارة: «قانون السواحل لعام 1988 وضع سلسلة من الإجراءات للحد من استخراج المواد الصخرية الطبيعية من الأجزاء النهائية من قنوات الأنهار، ويحظر تمامًا استخراج الرمال من أجل البناء»، البند الثاني من المادة 63 يمنع استخراج الركام للبناء، باستثناء ما يُستخدم في تجديد وإنشاء الشواطئ. وتضيف وزارة التنمية أن الاتجاه الإسباني العام هو «استخدام الرمال المسحوقة، وهي التي ننتجها من خلال التكسير، أو سحق مواد المحاجر».

مافيا تجارة الرمال

تجارة الرمال مربحة جدًا بحيث تحولت إلى ظاهرة عالمية، تتوسع بسرعة التوسع الحضاري نفسها. منذ حوالي ربع قرن كانت مادة رخيصة ومتوفرة، وهي اليوم مورد نادر. يصعب التحكم في استخراجه؛ لأنها في متناول الجميع. بالرغم من تزايد القوانين التي تنظم استخراجها، لكنها حتى الآن غير كافية، وفقًا للباحثة أورورا تورريس «في حالات كثيرة لا تكون المشكلة في غياب القوانين، لكن في عدم تطبيقها».

هذا التطبيق المتراخي للقانون يخلق وضعًا مثاليًّا لظهور جماعات منظمة تتحكم في حركة التجارة. في الهند –بشكل خاص- تملك هذه المافيا قوة؛ لأن لديها علاقات مع الإدارة، ويمكنها الوصول إلى عمليات التعاقد، ويتم تنظيم البيع والشراء على مستوى المقاطعات لكن الحكومة المركزية لا تشدد على تنفيذ القانون، وهناك فساد واضح، تقول سوميرة عبد العلي، وهي صديقة للبيئة وأحد الأصوات الرئيسية في بلادها: «السياسيون –غالبًا– متورطون، ويتحكمون بشكل مباشر في التجارة غير المشروعة للرمال»، وتضيف: «يعتقد المسؤولون أن وضع قيود على هذه التجارة من شأنه إبطاء خطط التنمية الطموحة في الهند»، البلد يستخرج كل عام 500 مليون طن من الرمال، يغذي بها صناعة تحرك 42 ألف مليون يورو. ويعمل في شبكات استخراج الرمال غالبًا أشخاص يعيشون في ظروف بالغة السوء دون معدات، يغوصون في أعماق الأنهار بدلو معدني.

استخراج الرمال في المغرب– مصدر الصورة 

يُستخرج من بحيرة بويانغ في الصين 236 مليون متر مكعب من الرمال سنويًّا.

مثل الهند، فإن الدول التي تشهد هذه الفترة توسعًا حضاريًّا وازدهارًا غير مسبوق ليست على استعداد لوقف هذه التجارة المربحة. ونظرًا إلى أن الرمال آخذة في الارتفاع ارتفاعًا متزايدًا، فهي تبقى أرضًا خصبة للتهريب الذي ينمو في مناطق أخرى من العالم. وكلما زاد استغلال هذا المورد زيادة مفرطة، زادت سرعة التأثيرات البيئية والتأثير في المستوى الاقتصادي العالمي.

الصين تتوسع أكثر

تستخدم الصين 57% من الأسمنت في العالم، وهي إلى جانب ذلك المنتج الرئيسي له في العالم. بكل ما تستخدمه الصين سنويًّا يمكن بناء سور بعرض 27 مترًا وارتفاع 27 مترًا حول العالم، وفقًا لباسكال بيدوزي. ومعظم الرمال التي تستخدمها تُستخرج من بحيرة بويانغ، أحد أكبر مخزونات الماء العذب، وهي اليوم أكبر منجم للرمال في العالم، وفقًا للباحثين في هارفارد. تُستخرج من هذه البحيرة كل عام 236 مليون متر مكعب من الرمال، والآثار البيئية مدمرة.

لا يتعلق الأمر فقط بتغطية الاحتياجات العقارية لسكانها فقط، فمنذ عام 2014 أنشأت الصين ست جزر صناعية في أرخبيل سبراتلي في جنوب المحيط الهادي، والتي تتنازع عليها مع تايوان وفيتنام. الضرر الذي يلحق بالنظام البيئي البحري لا يمكن إصلاحه. إحدى النتائج الرئيسية التي تشغل البيئيين هي تدمير الحواجز المرجانية في هذه المنطقة التي تستخدم لتكون أساسًا للبناء في الأرض الجديدة. جيرانها: فيتنام، وماليزيا، والفلبين، وتايوان أيضًا وسعت أراضيها في هذا الأرخبيل لكن أعمالها لم تكن بحجم ولا بسرعة ما قامت به الصين.

مع ذلك، فبين البلدان التي تقوم بزيادة أراضيها بطريقة صناعية نجد سنغافورة، والتي تعتبر إلى جانب ذلك المستورد الأكبر للرمال في العالم (للفرد الواحد). في الأربعين عامًا الأخيرة نمت 130 كيلومترًا من محيط أراضيها (20%) مستخدمة 637 مليون طن من الرمال. ولا يزال أمامها توسع يصل إلى 100 كيلومتر بحلول عام 2030. الموردون الرئيسيون هم الدول المجاورة: الفلبين وفيتنام وميانمار (بورما سابقًا) وكمبوديا، لكنها بدأت تكتشف كيف يُفقدها ذلك من الاحتياطي النادر؛ لذلك أوقفت التصدير ما أدى إلى ارتفاع السعر بنسبة 200%.

كانت إندونيسيا هي أول من قامت بذلك، لدى ملاحظة أغلب جزرها تغرق وتختفي، في عام 2007 قررت إيقاف كل تجارتها في الرمال، وخاصة سنغافورة موردها الرئيسي. وهو قرار كلفها أزمة سياسية مع جارتها حول الخطوط الدقيقة لحدودها وحق استخدام مواردها.

تجددت عدة شواطئ في جزر الكناري باستخدام رمال من الخارج.

في صيف عام 2017، أعلنت الحكومة الفيتنامية أن معدل الطلب إذا ما استمر على هذا النحو فسنكون بلا رمال عام 2020. وفي الوقت نفسه أعلنت وزارة التعدين والطاقة في كمبوديا أنها كانت توقف كل عمليات التصدير إلى سنغافورة، والتي اشترت وفقًا لبيانات الأمم المتحدة أكثر من 72 مليون طن، أي ما يساوي 642 مليون يورو. لكن خبراء كثيرين يشككون في أن الموقف قد تغير، يقول جورج بودين زعيم منظمة جلوبال ويتنس (Global Witness): «كمبوديا تحت سيطرة لصوص ينهبون الموارد الطبيعية على حساب البيئة».

الإمارات بين أكبر المستوردين

الإمارات العربية المتحدة هي أحد أكبر المستوردين الآخرين للرمال، رغم إحاطة الصحراء بها. نتيجة لتعرية الرياح فإن هذه الرمال ليست الأكثر ملائمة للخلط بالأسمنت؛ لأن جودتها منخفضة. في العقود الأخيرة استوردت الإمارات من أستراليا كميات هائلة من الرمال لبناء العديد من المجمعات والمباني. برج خليفة وحده –الأكثر ارتفاعًا في العالم إذ بلغ 828 مترًا- احتاج إلى 110 آلاف طن من الأسمنت. وجزر النخيل -وهو مشروع لم ينته بعد، ويتكون من ثلاث مجموعات من الجزر ستزيد من مساحة الساحل المحيط بشواطئ دبي حوالي 520 كيلومترًا- التهمت 385 مليون طن من الرمال، بتكلفة بلغت 10 آلاف مليون يورو.

جزر النخيل في الإمارات– مصدر الصورة

السوق تطلب، والطلب على الرمال آخذ في الارتفاع، والاستغلال المفرط والتجارة غير المشروعة في هذا المورد لن يوقفها شيء إذا لم يتعاون المجتمع الدولي، يرى بيدوزي أنه «يجب أن يزيد الحكام والقادة السياسيون من وعيهم بالأمر، ويبحثوا عن بدائل لاستخدام الرمال»، وهو يطالب بالقيام بذلك بشكل عاجل؛ لأن الوقت يجري في الاتجاه المعاكس.

في بلد يعيش على السياحة مثل إسبانيا، يمكن أن يتسبب تآكل الشواطئ في تدمير الاقتصاد. والأمر لا يحتاج فقط إلى قوانين محلية، فهي موجودة بالفعل، وإنما يتطلب وجود قوانين دولية تنظم استخراج الرمال، وتجبر دولًا مثل الهند والمغرب وكمبوديا على الامتثال لقواعد اللعبة للحفاظ على البيئة والاقتصاد أيضًا.

تعتبر سنغافورة أكبر مستورد في العالم وتمثل التجارة فيها 20% من الإجمالي العالمي.

يعترف بيدوزي قائلًا: «إن اعتمادنا على الرمال ضخم، ولن نتوقف عن استخدامها في المستقبل القريب»، لكن يمكن ترشيد استخدامها بوسائل مثل تجنب إنشاء البنى التحتية غير الضرورية، والتخطيط لأن تدوم المباني فترة أطول، وتحديث القائم منها، وتدرس العديد من الفرق البحثية في أنحاء العالم مواد بديلة للإنشاء مثل إعادة استخدام الحطام أو الزجاج، لكن حتى اليوم لا يوجد مورد يمكنه سد الطلب الهائل على هذا المورد النادر. يقول بيدوزي: «في المناطق التي ليس لديها نظام للتنمية قد يغطي إعادة تدوير مواد البناء الطلب فيها، لكن الدول التي تشهد نموًا حضريًّا متسارعًا لا يمكنها الاعتماد على إعادة التدوير إذ لن يسد الطلب»، فضلًا عن أن أسعار هذه المواد تكون أعلى، ويؤدي إنتاجها إلى توليد المزيد من الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

Embed from Getty Images

هناك الكثير من الأماكن والكائنات التي تهددها هذه التجارة

تقول سوميرة عبد العلي: «من الضروري جدًا وضع إطار دولي لتجنب الانتهاكات التي تتحملها دول بعينها»، وهذا يعني معرفة كميات الرمال التي تستخدم على المستوى المحلي والعالمي، فضلًا عن قدر الرمال الذي يمكن أن تتكون في العمليات الطبيعية، وتضيف: «يجب أن نعرف ما هي الاحتياطيات الموجودة، وكيفية الإشراف عليها لإنفاذ القانون».

إذا لم نفعل هذا فإن تنين كومودو والشعاب المرجانية والمناطق الشاسعة من الصحراء الكبرى في طريقها إلى أن تصبح ذكريات لا يمكن للأجيال القادمة أن تراها إلا في الصور الفوتوغرافية والأفلام الوثائقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك