السحر المحمول، الرفيق الأوفى. المهرب الأسمى من الواقع إلى الواقع، كثيرٌ ما قاله العظماء عن الكتاب، لكنّني أقتبس هنا ما قاله «ويليام ستايرون» «الكتاب العظيم يجب أن يترك لك الكثير من الخبرات، ويُشعرك بالإرهاق الخفيف مع نهايته. فأنت تعيش عدّة حيواتٍ أثناء القراءة».

ولأننا في حاجة إلى أن نرى العالم بعيون أخرى، تُقدّم لكم «مكتبة ساسة» لمحة عن كتاب جديد أو ورقة بحثية جديدة، وحياة جديدة نختبرها سويًا، من تلك التي لم تُترجم بعد إلى المكتبة العربية.

من الحنين إلى ألعاب جهاز NES القديم؛ سوبر ماريو، وجاكال وكونترا، إلى الانبهار بالتصميم المذهل للعبة The Order، إلى الحيرة التي تتركنا فيها «عقيدة الحشاشين» Assassin’s Creed التي تقدّم سردية تاريخية ودينية مختلفة تمامًا، إلى عوالم جريمة Grand Theft Auto، إلى مسابقات League of Legends العالمية التي يحضرها مئات الآلاف من جميع أنحاء العالم؛ ليشاهدوا من الفريق الذي سيستطيع انتزاع أرض المعركة من قبضة المنافس.

تطوّر صناعة ألعاب الفيديو كان مذهلًا في السنوات الأخيرة، ولا يزال. يتنبأ البعض بأن يتجاوز حجم الصناعة 100 مليار دولار هذا العام، وليس الأمر متعلقًا بالناحية الاقتصادية فقط. الألعاب تحوّلت لنشاط اجتماعي ضخمٍ يربط ربما الملايين من اللاعبين، ووسيلة من وسائل التعبير عن الهوية الثقافية، حتى لترقى في بعض الحالات إلى عمل فنّي متكامل. هذا النشاط الهائل يحمل في طيّاته، كأي نشاطٍ

بشري آخر، أبعادًا سيكولوجية متعلّقة بالسعي إلى الكمال والتقدير، والشعور بالإنجاز، وبواعث السلوك الجيد والسيئ، والتي يدرسها مصممو الألعاب في محاولة لخلق بيئة يُقبل عليها اللاعبون أكثر، بل يدرسها غيرهم لتطبيقها في مجالاتٍ حياتية أخرى.

هذا الأسبوع، أجرينا حوارًا مع د. «جيمي ماديجان»، الحاصل على الدكتوراة في علم النفس، ومؤلف كتاب «استقطاب اللاعبين» Getting Gamers، وأحد أوائل المدونين الذين اهتمّوا بالجانب السيكولوجي لألعاب الفيديو.

يفكّر الكثيرون في الألعاب الإلكترونية على أنّها مجرد وسائل للمرح. فكرة تأليف كتاب كاملٍ حولها قد يبدو لهم ضربًا من المبالغة. كيف أصبحت مهتمًا إلى هذا الحد بدراسة سيكولوجية الألعاب والكتابة عنها؟

إن لديّ خلفية في علم النفس، وقد لعبت ألعاب الفيدية طوال حياتي. كنت أقرأ في 2009 الكثير من الأشياء عن سيكولوجية اتخاذ القرار والاقتصاديات السلوكية، وظللت أفكّر؛ إنّ كثيرًا منها يفسر نجاح تصميمات معينة شائعة للألعاب، ولماذا يتصرف اللاعبون بهذه الطريقة. حينها لم يكن أحد يكتب وأو يتحدّث عن الموضوع بهذه الطريق. لذا قررت إنشاء موقع Psychologyofgames.com، كمشروح صغير على سبيل التسلية، ولأرى أين سيقود الأمر. اشتهر الموقع ونما جمهوره سريعًا، لذا استمررت في الأمر.

100 بالمائة تقريبًا من اللاعبين على شبكة الإنترنت تعرضوا للإهانة سواءً من منافسيهم أو زملاء الفريق. ما الذي يجعل الكثير من الناس العاديين اللطفاء يتحوّلون إلى أشخاص بغيضين في اللحظة التي يرتدون فيها عباءة اللاعب؟

في الكتاب أتحدّث كثيرًا عن حالة من «الإمّعية» Deindividualization؛ عندما نشعر أقل بأننا أفراد، وأكثر بأننا جزء من الحشد. نشعر بأن الآخرين لن يحاسبونا على ما قدّمت أيدينا، ونشعر بأننا أنفسنا لسنا عُرضة للمحاسبة؛ بسبب التوقّعات التي يتوقّعها منّا الناس. في هذه الحالة نولي اهتمامًا أكبر لما يفعله الآخرين من حولنا، ونستخدم هذه المعلومات في تحديد ما هو مقبول أو متوقّع.

هذا المقبول أو المتوقّع يمكن أن يكون جيدًا أو سيئًا؛ في العديد من السياقات التنافسية (مثل ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول أو الألعاب الرياضية) يُمكن أن يُخرج أسوأ ما فينا. لكن في حالاتٍ أخرى – مثل الألعاب التي تركز على التعاون والمساعدة – يمكن في الواقع أن تجعلنا نتصرف بشكلٍ أفضل.

شهد العالم مؤخرًا النجاح منقطع النظير للعبة «بوكيمون جو» على متجري App Store وGoogle Play. في فصل «أولئك الذين يصنعون»، تحدّثت عن الطرق التي يستخدم بها مطورو الألعاب دراستهم سيكولوجية اللاعبين لدفعهم إلى البدء في اللعبة والاستمرار في لعبها. هل هذا هو سبب نجاح «بوكيمون جو»؟

نعم، أعتقد أنّ «بوكيمون جو» تستخدم بضعة حيلٍ سيكولوجية شائعة الاستخدام. الأمر متعلّق بجمع واستكمال الأشياء، وهو ما نحب فعله. ما إن نبدأ مسيرتنا تجاه هدف (مثل استكمال مجموعة من البوكيمون أو أي شيء آخر) فإننا نشعر بالتزام أكبر وتزداد احتمالية أن نعمل تجاه ذلك الهدف. يمكن للألعاب أن تحرّك ذلك التأثير عن طريق بدء التجميع أو المسيرة كجزءٍ من المستوى التعليمي، أو أي جزءٍ آهر لا يمكن تفاديه من اللعبة. استكمال مجموعة يعطينا نفس القدر من الرضا والللذة التي يعطيها إيانا أي هدفٍ آخر في الحياة، خاصة إن كنا قد أضفينا عليها طابعًا ذاتيًا واستثمرنا فيها في الطريق.

تبني اللعبة أيضًا عاداتٍ عن طريق ربط نفسها بمسبّب محدد جدًا (الخروج للتمشية)، لذا لا يمضي كثيرٌ من الوقت حتى نخرج هواتفنا ونبحث عن البوكيمون بحكم العادة كلما خرجنا من المنزل لقضاء حاجة.

أخيرًا، فإن حقيقة أنّ الأمر يكون واضحًا جدًا عندما يلعب شخص آخر اللعبة في العلن قد ساعدت على تطبيع اللعبة. إننا نرى شيئًا طبيعيًا إلى الحد الذي نرى معه أشخاص آخرين يحبون أن نفعله. عندما ترى العشرات يمسكون هواتفهم بطريقة معينة وينقرون عليها بطريقة تُدرك معها أنّهم يلعبون اللعبة، حينها يُصبح الأمر طبيعيًا ومتوقعًا. وهو ما يزيل الحواجز السيكولوجية في وجه أن تلعبها أنت نفسك. (مثلًا، حاجز أنّها «لعبة للأطفال فقط»).

المؤمنون بنظرية المؤامرة يلقون رواجًا في الشرق الأوسط، دائمًا ما ينبّهون إلى قرآن يُنتهك في Resident Evil، أو إلى قتل العرب في Call of Duty. بغض النظر عن صحة أو خطأ هذه النظريات، هل يمكن فعلًا استخدام الألعاب لأغراض، مثل نشر الكراهية أو تزييف التاريخ؟

أفترض ذلك. لا أظن أن لدي الكثير لأقوله غير هذا، لكنني أشك أن الكثير من الألعاب تنتوي فعل هذا عن عمدٍ.

الجدل حول ألعاب الفيديو وعلاقتها بالعنف، لم يتوقّف منذ اختراعها تقريبًا. كيف يؤثّر اللعب على شخصية الانسان بشكلٍ عام؟ وهل هناك اختاف صارخ بين اللاعبين وغير اللاعبين؟

الإجابة الصريحة هو أننا لا نمتلك بحثًا حاسمًا بشأن هذا. الطريقة التي ندرس بها تأثيرات المواد العنيفة في ظروف المختبر بعيدة للغاية عن أنواع العنف والعدوانية في العالم الواقعي التي يهتم بها الناس. اتباع التعليمات في هذه التجارب لتشغيل ضوضاء مزعجة لشخصٍ ما أو إجباره على وضع يده في ماءٍ مثلج ليست مشابهة لقتال بالأيدي.

بالمثل، فإن القول بأن الألعاب العنيفة تجعلك تفكر في العنف والعدوانية بعيد للغاية من دفعك إلى التصرف وفقًا لما تفكر به عندما تكون هناك العديد من العوامل الأخرى التي تمنعك من القيام بذلك. بل وربّما لا يكون المحتوى العنيف هو المسئول. هناك بعض الأبحاث التي تظهر أن عوامل مثل شعورك بالضيق من لعبة يصعب التغلب عليها، ربما يكون هو ما يغضب الناس بشكلٍ مستقل عن المحتوى العنيف.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد