السحر المحمول، الرفيق الأوفى، المهرب الأسمى من الواقع إلى الواقع، كثيرٌ ما قاله العظماء عن الكتاب، لكنّني أقتبس هنا ما قاله «ويليام ستايرون» «الكتاب العظيم يجب أن يترك لك الكثير من الخبرات، ويُشعرك بالإرهاق الخفيف مع نهايته؛ فأنت تعيش عدّة حيواتٍ أثناء القراءة».

ولأننا في حاجة إلى أن نرى العالم بعيون أخرى، تُقدّم لكم «مكتبة ساسة» كل سبت لمحة عن كتاب جديد، أو ورقة بحثية جديدة، وحياة جديدة، نختبرها سويًا، من تلك التي لم تُترجم بعد إلى المكتبة العربية.

 

في ثمانينات القرن الماضي، قررت مجموعة من المسلمين البريطانيين – أغلبهم حديثُ عهدٍ بالإسلام – أن يُمارسوا حقّهم كمسلمين في «الهجرة إلى دار الإسلام». وقع اختيارهم، من بين عدّة دول ذات أغلبية مسلمة، على الإمارات، وارتحلوا إلى «أبو ظبي». التقوا هُناك بالقاضي الأعلى؛ ليعرضوا عليه طلبهم بالسماح لهم بالاستقرار في دار الإسلام، وترك دار الكفر. تعاطف القاضي معهم، وأخبرهم بأنه سيستشير السلطات المعنية، ويُبلغهم الرد. بعد أسبوع، التقى بهم والدموع في عينيه، وأبلغهم بأن السلطات رفضت مطلبهم؛ ليعودوا، مُحبطين، إلى بريطانيا مرة أخرى.

القصة منقولة عن كتاب الوزير العراقي السابق «علي علاوي»، بعنوان «أزمة الحضارة الإسلامية». اختارها «ماليس روثفن»، أستاذ الدراسات الإسلامية والأديان المقارنة؛ ليبدأ بها ورقته البحثية بعنوان «الإسلام والدولة». يتناول «روثفن» مفهوم «دار الإسلام» نفسه، وكيف يتعارض تصوّر الأمّة الإسلامية الذي تسعى حركات الإسلام السياسي إلى تطبيقه، مع الشكل الحديث للدولة.

 

«دار الإسلام» والدولة الحديثة

 

يقول «روثفن» إن قصة البريطانيين الذين رغبوا في الهجرة إلى الإمارات تُظهر بوضوح التعارض بين مفهوم «دار الإسلام» والدولة الحديثة. ولّت الأيام التي كان يُمكن فيها لرحالة مثل «ابن بطّوطة» التنقّل مع القوافل من «طنجة» إلى «الصين»؛ بنشأة اختراع الدولة القومية الحديثة، بأسوارها، وحراس حدودها، وجوازات سفرها، واحتكارها حق استخدام القوة. الدولة الحديثة يحقّ لها منع من تشاء من عبور حدودها، إلا إن تخلّت بالطبع عن هذا الحق طواعية، كما هو الحال بين دول الاتحاد الأوروبي؛ التي تسمح بانتقال مواطني الدول الأعضاء داخل حدود الاتحاد الأوروبي بحرية.

في كتابه، «الدولة المستحيلة»، يُعارض «وائل حلّاق»، الباحث المتخصص في تاريخ الفكر الإسلامي، رؤى الإسلاميين الساعين إلى فرض حكم شرعي إسلامي يقوم على أسس الدولة الحديثة؛ فالشريعة لم تُطبّق كدستور للدولة على مرّ التاريخ، بل كان القانون الذي يخضع له الجميع، حتّى الحُكام المسلمين أنفسهم، والذي يقوّض الكثير من سلطاتهم، ونفوذهم، بالمقارنة بالسلطات الممنوحة للحكومات الحديثة. لم يكُن الأمر كذلك دومًا من الناحية العملية بالطبع. عن رؤيته التي تنسجم مع رؤى المفكّر الإخواني «سيّد قطب»، يقول «حلاق»:

«بينما الدولة القومية هي المنتهى، لا تعرف سوى نفسها، وهي الأساس المطلق للسيادة، فإن الأمة الإسلامية وأفرادها وسيلة إلى غاية أكبر. يقتضي هذا ألّا تتمتع الأمة بالسيادة أو الحاكمية، وألّا تمتلك إرادة سياسية أو قانونية مستقلّة، إذ الحكم لله، ولله وحده».

يرى «حلاق» الدولة الحديثة كيانًا لا أخلاقيًا في الأساس، يزعم أنّه تأسس على المبادئ التنويرية، ومن ضمنها الحرية والعقلانية، لكنّه فشل في تحقيق العدالة الاجتماعية، والحيلولة دون التفكك المجتمعي. باختصار، هو نظام لا يتسق مع خُلق الشريعة الإسلامية؛ فالإسلام «لا يمكن أن يوجد بدون نظامٍ أخلاقي قانوني مرتكز على أساس ميتافيزيقي»، و«الدولة لا يمكن أن توجد بدون احتكار السيادة»، ولذا لا يمكن أن يلتقيا.

 

تجربة الإخوان المسلمين في مصر

ينقل «روثفن» عن «وائل حلاق» استغرابه رضوخ المفكّرين الإسلاميين الجدد لفكرة الدولة الحديثة، واعتبارها ظاهرة غير مرتبطة بوقت، مع أن المسلمين لم يتعرضوا لديكتاتورية سياسية، وانتهاكات لاهوتية مماثلة للتي عانت منها أوروبا، بل عاشوا لأكثر من ألف سنة في نظام أكثر عدلًا ورحمة بكثير، وفقًا لـ«حلاق». وفي حين يزخر الغرب بمنتقدي نظام الدولة الحديثة، ومنظّري العلمانية الذين يشككون في استمراريته المستقبلية، ينبطح أمامها المفكرون الإسلاميون. يضرب مثالًا لذلك من تصريحات تنظيم الإخوان المسلمين بمصر في 2011، حين قال التنظيم بأن قوانين وأنظمة الدولة الحديثة يمكن الاستفادة منها وتطويرها لصالح الجماعة، إذ إنها لا تتعارض مع تطبيق أحكام الشريعة.

آمن الإخوان وأنصارهم من «الإسلاميين المعتدلين» أنّ بإمكانهم السيطرة على مؤسسات الدولة القائمة بالفعل، باستخدام قوتهم الانتخابية، واستغلالها في «أسلمة» المجتمع ما إن يترسّخ نفوذهم، لكن نقص الحس الاستراتيجي، كما يقول «روثفن»، تسبب في تخويف وتنفير الأحزاب العلمانية، بل حزب «النور» السلفي نفسه، الذي سئم محاولات الإخوان لاحتكار مسار الإسلام السياسي.

ينقل «روثفن» انتقادات «أشرف الشريف»، الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، انتقاداته لحكم الإخوان، وتجاهلهم المشاركة في الحكم، وهو ما أدى إلى فشل تجربتهم، واستعادة النظام السابق لوضعه ونفوذه، مستغلًا حركة «تمرّد» الاحتجاجية في 2013. صحيحٌ أنّهم في بادئ الأمر تفادوا رفع شعارات مثل «الإسلام هو الحل»، وغيرها من الشعارات التي ميّزت حركات الإسلام السياسي، لكن، وبمجرد وصولها إلى السلطة، سعت الجماعة إلى الهيمنة على المشهد السياسي، باستخدام مؤسسات الدولة العميقة التي ورثتها عن نظام مبارك. رأت الجماعة تظاهرات 2011، كما يقول «الشريف»، «هبة سماوية» أثيبت بها الجماعة على تضحياتها في الماضي. انشغلت الجماعة تمامًا بكيفية استغلال الفرصة الذهبية؛ لتحقيق أكبر مكسب سياسي ممكن، غير منتبهة إلى ما ينطوي عليه تصدّر المشهد السياسي ما بعد مبارك من «انتحار سياسي» للجماعة. وبدلًا من التحالف مع القوى السياسية الأخرى لتتحمّل أجزاءً من العبء الاقتصادي والإداري الناتج عن الثورة، لجأت الجماعة إلى الحكم السلطوي، لكنها فشلت في التكيف مع المناخ السياسي المتقلّب، نتيجة لهيكلها المفتقر للمرونة والشفافية، كما يقول «الشريف».

النموذج الذي دعت إليه جماعة الإخوان المسلمين وداعموها هو تجربة «حزب العدالة والتنمية» التركي، ومؤسسه «رجب طيب أردوغان»، الرئيس التركي الحالي ورئيس الوزراء السابق. ومع أن آلاف المصريين استقبلوا «أردوغان» بلافتات ترحيبية حارة أثناء زيارته لمصر في سبتمبر (أيلول) 2011، إلا أنّ مؤيدي «النموذج الإسلامي» التركي من المصريين والعرب لا يبدو عليهم الإلمام بالتاريخ التركي الحديث؛ فحزب العدالة والتنمية يصف نفسه بأنه «حزب مؤيد للغرب بأجندة اجتماعية محافظة، والتزامٍ بقيم السوق الحر».

أثار «أردوغان» دهشة الإسلاميين؛ عندما قال في حواره التليفزيوني مع الإعلامية «منى الشاذلي» بأنّه يفضل العلمانية لمصر، ليس هذا بالأمر الغريب؛ فعلمانية الدولة التركية لها أساساتها العميقة منذ إصلاحات «التنظيمات» التي نفذتها الإمبراطورية العثمانية؛ استجابة لضغوط أعدائها، ومرورًا بالحكومة العلمانية التي أسّسها «أتاتورك»، والتي استمرت قرنًا من الزمان تشكّلت فيه الحركة الإسلامية التركية.

الآن، يقبع مرسي في السجن، ويواجه العديد من الاتهامات بالتخابر، وإصدار أوامر إطلاق النار على المتظاهرين، وعادت جماعة الإخوان محظورة مرّة أخرى. انتصارٌ كامل للثورة المضادة، بقيادة «عبد الفتاح السيسي».

 

فتنة السنّة والشيعة: سياسية أم دينية؟

يتحدّث «روثفن» عن الصراع المستعر الآن بين السنّة، بقيادة المملكة العربية السعودية، والشيعة، يتصدّرهم إيران. يرى «روثفن» أنّ التعددية الإسلامية لها جذورها وتاريخها المتأصل. سبق الإسلام نظرية العلاقات الدولية بآياتٍ مثل «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». على هذا الأساس،  اتّفق السنة والشيعة على ألا يتفقوا، ولم تفرض الدولة، سواءً كانت سنية أو شيعية، مذهبها على رعاياها، وسمحت بتواجد أنظمة قانونية سنية، جنبًا إلى جنب مع الشيعية.

صحيحٌ أن التسامح الديني لم يكن كاملًا؛ ففي القرن العاشر، مثلًا، انقسمت بغداد إلى معسكرات سنية وشيعية، ووقع عدد من حركات التمرد ضد الحكم، لكنه يظل مذهلًا بالمقارنة مع أوروبا ما بعد الإصلاحات السياسية، والتي سعت الكنائس فيها إلى خلف مجتمعٍ متجانسٍ مذهبيًا، عن طريق فرض المذاهب الرسمية وطرد الأقليات؛ لإزالة جميع العقبات في وجه الطاعة والرضوخ.

إذا كان الأمر هكذا، فكيف إذن نشأ الصراع الحديث بين السنّة والشيعة، وما دوافعه؟ يُجيب «روثفن» بأن الحكام المسلمين، مع خطابهم المعادي للغرب والاستعمار، يسيرون على نهج الدول الأوروبية الحديثة الأولى، التي سعت إلى فرض التجانس الديني والمذهبي لخدمة مصالح الدولة وتحقيق أهدافها. تستمدّ «الوهابيّة» شرعية النظام السعودي الحالي من أفكار «ابن تيمية»، الذي قال بجواز تعددية الدول داخل الأمة الإسلامية، مع الاحتفاظ بحق السلطان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لتُقدّم السعودية نموذجًا مشابهًا للنظام القديم الساعي لفرض «الكاثوليكية» في فرنسا، مهمته نزع ثقافة المجتمعات المحلية، وولاءاتها وسلطاتها، وجميع خصائصها، وضمّها إلى أمّة ولاؤها الأول والأخير لآل سعود، ووظيفتها في الحياة خدمة هيمنتها وسيطرتها. على الجانب الآخر لا تختلف إيران كثيرًا؛ إذ إن التشيع هو مذهب وأيديولوجية الدولة. تُعاني الأقلية السنية في إيران من الاضطهاد والتهميش، ويُحرم أئمتها وشيوخها من إمامة صلاة العيد.

ولا يخفى على من يراقب الصراع الطائفي المتصاعد في العراق وسوريا وباكستان دور القوتين الإقليميتين في تأجيج نيران الصراع. في مارس (آذار) 2011، أرسلت السعودية قواتها إلى البحرين؛ لمساندة حكومة الأقلية السنية، في مواجهة الانتفاضات ضدها. كما ادّعت حكومة المملكة «عجزها» عن منع الشباب من التطوع في صفوف الجماعات الإرهابية في مواجهة الشيعة الخوارج المدعومين من إيران. ما يُشجّع هؤلاء الشباب هو الأيديولوجية ذاتها التي جلبت آل سعود إلى الحكم: كل من لا ينضوي تحت لواء النسخة الوهابية من الإسلام هو كافر يستحق الموت، حتى الأطفال؛ فثقافة «داعش»، كما  يقول «روثفن»، لا تختلف كثيرًا عن الثقافة السعودية التي ولدتها، الفارق الأساسي أن الفوضى في سوريا والعراق حررت الجماعات الجهادية، ومن ضمنها «داعش» و«جبهة النصرة»، من قيود النظام الحداثي الذي يحكم المملكة العربية السعودية.

 

دين الدولة

يستعرض «روثفن» سيطرة الدولة على الدين واحتكار الحكومة له في الدول الإسلامية. في مصر، اندلعت المواجهات العنيفة بين الحكومة والإخوان المسلمين، وفضت قوات الأمن عددًا من الاعتصامات والتظاهرات، لتقتل حوالي 1000 متظاهر، وتتكبّد هي نفسها قدرًا غير معقول من الخسائر. يختلف القمع الحالي للإخوان المسلمين عما حدث في عهد الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر»؛ إذ يُعدّ الحالي أكثر عنفًا بكثير، كما أن الدول التي آوت الإخوان المسلمين في خمسينات وستينات القرن الماضي، ومن ضمنها السعودية والإمارات، دعمت القمع هذه المرة، إن لم تكن قد ألهمت حدوثه؛ خوفًا من صعود الإخوان، كقوة سياسية قادرة على توفير بديل ديمقراطي إسلامي لحكم العائلات المالكة المبني على النفط. وقد لحقت «قطر» بالركب بعد فترة؛ إذ أنهت دعمها المالي والسياسي للإخوان، وطردت بعض الهاربين إليها من المطاردين في مصر.

سيطرة الدولة على الدين مشروعٌ قائم ونشط. في أعقاب سقوط الإخوان، ضيّق الأزهر مع وزارة الأوقاف المساحة الدينية في مصر، عن طريق تعيين الدعاة، وفصل أكثر من 12 ألف إمام، والتحكّم في الجمعيات الخيرية، والسيطرة على أكثر من 7000 مسجد سلفي التوجّه. ولا يقتصر الصراع بين الحكومة والمشروع الإسلامي السياسي على مصر؛ فالسعودية تخطط لتركيب كاميرات مراقبة في كل مسجد، والكويت فعلت ذلك بالفعل منذ وقت طويل. أمّا الإمارات فهي ترسل خطبًا مكتوبة إلى أئمة المساجد؛ ليقرؤوا منها كل جمعة، باستثناء عدد محدود من كبار الأئمة الموثوق بهم، طبقًا لجريدة «الإيكونوميست». حتّى الحكومة العلمانية في تونس، التي ألغت أية إشارة للشريعة الإسلامية في دستورها الجديد، أعادت السيطرة الحكومية على المساجد، في حين تذيع جارتها المغرب خطبًا رمضانية يُلقيها الملك، أو «أمير المؤمنين».

لكن هذا المشروع، يقول «روثفن» ، يفشل في مناطق الاضطرابات السياسية، مثل سوريا والعراق واليمن والصومال. وسيستمر في الفشل في ظل وجود «أعداد كبيرة من الشباب العاطل والمهمّش – في الدول ذات الأغلبية المسلمة أو في الغرب – ينجذبون إلى الرؤية اليوتوبية لخلافة عابرة للحدود».

ينتهي «روثفن» إلى أن عقيدة الجهاديين التي تردّ الحاكمية لله ربّما تُرى في إطار السعي إلى حكم شمولي يسيطر فيه على مقاليد الأمور هؤلاء الذي يدّعون أنّهم ممثلو إرادة الله، لكنها أيضًا قد تجد صداها في عالم يصارع الاحتباس الحراري والانتهاكات البيئية، ويطمح الكثير من سكانه إلى التحرر من قيود القومية والسير في أرض الله، مع الاستمتاع بالرفاهية الحديثة في ذات الوقت. هذه الرؤية ربما تُعيد إحياء العالم الإسلامي، بعيدًا عن الرؤى القاسية التطهرية «الميزوجينية»، التي يعتنقها جهاديو اليوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد