«واحدٌ منّا» One of Us هو الاسم الذي اختارته «أوسنا سايشتا»، الصحفية النرويجية لكتابها الذي يتناول حياة «بريفيك»، بدايةً بنشأته ومرورًا بالتفاصيل المؤلمة لجريمته التي مثّلت علامة فارقة في تاريخ النرويج، وحتى محاكمته ودفاعه عن نفسه في مواجهة الاتهامات بالجنون، والوحشية.

السحر المحمول، الرفيق الأوفى، المهرب الأسمى من الواقع إلى الواقع، كثيرٌ ما قاله العظماء عن الكتاب، لكنّني أقتبس هنا ما قاله «ويليام ستايرون» «الكتاب العظيم يجب أن يترك لك الكثير من الخبرات، ويُشعرك بالإرهاق الخفيف مع نهايته؛ فأنت تعيش عدّة حيواتٍ أثناء القراءة».

ولأننا في حاجة إلى أن نرى العالم بعيون أخرى، تُقدّم لكم «مكتبة ساسة» كل سبت لمحة عن كتاب جديد أو ورقة بحثية جديدة، وحياة جديدة نختبرها سويًا، من تلك التي لم تُترجم بعد إلى المكتبة العربية.

في الثاني والعشرين من يوليو (تموز)، 2011، شهدت النرويج واحدة من أبشع جرائم القتل الجماعي في التاريخ الحديث. فجّر القاتل قنبلة بالقرب من مكتب رئيس الوزراء بأوسلو، حصدت ثمانية أرواح، بينما طارد باقي الضحايا، الذين قارب عددهم السبعين، على جزيرة أوتويا، وأطلق عليهم النار.

إذا طلب إليك تخيّل شكل القاتل، فلربما يرسم خيالك – متأثرًا بأخبار هجمات الدولة الإسلامية الأخيرة، ومذبحة أورلاندو – صورة رجل ملتحٍ، بملامح عربية، وجلباب قصير، ونظرةٍ عابسة، لكن «أنديرس بريفيك» كان أبعد ما يكون عن هذه الصورة: نرويجيّ آخر بشعره الأشقر، وعينيه الزرقاوين. «واحدٌ منّا» One of Us هو الاسم الذي اختارته «أوسنا سايشتا»، الصحفية النرويجية لكتابها الذي يتناول حياة «بريفيك»، بدايةً بنشأته ومرورًا بالتفاصيل المؤلمة لجريمته التي مثّلت علامة فارقة في تاريخ النرويج، وألهمت بعضًا من الجرائم التي نراها اليوم، آخرها هجوم «علي سونبولي» في ميونخ، وحتى محاكمته، ودفاعه عن نفسه في مواجهة الاتهامات بالجنون، والوحشية.

من الصّعب بمكانٍ أن تلتزم المهنية إزاء جريمةٍ بهذا الحجم، لكن «أوسنا»، كما يقول المؤلف «ستاف شيريز»، اختارت الابتعاد عن التنميط، وتفادت شيطنة «بريفيك»، أو استحضار مبادئ «ميتافيزيقية» كالخير والشر، بل اعتمدت، في حديثها على أقوال «بريفيك» نفسه وتصريحاته، وتقارير جهات الخدمة المجتمعية عن طفولته، والعديد من اللقاءات التي أجرتها مع أهله وأصدقائه، ومع ذوي الضحايا، والناجين منهم. بأسلوبٍ متقن، نسجت «أوسنا» من كل هذا صورةً واضحة عن الهجوم، والأحداث التي سبقته، وتلته.

pPqYPnh

وُلد «أنديرس» عام 1979 في أحد أحياء مدينة أوسلو. رحل عنه والده الدبلوماسي، وربته والدته غير المستقرّة نفسيًا، والتي لم تُخف كراهيتها له، ورغبتها في التخلّص منه. لم تخلُ طفولته من علامات «السيكوباثية»، والتي تمثّلت في شخصيته العنيفة، واستمتاعه بإيذاء الحيوانات.

في مراهقته، كان «أنديرس» منبوذًا من كل الجماعات التي حاول الانضمام إليها. حتى محاولته لأن يُصبح رسام «جرافيتي» فشلت في إكسابه التقدير الذي لطالما تاق إليه. ترك المدرسة في المرحلة الثانوية، ونجح لفترة في كسب المال من خلال عدة أنشطة، أبرزها بيع شهادات «دبلوم» جامعية مزيّفة، قبل أن يتوقّف؛ خشية كشف أمره، والقبض عليه.

لاحقًا، بدأ انخراط «أنديرس» في السياسة بانضمامه إلى حزب التقدّم اليميني، المُناهض للمهاجرين، والساعي إلى توعية الرأي العام بـ«خطر الإسلام». عن هذا يقول الكاتب والأستاذ الجامعي «إيان بوروما»:

«يبدو أنّه أسقط حسّه الشخصي بالعجز على النرويج، أو أوروبا، أو الحضارة المسيحية مكتوفة الأيدي في مواجهة حركة (الأسلمة) المتفشّية. تزايدت أحلامه بالنفوذ عنفًا، فاتجه إلى الأسلحة، واكتسب خبرة غير عادية فيها».

وحين لم يُرشحه حزب التقدم على قوائمه في الانتخابات المحلية، ومع فشلِ حياته على جميع الأصعدة العاطفية والاجتماعية والسياسية، والمالية أيضًا، بعدما ترك شقته على إثر الأزمة المالية، وعاد للعيش مع والدته، حينها اتّجه إلى الواقع الافتراضي الذي وفّر له فقاعة من الخيال يمكن له بداخلها تحقيق أحلامه التي خذلها الواقع. ظلّ «أنديرس» في غرفته عدّة أعوام يُطوّر من شخصيته في لعبة الفيديو، World of Warcraft.

لم ينفكّ عن «أنديرس» هوسه بالحرب المزعومة بين الغرب والإسلام. انغمس في المواقع المتطرّفة على شبكة الانترنت؛ يقرأ ويستمع إلى أعمال، وخطب العديد من السياسيين اليمينيين، المحذرين من خطر الإسلام، والانفتاح الثقافي على حضارة الغرب؛ من ضمن هؤلاء «بروس باور»، الصحفي الأمريكي، و«جيرت ولدرز»، السياسي الهولندي.

يُشير«بوروما» إلى أنّ هؤلاء ربّما لا يحرّضون بشكلٍ مباشر على العنف ضد المسلمين وأبناء الثقافات الأخرى، أو أنصار التعددية الثقافية، لكنّ حديثهم الدائم عن الحرب وخطر الإسلام، والنخبة المثّقفة التي تقود الغرب إلى الهاوية خلق «جوًا مسمومًا يمكن من خلاله لأمثال (أنديرس) تبرير أفعالهم المروعة». بالمثل، يزعم المسلمون أنّ الإرهابيين الجهاديين لا علاقة لهم بالإسلام. ومع أنّ هذا ليس خاطئًا بالكلية، إلا أنّه لا ينفي استخدام عناصر أساسية من العقيدة الإسلامية من قِبل هؤلاء الجهاديين، لتبرير العنف، ولا ينفي وجود دُعاة يُمكن مساءلتهم بشأن الجرائم التي يحرّضون شباب المسلمين على ارتكابها.

ضحايا «أنديرس» على النقيض منه في الكثير من الأشياء، كما تحكي «أوسنا» عنهم. أغلبهم في ريعان الشباب، ممتلئين بالإشراق والحيوية، والرغبة في تحقيق الكثير. منهم من جاء مع والديه الكرديين فارًا من جحيم «صدّام حسين»، ومنهم من عبر والداه الحدود بين النرويج والاتحاد السوفييتي المنهار، محمولًا في بطن أمّه. كلّهم انتهوا إلى جزيرة أوتويا، ضمن فعاليات معسكر الشباب الذي نظّمه «حزب العمل»، والذي حوّله «أنديرس» إلى حمّام دماءٍ انتصارًا لقضيّته.

يُفصّل الكتاب تحضيرات «أنديرس»، في مزرعة نائية استأجرها، وجهّز فيها قنبلته بمساعدة مقاطع «تعليمية» لتنظيم القاعدة. ثمّ يُفرد 70 صفحة في وصف المذبحة: كل رصاصة أطلقها «أنديرس»؛ كل صرخة استرحام لم يستمع إليها؛ كل محاولة للهرب. لم تتوان «أوسنا» عن إيراد أدقّ التفاصيل، حتى شديدة البشاعة منها، كأنّما تُجبر العالم على النظر بجلاءٍ تامٍ إلى الحصاد المُريع لخطاب الكراهية غير المحسوبة عواقبه. تستعرض «أوسنا» كذلك الأخطاء التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية، وسمحت لـ«أنديرس» بساعة كاملة من القتل، دون أن يتمّ إزعاجه، قبل أن تقبض عليه السلطات. حرص «أنديرس»، فيما يبدو، على أن يأخذه الأمن حيًا؛ ليتمكّن من إيصال رسالته في المحكمة، ويشرح أسباب قيامه بالمذبحة، في إطار الحرب المستعرة بين الغرب وأعدائه.

السؤال الأساسي الذي طُرح في المحاكمة كان: هل «أنديرس بريفيك» مريض مجنون، أم إرهابي سياسي؟ يعرض الكِتابُ أدلّة لكلتا وجهتي النظر اللتين انقسم حولهما المجتمع النرويجي والأطباء النفسيون. يقول الكاتب «مايكل شاوب» إنّ الكتاب لم يُقدّم تفسيرًا واضحًا لجريمة «أنديرس»؛ ببساطة لأنّ تفسيرًا كهذا غير موجود. هو استنتاج عسيرٌ على الهضم – يُكمل «شاوب» – لكنّه ضروري؛ «أنديرس»، مثله مثل الكثير من الإرهابيين، لا يخضع للتفسيرات البسيطة للأشياء.

لا شكّ أنّ كتابُ «أوسنا» يؤرّخ ـ ببراعة ـ لواحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها أوروبا في عصرنا الحديث، وربّما تتيحُ قراءته فهمًا أعمق لطبيعة الإرهاب وجذوره، وكيف يولد من الخيالات المريضة، وأوهام العظمة وتغيير العالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد