سعد الجابري يعرف «المكان الذي دُفنت فيه الجثث». والآن، تعتقل السلطات السعودية أفراد عائلته؛ لإجباره على العودة إلى المملكة، حسبما أفاد ابنه.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لبن هوبارد، مراسل الصحيفة في الشرق الأوسط ومدير مكتب صحيفة «التايمز» في العاصمة اللبنانية بيروت، وأسهم المراسل إريك شميت من واشنطن في إعداده، تحدث فيه عن سعي السلطات السعودية وراء سعد الجابري الذي يعيش خارج البلاد، والذي عمل في السابق مستشارًا موثوقًا به للأمير محمد بن نايف، والذي يعرف كثيرًا من الأسرار.

حقوق إنسان

منذ شهر
الرجل الذي توقع نهايته.. عبد الله الحامد رائد التيار الإصلاحي في السعودية

وفي مستهل مقاله، ذكر المراسل أن الجابري خدم لسنوات كأحد كبار الضباط في جهاز الاستخبارات في المملكة العربية السعودية، وهو خبير في الذكاء الاصطناعي، ولعب أدوارًا بارزة في المعركة التي خاضتها المملكة ضد تنظيم «القاعدة»، وفي جهودها للتنسيق الأمني ​​مع الولايات المتحدة. 

ولكن منذ عام 2017 يعيش سعد الجابري مختفيًا عن الأنظار في كندا، خوفًا على حياته ودفعًا للضغوط المتزايدة من جانب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للعودة إلى السعودية، وفقًا لما أورده ابنه وأصدقاؤه. والآن تقع عائلة السيد الجابري في شَرَك حملة الضغط تلك.

أمر مألوف

ومنذ مارس(آذار) اعتقلت قوات الأمن السعودية اثنين من أبنائه الراشدين وأحد أشقائه واحتجزتهم بمعزل عن العالم الخارجي، حسبما نقل المراسل عن نجل السيد الجابري في مقابلة عبر الهاتف. وقال الابن، ويُدعى الدكتور خالد الجابري، ويعيش أيضًا في كندا: «مرت أسابيع ونحن لا نعرف أين هم الآن. لقد اختطفوا من أحضان عائلاتهم، ولا ندري إن كانوا أحياءً أم أمواتًا». 

عمر (21 عامًا) نجل سعد الجابري.. اختفي منذ مارس الماضي

 

ولم تؤكد السلطات السعودية وقوع مثل هذه الاعتقالات، ولم يرد المسؤولون في السفارة السعودية في واشنطن على طلب الصحيفة للتعليق على الأخبار المتداولة بشأن السيد الجابري أو الاعتقالات التي وقعت في حق أقاربه. لكن المراسل يلفت إلى أنه من المألوف في بعض دول الشرق الأوسط أن تمارس السلطات ضغوطًا على شخص ما عن طريق احتجاز أقاربه أو تهديدهم. 

وفي الوقت نفسه أدى مقتل الكاتب السعودي المعارض جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين في إسطنبول عام 2018 إلى زيادة المخاطر المحدقة بأشخاص مثل السيد الجابري، الذي كان يعيش في أمان خارج المملكة.

يقول نجل السيد الجابري ومسؤولون سابقون في الولايات المتحدة ممن عملوا معه: إن الأمير محمد، المعروف على نطاق واسع بالأحرف الأولى من اسمه «إم بي إس – MBS»، يريد إرغام السيد الجابري على العودة إلى المملكة العربية السعودية؛ لأنه يخشى أن يترك شخصًا مثله حرًا طليقًا، وهو على دراية بكثير من المعلومات السرية.

سارة (20 عامًا) ابنة سعد الجابري.. اختفت منذ مارس الماضي

الجابري ضحية الصراع بين أميرين

ونقل التقرير عن جيرالد مايكل فيرستين، نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، والذي تعامل مع السيد الجابري أثناء عمله سفيرًا للولايات المتحدة في اليمن، قوله: إن «القضية الأشمل هي أن القلق يساور محمد بن سلمان بشأن أي شخص خارج عن سيطرته». 

ويضيف السيد فيرستين أن السيد الجابري كان ضالعًا في عديد من القضايا الحساسة خلال عقود من عمله داخل جهاز الاستخبارات، حتى أنه يكاد يعرف «المكان الذي دُفنت فيه الجثث (جثث المعارضين الذين تخلصت منهم السلطات السعودية)» في المملكة العربية السعودية، وربما يتضمن ذلك معلومات خالية من المديح والتزلف للأمير محمد.

وانتهت الحياة المهنية للسيد الجابري في مجال الاستخبارات كضحية للصراع بين أميرين قويين كانا يتنافسان على الوصول إلى عرش المملكة العربية السعودية، وأصبح الجابري أحدث مثال على المدى الذي يمكن أن يصل إليه الأمير محمد للقضاء على التهديدات المحتملة. 

ويذكر التقرير أن الأمير محمد، البالغ من العمر 34 سنة، لاحق العديد من منتقديه وغرمائه المتصورين في الداخل والخارج، ومن بينهم السيد خاشقجي، الذي قُتل بعد نشره مقال رأي انتقد فيه الأمير محمد على صدر صحيفة «واشنطن بوست».

ولفت التقرير إلى أن السيد الجابري لم يوجِّه سهام النقد على رؤوس الأشهاد مطلقًا إلى الأمير محمد، ولكنه كان حليفًا مخلصًا لمنافسه الأكبر؛ ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف. وألقي القبض على الأمير محمد بن نايف، الذي ترأس وزارة الداخلية، في مارس، وذلك على ما يبدو بسبب أنه كان يبث شكواه سرًا متذمرًا من كيفية إدارة ولي العهد للمملكة.

شريك جيد

وأشار المراسل إلى أن السيد الجابري، عالم في مجالي اللغة والكمبيوتر، وحاصل على درجة الدكتوراة في الذكاء الاصطناعي من جامعة إدنبرة في أسكتلندا، وعمل في وزارة الداخلية لما يقرب من أربعة عقود، وحصل على رتبة لواء، وكان بمثابة الذراع الأيمن للأمير محمد بن نايف، وعيَّنه الملك سلمان بدرجة وزير في الحكومة السعودية. 

من اليمين: محمد بن سلمان – محمد بن نايف – باراك أوباما

وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وكان أكثر انفتاحًا من رئيسه، كما حافظ على العلاقات مع مسؤولي المخابرات من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى. وقال مسؤولون أمريكيون إن السيد الجابري لعب دورًا رئيسًا في عدد من أكثر الأمور الأمنية حساسية في المملكة، بما في ذلك محاربة تنظيم القاعدة وحماية منشآت النفط السعودية. ورفض السيد سعد الجابري التعليق على هذا المقال.

كان محاوروه الأمريكيون الأساسيون من المسؤولين في «وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)»، لكن البرقيات الدبلوماسية التي نشرها موقع «ويكيليكس» تذكر بالتفصيل مناقشاته مع مسؤولين آخرين حول قضايا تشمل العراق، واليمن، وأفغانستان وتمويل الإرهاب وطموحات إيران الإقليمية. 

وقال عنه السيد فيرستين: «كان سعد الجابري رجلًا طيبًا، رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصحف. وأعتقد أنه حَظِيَ بتقدير كل من تعامل معه. لقد كان رجلًا ذكيًّا وجادًا وعمل بتفانٍ وكان هواه تبعًا للولايات المتحدة- شريك جيِّد لنا». وطور السيد الجابري علاقات وثيقة مع المسؤولين في الولايات المتحدة حتى أن بعضهم حضر حفلات زفاف أولاده.

يقول بروس ريدل، المسؤول السابق في «سي آي إيه» ويعمل الآن في معهد بروكنجز: إن جهاز المراقبة الواسع في وزارة الداخلية السعودية فتح الباب أمامه على كنز دفين من أسرار المملكة، بما في ذلك أنشطة أفراد العائلة المالكة ومخططات الفساد والجريمة. ويضيف ريدل: «ستكون ملفاتهم بمثابة قائمة مفهرسة لكل حادث مشؤوم، بدءًا من الأحداث التي تضرب بالقانون عرض الحائط، وانتهاءً بالأحداث التي ربما تكون مُخجلة».

تهمة فساد

وتابع المراسل قائلًا: بينما يفترض المسؤولون الغربيون أن معرفة السيد الجابري بهذه الأسرار هي السبب وراء جهود ولي العهد لإعادته إلى السعودية، قال شخصان اطلعا على قضيته، أحدهما أمريكي والآخر سعودي: إن السلطات السعودية بررت تلك الجهود من خلال توجيه تهمة الفساد إلى الجابري. 

وقال الشخصان، اللذان تحدثا إلى الصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويتهما لأنهما غير مصرح لهما بمشاركة المعلومات: إن السيد الجابري متهم باستغلال منصبه لجمع ثروة شخصية، وأن الأمير أراد استعادة الأموال. لكن السلطات السعودية لم تعلن عن أي تهم فساد ضد السيد سعد الجابري، بحسب التقرير. 

وكان الأمير محمد قد وصل إلى السلطة بسرعة الصاروخ بعد أن اعتلى والده، الملك سلمان، عرش المملكة في عام 2015، وتعثر موقف السيد الجابري بصعود الأمير محمد. وفي أواخر عام 2015، فُصِل السيد الجابري من وظيفته في الوزارة بأمرٍ ملكي، وهو قرار لم يعلمه هو ورئيسه إلا بعدما بُثَّ على شاشات التلفزيون. 

وكان الجابري خارج البلاد في عام 2017 عندما أطاح الأمير محمد بالأمير محمد بن نايف ليصبح وليًّا للعهد. وقال ابنه إن الأمير محمد بن نايف وُضِع قيد الإقامة الجبرية وجُمِّدت ممتلكاته، وقرر الجابري، الذي شعر بالقلق من أن يواجه مصيرًا مشابهًا، عدم العودة إلى السعودية.

وأفاد أحد الأشخاص المطلعين على قضية السيد الجابري، أن الجابري لم يستقر في الولايات المتحدة على الرغم من علاقاته العميقة هناك، وذلك لأنه كان يشعر بالقلق من أن إدارة ترامب ستعيده إلى السعودية إذا طلب الأمير محمد منها ذلك. ولا غروَ، فقد أقام الرئيس ترامب علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية، وجعلها بمثابة مفتاح لسياسته في الشرق الأوسط، كما أن صهره وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، على علاقة وطيدة بالأمير محمد.

ضغوط على الأبناء لعودة الوالد

ونقل التقرير عن الدكتور خالد الجابري قوله: إنه عندما غادر السيد الجابري المملكة، بقي اثنان من أولاده البالغ عددهم ثمانية، وبدأت السلطات السعودية في فرض قيود عليهم بهدف الضغط على والدهم للعودة. 

الإصلاحيين

ويضيف الجابري: إن الابنين المتبقيين – سارة، 20 سنة، وعمر 21 سنة – كانا يخططان لاستكمال الدراسة في الولايات المتحدة، ولكن في غضون ساعات من صعود الأمير محمد إلى منصب ولي العهد، عَلِم الشقيقان أنهما مُنعا من مغادرة المملكة.

ويضيف الدكتور خالد الجابري أن حسابات الشقيقين المصرفية جُمِّدت في وقت لاحق وجرى استدعاؤهما للتحقيق وطُلِب منهما تشجيع الوالد على العودة إلى أرض الوطن. وفي 16 مارس، كما يضيف الجابري الابن، جاءت قوات الأمن إلى منزل الجابري في الرياض عند الفجر وأخذت سارة وعمر الجابري من أحضان العائلة. كما اعتقلت السلطات الأسبوع الماضي شقيق السيد الجابري عبد الرحمن الجابري، أستاذ الهندسة الكهربائية الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، وهو رجل في الستينات من عمره.

وتفاقم قلق العائلة مع مرور الأسابيع وعدم وجود أخبار عن أقاربهم. ولذلك، وبالإضافة إلى كسر جدار الصمت في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، أوكلت العائلة إلى شركة ضغط في واشنطن مهمة الضغط لإطلاق سراح أقاربهم. 

واختتم المراسل تقريره بقول الجابري الابن «إنهم رهائن، والفدية هي: عودة أبي. محمد بن سلمان يعمل على إنهاء جميع الأمور العالقة، وقرر أن أمر والدي أهم تلك الأمور».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد