تنفق المملكة العربية السعودية عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا على الجامعات الأمريكية. بداية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وحتى جامعة شمال كنتاكي. فما الذي يستفيده حاكمها من ذلك؟ يناقش مايكل سوكولوف هذه المسألة في تقريره المطول في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

«الأموال تتحدث»

في أحد مساءات الربيع من العام الماضي، تجمع متظاهرون على رصيف بجانب شارع مزدحم في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس. مرت الحافلات من أمامهم، وعلت أبواق السيارات، وتوقف بعض المارة لحظات قبل أن يتابعوا طريقهم. العنوان بالتحديد كان 77 شارع ماساتشوستس، أمام البوابة المشيدة بالحجر والخرسانة والتي تؤدي إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي). يقود رواق هذا البناء إلى بهو طويل يعرف بـ«الممر اللانهائي»، ومنه إلى قلب واحد من أكبر المعاهد الأكاديمية المرموقة في أمريكا.

يشير سوكولوف إلى أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، كان سيقوم بزيارة في اليوم التالي، فيما أراد المتظاهرون، وهم خليط من الطلاب ونشطاء السلام المحليين، إلغاء دعوته. وكانوا معترضين على الترحيب بالأمير بصفته شخصية شرفية، ولفتوا الأنظار إلى العلاقات المالية التي تربط الدولة السعودية بالمعهد –و62 جامعة أمريكية أخرى على الأقل- وذلك في وقت أدان فيه نشطاء حقوقيون النظام السعودي على قصفه المدنيين في حرب اليمن، وعلى أعمال القمع التي يشنها على المعارضين السعوديين.

صار الأمير محمد بن سلمان (33 عامًا) الحاكم الفعلي للسعودية عام 2017، وذلك عندما عينه والده المريض، الملك سلمان، وليًّا للعهد. وكان وقتها في رحلة إلى الولايات المتحدة وقد زار البيت الأبيض بالفعل والتقى الرئيس دونالد ترامب، الذي قال أثناء جلوسهما معًا في المكتب البيضاوي أنهما قد صارا «صديقين مقربين خلال فترة وجيزة». ثم شكره الرئيس على طلب المملكة شراء معدات عسكرية بمليارات من الدولارات، وقال مازحًا: «إنه مبلغ بسيط بالنسبة لكم».

Embed from Getty Images

وبعد زيارته كامبريدج، كان من المقرر أن يتوجه الأمير محمد إلى كاليفورنيا، حيث أجر فندق الفور سيزونز بأكمله في بيفرلي هيلز حيث كان ضيف الشرف في عشاء أقامه روبرت مردوخ وحضره عدد من الشخصيات الهامة في مجال الترفيه. يذكر مقال «نيويورك تايمز» أن الأمير التقى في وادي السيليكون الرئيس التنفيذي لشركة آبل، تيم كوك، وبعدد آخر من الرؤساء التنفيذيين الآخرين، مثل جيف بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، الذي التقاه في سياتل.

وكانت السعودية بالفعل واحدة من المستثمرين في شركة أوبر من خلال صندوق الثروة السيادية، الذي يشرف عليه ولي العهد، الذي فاوض أيضًا على شراء حصة في مؤسسة «إنديفر»، وهي تجمع في هوليوود يشمل وكالة المواهب «دبليو إم إي» وشركة «بطولة القتال النهائي» (يو إف سي).

يشير الكاتب إلى أن الأمير ارتدى خلال زياراته لتلك المحطات على الساحل الغربي إما بذلة أو جينزًا أو سترة رياضية وقميصًا مفتوح الياقة، بدلًا من العباءة السوداء والشماغ، وهو الزي التقليدي، الذي ارتداه أثناء زيارته البيت الأبيض. يقول روبرت جوردان، الذي كان سفيرًا إلى السعودية خلال فترة جورج دبليو بوش: «في وادي السيليكون وفي هوليوود، مثل أمامهم ذلك الشاب العصري الأنيق، وقد انخدعوا بسهولة. كانت الأموال هي التي تتحدث، والرغبة في إقامة علاقات مع المملكة الثرية».

احتجاجات ضد ولي العهد

على رصيف كامبريدج، حيث أقيمت التظاهرات في ذلك اليوم، كانت شيرين العضيمي (35 عامًا) واحدة من المتحدثين البارزين. ولدت شيرين في اليمن وقضت جزءًا من طفولتها هناك، وكان أقرباؤها يعيشون الحرب الأهلية الدائرة هناك؛ تلك الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين وهددت الملايين بالمجاعة، وبالكاد ذكرتها نشرات الأخبار الأمريكية في ذلك الوقت.

أما الجامعات الأمريكية التي تربطها تعاملات مع السعوديين، في هيئة أبحاث ترعاها وتدفع لها شركة النفط السعودية الضخمة أرامكو، وبعض القطاعات الأخرى التابعة للدولة، فيقول سوكولوف إنها لم تر سببًا لإيقاف تلك التعاملات، وبسهولة قوبلت الأصوات الوحيدة التي رفضت تلك العلاقات بالتجاهل.

تعيش العضيمي، طالبة الدكتوراه، مع زوجها على مقربة من المكان في شقة يملكها المعهد. وكانت وقتها على وشك إنهاء بحث الدكتوراه في هارفارد وكان من المخطط أن تبدأ عملها أستاذةً مساعدةً في التعليم في جامعة ولاية ميشيغان. لم تكن العضيمي ناشطة سياسية من قبل قط، وتقول: «لطالما فكرت أنني لو صار لدي شيء أقوله على الملأ، فسيكون متعلقًا بالتعليم»، إلا أنها بدأت تجاهر برأيها المعارض لأعمال السعودية في اليمن من خلال النشر على وسائل التواصل الاجتماعي ومراسلة السياسيين الأمريكيين.

وخلال الاحتجاجات، كانت ترتدي سترة رمادية وغطاء رأس خوخي اللون، وتتحدث بصوت ناعم ثابت في مكبر الصوت اليدوي، إذ قالت «الرجل الذي سيستضيفه المعهد مسؤول عن تجويع الملايين حتى الموت من خلال منعه وصول الطعام والدواء لهم. الرجل الذي سيستضيفه المعهد مسؤول عن أسوأ كارثة إنسانية على وجه الأرض. ببساطة، الرجل الذي سيستضيفه المعهد مجرم حرب، ينبغي معاقبته على جرائمه وهو غير مرحب به هنا».

يذكر الكاتب دخول العضيمي ومعها خمسة آخرين إلى مبنى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إذ عبروا «الممر اللانهائي» لإيصال عريضة إلى رافائيل رايف رئيس المعهد. كان هناك ما يزيد على أربعة آلاف اسم على العريضة يطالبونه جميعًا بإلغاء زيارة الأمير محمد. لكن رايف لم يكن في مكتبه، ولم يتلق المحتجون ردًا.

Embed from Getty Images

إنفاق بملايين الدولارات

في الصباح التالي، كما يذكر المقال، قضى الأمير عدة ساعات في مختبر وسائط الإعلام التابع للمعهد، وهو قسم مرموق له سمعة تقدمية ولغة خاصة به (لا يوصف المنهج الدراسي بأنه متعدد التخصصات أو شامل لعدة تخصصات، ولكن مناهض للتخصصات). ويذكر الكاتب أن الجزء الأكبر من ميزانية مختبر الوسائط الإعلامي (75 مليون دولار) يتدفق من الشركات الراعية، والتي يشار إليها بالأعضاء، وتدفع ما لا يقل عن 250 ألف دولار سنويًا.

وكانت مؤسسة الأمير محمد الشخصية واحدة من بين 90 عضو تقريبًا. وقد وقع السعوديون ثلاثة عقود في ذلك اليوم، بمبلغ إجمالي وصل إلى 23 مليون دولار، عقدان منهما يوسعان المشاريع البحثية القائمة بالفعل في المعهد، والثالث كان من أجل مبادرة جديدة بين الجامعة وشركة سابك (شركة بتروكيماويات سعودية تابعة للدولة)، لإجراء أبحاث أكفأ في تكرير الغاز الطبيعي.

يقول سوكولوف إنه في وقت زيارة الأمير محمد، بدت السعودية متجهة إلى التحرر، ولو قليلًا على الأقل. وكانت النساء قد منحن الإذن بقيادة السيارات أخيرًا، وهو تعديل نال قدرًا لا بأس به من اهتمام الإعلام. وعندما افتتحت دار سينما في الرياض في ذلك الربيع، كانت نهاية لحقبة حظر دور السينما التي استمرت 35 عامًا، (وكان الفيلم الأول الذي يعرض فيها هو فيلم «Black Panther»، وقد حذفت الرقابة المشهد الأخير منه لاحتوائه قبلة بين نجمي الفيلم).

بعد ستة أشهر من رحلة الأمير المظفرة إلى الولايات المتحدة، قتل الصحفي جمال خاشقجي يوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وخاشقجي هو المواطن السعودي المقيم في فيرجينيا وكاتب أعمدة في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية. حملت وكالات الاستخبارات الأمريكية الدولة السعودية المسؤولية وخلصت إلى أن ولي العهد نفسه هو من خوّل قاتليه على الأرجح (توصل تقرير الأمم المتحدة الذي صدر في يونيو (حزيران) إلى استنتاج مشابه).

يفيد سوكولوف بأن المعهد أعلن، في وقت لاحق من ذلك الشهر، أنه يعيد تقييم علاقاته القوية بالمملكة. وعين ريتشارد ليستر، وهو عميد مشارك يشرف على شراكات المعهد مع المؤسسات الأجنبية، مسؤولًا عن هذا الأمر. قضى ليستر، المهندس النووي الذي يبلغ الآن 65 عامًا، حياته في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي التحق به في عام 1979 عندما كان في منتصف العشرينيات. ولم تكن مهمته في تقييم ما إذا كان مصدر التمويل شديد البغض لدرجة إصدار أمر برفضه أو إعادة الأموال، سهلة.

يفسر الكاتب ذلك موضحًا أنه بمجرد أن يسلك المعهد ذلك الدرب، يُطرح التساؤل حول المتبرعين الآخرين الذين سوف تعتبرهم بعض المجموعات الأخرى في الحرم الجامعي غير لائقين، وكذلك حول قنوات التمويل الأخرى التي ستصير عرضة للخطر، والأسماء الأخرى التي قد تخرج من مباني المعهد. يذكر المقال أنه في ديسمبر (كانون الأول)، أوجز ليستر استنتاجاته الأولية في خطاب أرسله إلى رايف، وأرسل كذلك إلى أعضاء هيئة التدريس والطلاب.

وحسبما أورد الكاتب، كان على ليستر الإقرار بحقيقة مزعجة، وهي أن «واحدًا من الرجال الذين أصبح معروفًا الآن أنه قام بدور مهم في مقتل خاشقجي في إسطنبول، كان ضمن حاشية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته إلى حرم المعهد»، وكان في خطابه يشير إلى ضابط المخابرات السعودية، ماهر عبد العزيز المطرب. واستطرد ليستر في الخطاب: «تواصل ذلك الرجل وقتها مع أفراد مجتمع المعهد. وهو اختراق لمساحتنا مزعج وغير مرحب به، حتى ولو كان ذلك مجرد ماض».

أفاد الكاتب في مقاله أن مؤسسة إنديفور أعادت خلال هذه السنة مبلغًا استثماريًا يبلغ 400 مليون دولار إلى السعودية، إلا أن شركات أمريكية كثيرة حافظت على أعمالها مع المملكة. وفي أبريل (نيسان) أعدم النظام 37 شخصًا في يوم واحد، معظمهم بقطع الرأس، وقيل إن واحدًا منهم عذّب قبل قتله وعرضت جثته على الملأ. وفي الشهر نفسه عندما عرضت سندات شركة أرامكو للبيع للمرة الأولى، أقدم المستثمرون بلهفة على شرائها، ولا تزال شركة إيه إم سي تخطط لبناء عشرات دور السينما الجديدة في المملكة.

إلا أن النشطاء في الحرم الجامعي أرادوا أن تقوم جامعاتهم بما هو أكثر. يقول جريف بيترسون، الزميل السابق في مركز بيركمان كلين للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد: «يعرفون جميعًا تلك المقولات اللاتينية، التي تنص على أغراض أسمى. إنها هنا على الحائط. انظر إليها».

Embed from Getty Images

طلاب سعوديون في الجامعات الأمريكية

لا يحتاج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أموال السعودية. يفيد سوكولوفت أنه وفقًا للحسابات قبيل الحرب (قبل يومين فقط من إطلاق الرصاصات الأولى)، كان المعهد من بين الجامعات الأمريكية فاحشة الثراء التي تقارن ميزانياتها أحيانًا باقتصادات دولة صغيرة أو متوسطة.

ويذكر المقال أن المعهد أنفق في العام الماضي 3.6 مليار دولار على عملياته، ويعتبر صندوق الهبات الذي يتلقاه والذي يبلغ 16.5 مليار دولار، سادس أكبر صندوق هبات بين الجامعات الأمريكية (وأكبر من الناتج المحلي الإجمالي لما يقرب من 70 دولة، منها منغوليا ونيكاراجوا وجمهورية الكونغو). وهكذا فالمال الذي يتلقاه المعهد من السعودية متواضع نسبيًا (أقل من 10 مليون دولار في عدة سنوات)، على الرغم من أن المعهد قبل هدايا فردية من المليارديرات السعوديين بمبالغ وصلت إلى 43 مليون دولار.

يشير الكاتب إلى أن القانون الفيدرالي يجبر جامعات الولايات المتحدة على الإبلاغ عن أي إيرادات تتجاوز 250 ألف دولار من خارج البلاد، وهذه تسجلها وزارة التعليم الأمريكية في ما يعرف بكشف الهبات الأجنبية. يظهر ذلك الكشف تدفق المال السعودي إلى الجامعات الأمريكية بأنواعها: أقران معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من جامعات النخبة، مثل هارفارد وييل ونورث ويسترن وستانفورد ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إلى جانب الجامعات الحكومية الرائدة مثل جامعة ميشيغان وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمعاهد في المناطق المنتجة للبترول مثل جامعة تكساس أي اند إم، والجامعات العامة مثل جامعة شرق واشنطن وجامعة بول ستايت.

بالنسبة للفئة الأخيرة من الجامعات، بحسب المقال، فإن المال السعودي بأكمله تقريبًا يدخلها في هيئة رسوم دراسية كاملة للطلاب الأجانب (السعوديين)، الذين يدفعون عادة ضعف ما يدفع الطلاب الأمريكيون. تحتل السعودية المرتبة 41 بين الدول الأكبر كثافة سكانية، إذ يبلغ تعداد سكانها 34 مليون نسمة، لكن المقال يورد أنها ترسل 44 ألف طالب سعودي إلى أمريكا، وهذا هو السبب في أنها رابع أكبر مصدر للطلاب الأجانب، بعد الصين والهند وكوريا الجنوبية.

وبحسب ما أفاد الكاتب فقد بدأ الطلاب السعوديون يفدون إلى الولايات المتحدة بأعداد كبيرة بعد لقاء ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز آل سعود (عم محمد بن سلمان) بالرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عام 2005 في مزرعة الأخير في كراوفورد في تكساس. تباحث الرجلان طرق إعادة العلاقات الدافئة بين البلدين، وذلك بعد حادثة 11 سبتمبر (أيلول)، التي كان فيها 15 سعوديًا بين المهاجمين الـ 19. وكانت الركيزة الأولى لـ«أساس التعاون واسع النطاق»، كما قيل في بيانهما المشترك، هو إرسال السعودية أعدادًا أكبر من طلابها إلى الولايات المتحدة.

تدفع الحكومة السعودية تلك الرسوم مباشرة، بموجب عقود فردية مع عدة جامعات للطلاب الجامعيين. وتحدد العقود تخصصات الطلاب وتنص على وجوب إعلام الملحقية الثقافية السعودية في شمال فيرجينيا (التي تدير البرنامج الجامعي) إذا رغب الطالب في تغيير تخصصه. «الضمان المالي لا يغطي إلا الدرجة العلمية والتخصص المحدد أعلاه». هكذا ذكر في أحد عقود الطلاب في جامعة كنساس، وذكر أيضًا أن أي تغيير في تخصص الطالب يجعل العقد «باطلًا وملغى».

Embed from Getty Images

لا تدفع أي دولة أخرى رسوم طلابها في الجامعات الأمريكية بنفس تلك الطريقة المنهجية. إذ يدفع معظم الطلاب الأجانب الآخرين –ومنهم أكثر من 300 ألف طالب صيني- من أموالهم الخاصة بالإضافة إلى المنح التي يحصلون عليها من الجامعات الأمريكية ومن بلدانهم.

يفيد المقال بأنه في عام 2018، مثل السعوديون الـ411 في جامعة شرق واشنطن أكثر من 12% من إجمالي إيرادات الجامعة، بينما كانت نسبتهم 3% فقط بين الطلاب. أما جامعة شمال كنتاكي فقد درس بها ما يزيد عن 700 طالب سعودي على مر العقد الماضي. ووفقًا لفرانوسا لوروي، مدير برنامج المشاركة العالمية في الجامعة، كان أغلب هؤلاء الطلاب من الذكور، وكانوا يميلون إلى التخصص في الهندسة التكنولوجية. وهناك عدد كبير منهم متزوجون ويعيشون خارج الحرم مع عائلاتهم، وكان وجودهم ذا نفع إضافي للاقتصاد المحلي. يقول لوروي: «انتفع تجار السيارات منهم. لأن أغلبهم يشتري سيارة بمجرد وصوله».

يشير الكاتب إلى أن خريجي المدارس الثانوية السعوديين عادة لا يكونون بنفس درجة الكفاءة الأكاديمية مثل الصينيين والطلاب من البلدان الأخرى القادمين إلى الولايات المتحدة. وذكر أن خبيرًا استشاريًا يقدم المشورة إلى الجامعات في ما خص الطلاب الأجانب، أخبره بأن السعوديين يميلون إلى التوجه للجامعات الأقل انتقائية، حيث تسهل فرص قبولهم.

لا يضم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عددًا كبيرًا من السعوديين؛ إذ لم يلتحق به في عام 2018 سوى 6 طلاب جامعيين و27 طالب دراسات عليا (من بين 11.600 طالب تقريبًا). وعلاقات المعهد وتعاملاته مع السعودية هي مع الحكومة في الغالب ومع المؤسسات المختلفة التابعة للدولة. والأمر نفسه ينطبق مع الجامعات الأمريكية العليا.

«نشر القوة الناعمة»

يفيد سوكولوف بأن هناك ما لا يقل عن 25 جامعة تبرم عقودًا مع أرامكو أو سابك أو مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا (مؤسسة بحثية حكومية في الرياض)، ويتعاون معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مع الجهات الثلاث. ومعظم الاتفاقيات المبرمة تركز على الجوانب التقنية لاستخراج ومعالجة البترول والغاز الطبيعي.

ويعمل الاقتصاديون في مدرسة جون كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد مع الحكومة السعودية مباشرة لإعادة تقييم سوق العمالة السعودي من أجل اليوم الذي يتوقف فيه عن اعتماده على إيرادات البترول، وكذلك لزيادة فرص النساء والعمال الأصغر سنًا. وفي جميع تلك الحالات، فإن تعاون الجامعات الأمريكية مع السعودية هو أقرب ما يكون إلى تقديم المشورة، إلا أن الأكاديميين لا يسمونه كذلك إلا إذا كان عملًا جانبيًا؛ بل يسمونه أبحاثًا أكاديمية.

يرى الكاتب أن الفوائد العائدة على السعودية من تلك العلاقات جليّة، إذ تصل المملكة إلى العقول المدبرة في أعلى المعاهد الأكاديمية في أمريكا في سعيها إلى تحديث اقتصادها؛ وهو المشروع الذي أسماه الأمير محمد «رؤية السعودية 2030». وربما يعد الملتحقون بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على نفس درجة الأهمية، إذ يعملون على تحسين صورة المملكة. نظام الحكم في المملكة السعودية ملكي مطلق، معاد لحقوق المرأة وحقوق المثليين والمثليات ومزودجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًا، ولا يحمي حرية الصحافة أو التعبير، لكن روابطه خارج حدود البلاد تكاد تجعله يبدو أشبه بدولة أوروبية.

ويشير سوكولوف إلى إمكانية النظر إلى علاقات السعودية مع الجامعات الأمريكية من منظور آخر، وهو الترويج لنفسها؛ إذ تفيد الخطوات التي اتخذتها مؤخرًا لرعاية الأحداث الرياضية البارزة الغرض نفسه. يقول السفير السابق روبرت جوردان: «إنه نوع من نشر القوة الناعمة. على نفسه النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة لسنوات في أنحاء العالم».

يعود سوكولوف إلى رحلة الأمير محمد إلى كامبريدج العام الماضي، ويذكر قضاءه يومًا كاملًا في الممر الكبير الذي يصل طوله إلى ميلين (3 كيلومترات تقريبًا) والذي يعد أكثر الأماكن الأكاديمية مهابة. بعد ذلك الصباح في المعهد، قام برحلة قصيرة في موكبه إلى جامعة هارفارد، حيث شارك في ما يدعى اجتماع الطاولة المستديرة لهيئات التدريس، تلاه حفل استقبال لرؤساء الكليات المحلية.

Embed from Getty Images

لم يسأله أحد عن اليمن ولا عن أي شيء آخر. وقد وصف أحد المديرين في هارفارد، والذي ساعد في تنظيم تلك الفعالية لولي العهد، ما حدث بأنه لم يكن سوى «عرض. حفل استقبال وترحيب؛ خلا من أي محاورات أو فرص لطرح الأسئلة». كان تكرارًا لما فعله في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ويقول ريتشارد ليستر: «لقد طلبوا المجيء، فوافقنا على استقبالهم». ويذكر الكاتب أنه عندما سأل ليستر ما إذا كان يعرف أسباب زيارة ولي العهد، قال: «أعتقد أن أحد الأسباب المؤكدة هو النفع العائد على العلاقات العامة. وربما كانوا يتساءلون أيضًا عما نفعله هنا».

يشير سوكولوف إلى تأكيد مديري الجامعات التي تربطها علاقات مع السعودية على دورهم الذي يضطلعون به والذي وصفوه بـ«التأثير التحرري». تسهم جامعة نيو هافن، وهي جامعة خاصة لديها برنامج عدالة جنائية، في تعليم ضباط إنفاذ القانون السعوديين. وخضع البرنامج للمراقبة نظرًا للنظام القضائي السعودي الاستبدادي سيئ السمعة.

ويفيد الكاتب بأن الرئيس الحالي لجامعة هافن، ستيفن إتش كابلان، أخبره أن جامعته وضعت منهجًا دراسيًا مبنيًّا على القانون الدستوري الأمريكي، يقلل احتمالات انخراط الطلاب السعوديين في أعمال مثل الاعتقالات والتعذيب والإعدامات للمعارضين. يقول: «نساعد في تطبيق نوع التغيير الذي سيغرس في المواطنين هناك القيم التي تجعلهم يعارضون مثل تلك الأفعال المروعة ويقاومونها». وأقر بأنه لا يعرف بالضبط نوع الأنشطة التي يمارسها الطلاب بمجرد تخرجهم.

بالنسبة إلى النقاد، كانت تلك الجامعات تبيع أسماءها. تشير سالي هازلانجر، أستاذة الفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى منح الجامعة «الحروف الرمزية» للنظام السعودي، وتقول «هناك قوة لاسم المعهد ونزاهته ومصداقيته وتفوقه العلمي. وقد استخدمناهم لتلميع صورة محمد بن سلمان ونظامه».

تعاقدات الجامعات الأمريكية مع الشركات

في ليلة باردة في أواخر فبراير (شباط)، جاء 100 شخص إلى قاعة في قبو مكتبة كامبريدج العامة من أجل برنامج بعنوان «جامعة من هذه؟». تناول 24 متحدثًا، وهم خليط من الأساتذة والطلاب وأفراد المجتمع المحلي، عددًا من العلاقات التي اعتبروها مثيرة للريبة بين الجامعات المحلية وبين المؤسسات وأصحاب المصالح الأجنبية.

في منتصف تلك الليلة، قادت روث بيري، أستاذة الأدب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الحشد في هتاف شبيه بالأغنية الشعبية «لأي جانب تنتمي – which side are you on». بكلمات كتبتها هي من أجل هذه المناسبة. وكان أحد المقاطع يقول «جاء ولي عهد لزيارتنا – ليأخذنا من أيدينا – لا تشارك مع القتلة – في أراضي الشرق الأوسط»، وجاء في مقطع آخر «كلياتنا تمولها أموال الخائن».

يرى الكاتب أن النقاش حول انخراط السعودية في التعليم الجامعي الأمريكي يكرر صدى الحركة التي قامت منذ جيل مضى، ودفعت بالجامعات إلى الانفصال عن حقبة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والدعاوى التي صدرت في وقت أقرب، من بعض الأوساط للنأي عن إسرائيل، احتجاجًا على احتلالها الأراضي الفلسطينية. إذ عادة ما ترغب هيئات التدريس والطلاب –ومعهم المجتمعات المحيطة في المدن الحضرية مثل كامبريدج- أن تعكس الجامعات وضوحهم الأخلاقي والسخط الذي يشعرون به. كان إداريو هذه الجامعات الأمريكية يقاومون في معظم الحالات، بحسب رأي الكاتب.

أدخلت السعودية إلى الجامعات الأمريكية مبلغًا وصل إلى حوالي 650 مليون دولار من عام 2012 وحتى 2018، وهي تحتل المرتبة الثالثة على قائمة مصادر التمويل الأجنبي بعد بريطانيا، وفقًا للبيانات المسجلة في كشف الهبات الأجنبية. بينما تحتل قطر المرتبة الأولى، وهي دولة خليجية أخرى غنية بالنفط وخصم لدود للسعودية.

أما أعداء أمريكا الاستراتيجيين المدرجين في القائمة، ومنهم روسيا والصين، فتربطهم علاقات مختلفة؛ مثل شراكة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مع مؤسسة حاضنة للتكنولوجيا خارج موسكو، ويرأسها الملياردير فيكتور فيكسيلبيرغ، الذي كان بدوره راعيًا لمعهد ماساتشوستس إلى أن أدرجته وزارة المالية على قائمة الجزاءات.

Embed from Getty Images

يشير الكاتب إلى عدم اكتمال إجمالي المبلغ المذكور في كشف الهبات الأجنبية، وربما بفارق كبير. إذ لا تلتزم جميع الجامعات الأمريكية بقانون الإبلاغ عن مصادر التمويل الأجنبية بالطريقة نفسها، ويبدو أن بعض الجامعات لا تلتزم بها على الإطلاق. تتجاوز الرسوم الدراسية التي تدفعها الحكومة السعودية وحدها –والتي تبلغ بها بعض الجامعات دون الأخرى- المليار دولار، (إذا دفعت المملكة 20 ألف دولار رسومًا لكل طالب سعودي، سيكون الإجمالي 880 مليون دولار، إلا أن بعض الطلاب يلتحقون بجامعات خاصة تكلف مبالغ أكثر)، والجامعات نفسها لا تعرف على وجه التحديد ما عليها الإبلاغ عنه.

وأفاد الكاتب بأن النائب الأول لرئيس المجلس الأمريكي للتعليم، تيري هارتل، قال له: «إنه جانب غامض في قانون التعليم العالي تتجاهله بعض المعاهد».

يقول المسؤولون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إن إيراداته السنوية من عقوده مع أرامكو في السنوات الأخيرة تقل عادة عن 10 مليون دولار؛ وهو مبلغ زهيد بالنسبة لشركة البترول العملاقة، التي تصل أرباحها إلى حوالي مليار دولار يوميًا. ويفيد سوكولوف بأن الصفقات الجديدة تشتمل على البحث عن طرق أنظف وأكفأ لاستخراج البترول وتطويرها، بالإضافة إلى «التخطيط الحاسوبي، والذكاء الاصطناعي، ومجال الروبوتات وتكنولوجيا النانو».

تقع تلك الاتفاقيات ضمن إطار أكبر من ذلك بكثير: هو شراكات المعهد مع الشركات الكبرى في الولايات والمتحدة وخارجها. شركة أرامكو واحدة من أعضاء مبادرة الطاقة التابعة للجامعة، ومعها شركات إكسون موبيل ورويال داتش شيل وبي بي. وتمتلك أغلب الجامعات البحثية الكبرى الأخرى اتحادات مشابهة، وهو مفهوم ساعد المعهد في إرسائه: أن تدفع الشركات رسوم عضوية لرعاية الأبحاث والاستفادة من استنتاجاتها.

ومختبر وسائط الإعلام بالمعهد هو اتحاد مؤسسي آخر. وعلى الرغم من اسمه، ينصب تركيزه على العلوم الحاسوبية والتكنولوجيا بدلًا من الوسائط الإعلامية. ومديره جوي إيتو معروف بكونه مخترق، وشعاره للمختبر هو «Deploy or die – الانتشار أو الموت»، ومعناه أن الطالب ينبغي ألا يشعر بالخوف من الإسراع في اختبار أفكاره في السوق (إيتو عضو في مجلس إدارة شركة نيويورك تايمز).

يقول جوناثان كينج، أستاذ علم الأحياء في المعهد ورئيس هيئة تحرير النشرة الإخبارية بالكلية: «إنه النموذج التقليدي من استغلال الأموال الخاصة على درجة عالية جدًا. لم ينبثق مختبر وسائط الإعلام عن أولوية وطنية للعلوم أو الرغبة في إيجاد علاج للسرطان أو الزهايمر. أصول هذا المختبر ريادية وليست أكاديمية».

هل على الجامعات الأمريكية اتخاذ موقف؟

يرى الكاتب أن الروابط السعودية تثير سؤالًا آخر، وهو ما إذا كان ينبغي على الجامعات اتخاذ موقف أخلاقي أو سياسي. ويعتقد أن أفعال المملكة كانت متطرفة بما يكفي لتحث على تعاون نادر الحدوث بين الأحزاب في واشنطن؛ وكان في هيئة تصويت في مجلس الشيوخ في يونيو على حظر بيع الأسلحة للسعودية والإمارات –شريكتها في الصراع اليمني (ليس مرجحًا أن ينجو هذا الإجراء من الاعتراض/الفيتو الرئاسي).

ويقول الكاتب إنه عندما زار شيرين العضيمي في ولاية ميشيغان، بعد مرور ثمانية أشهر على الكلمة التي ألقتها على رصيف كامبريدج، كانت واضحة في رأيها عما يجب أن يفعله المعهد، قالت: «ينبغي أن ينأى المعهد بنفسه عنه (قاصدة ولي العهد). إذا كان قائدًا عسكريًا إفريقيًا من دولة فقيرة، هل كنا لنجري هذا النقاش أصلًا؟ هل كانوا ليتوخوا الحذر الشديد في أسلوب ردهم؟».

يطل مكتب ريتشارد ليستر على فناء المعهد المحفوف بالأشجار حيث تقام حفلات التخرج للطلاب في شهر مايو من كل عام. ولد ليستر في مقاطعة يوركشاير في شمال إنجلترا، ولا يزال إلى الآن يتحدث بلكنة بريطانية. قال بينما تمدد كلبه الصغير من نوع لابرادودل إلى جانب مكتبه، «أرجو ألا تمانع في وجود الكلب».

كان معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وحيدًا في تخبطه العلني فيما ينبغي فعله حيال روابطه مع السعودية، التي أكسبت الجامعة قدرًا من الاحترام المرير، حتى من منتقديها. يقول جريف بيترسون، الزميل السابق في مركز بيركمان كلين للإنترنت والمجتمع: «إنها الجامعة الوحيدة التي رغبت في المشاركة ومنحنا أي شيء لإصدار رد فعل». لا شك أن هناك أسباب تبرر خوفهم –هؤلاء داخل الحرم الجامعي أو في أي مكان آخر- من المجاهرة بمعارضة النظام السعودي.

في أغسطس (آب) الماضي، دعت كريستيا فريلاند، وزيرة الخارجية الكندية، إلى الإفراج عن ناشطي حقوق إنسان سعوديين معتقلين. كان ذلك مجرد توبيخ دبلوماسي، إلا أن السعودية، ردًا على ذلك، انتقدت كندا على «موقفها السلبي المفاجئ»، وأعلنت اتخاذها قائمة طويلة من التدابير الانتقامية، بما فيها استدعاء آلاف الطلاب السعوديين إلى بلادهم.

Embed from Getty Images

يذكر الكاتب أن واحدًا من الطلاب السعوديين الذين طلب منهم إجراء حوار معه، قال إنه لن يشارك إلا إذا أخفيت هويته. كتب في بريده الإلكتروني: «شكرًا على تواصلك معي. أرجو ألا تستخدم اسمي الحقيقي أو انتمائي أو أي معلومات وصفية في أي عمل منشور». ويقول الكاتب إنهما عندما تقابلا، قال الطالب إن «حرية التعبير انحدرت أكثر، على النقيض مما اعتبره خطوات إصلاحية اقتصادية من جانب الحكومة. لا يمكنك المخاطرة بالانتقاد المعتدل حتى. وفي حال كنت معارضًا صريحًا، فهناك احتمال كبير أن ينتهي بك الحال في السجن».

يذكر الكاتب أنه أخبر ليستر وهو في مكتبه عن مقابلة أجراها في اليوم السابق مع مسؤول إداري كبير في هارفارد. وحسبما قال، أعرب المسؤول عن سروره للتحدث معه عن علاقات الجامعة بالسعودية عند وصوله –الكاتب- إلى كامبريدج. إلا أنه عندما جلس في مكتبه، أبلغه المسؤول خجلًا أنه لا يريد أن يذكر اسمه. واعتذر عن ذلك قائلًا إن تلك التعليمات أتت من جهة إدارية أعلى.

يحكي الكاتب ما حدث أثناء اللقاء في مكتب ذلك المسؤول، حيث أعطاه من خلف مكتبه تصريحًا من فقرتين؛ كتب فيهما أن الجامعة ستتوقف عن تخصيص 100 مقعد للطلاب السعوديين في برنامجها الصيفي، وهؤلاء الطلاب ترعاهم المؤسسة الشخصية لولي العهد، المعروفة بأكاديمية «مسك». لم يكن التصريح موقعًا ولم يكن قد كشف علنًا أيضًا، -كانت الورقة مرسلة من مكتب العميد- لم تفسر على وجه التحديد لم ألغيت الاتفاقية، بل كتب فقط أنها «لم تجدد». ولم تكن هناك إشارة صريحة إلى خاشقجي، بل كتب: «نتابع الأحداث الأخيرة بقلق ونقيّم التعقيدات المحتملة للبرامج القائمة».

وعندما قال الكاتب لليستر إن الآخرين يبدون الاقتضاب في حديثهم عن السعودية، إذا تحدثوا عنها أصلًا، قال بجفاء: «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا له ثقافته الخاصة به، وتلك الثقافة حسبما أعتقد تقدر الحقائق».

عرف ليستر أن أيًا كان ما سيوصي به رايف (رئيس المعهد) سوف يثير امتعاض بعض الناس. وفي تقرير ديسمبر (كانون الأول)، أشار إلى أن المعهد صار على وعي «بالقمع الداخلي والعنف الخارجي» في السعودية، إلا أنه حتى وقت قريب، ظل البعض يعتقد أن المملكة في طريقها لتكون مجتمعًا تقدميًا. وكتب: «أحبط اغتيال خاشقجي آمالًا كثيرة. وكانت هناك أيضًا حقيقة هامة في تلك القضية، ألا وهي المزيج الجامع بين التبجح والوحشية والاستخفاف بالرأي العام الدولي، ما جعلها تبرز حتى بين أعمال العنف العالمية الرسمية».

هل هي حقًا «قضية معقدة؟»

طلب ليستر الحصول على تعليقات من مجتمع المعهد –الطلاب والخريجين وهيئة التدريس- وكان ردت أغلب من شاركوا هو رغبتهم في قطع العلاقات المباشرة مع المملكة والمؤسسات وثيقة الصلة بها. وفي خطاب لاحق كتبه ليستر في يناير (كانون الثاني) -نشر علنًا أيضًا على شاكلة التقرير الأولي له- لاحظ أن أغلب من أدلوا بتعليقهم لم يكن ما روّعهم هو «عملية اغتيال خاشقجي ومحاولة التستر عليها» فقط، بل أيضًا «الأعمال الوحشية التي ترتكب في حق المدنيين في اليمن، وقمع الحقوق الإنسانية، وغياب أبسط حقوق النساء في تقرير مصائرهن، واضطهاد المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًا من السعوديين، والتعدي على حرية التعبير في المملكة».

Embed from Getty Images

ووفقًا لليستر، تلقّى المعهد في السنة المالية الأخيرة 7.2 مليون دولار لرعاية الأبحاث من خمس مصادر سعودية: هي أرامكو وسابك ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا وجامعتين حكوميتين. وحسبما قال: «إنه مبلغ تافه للغاية».

أفاد سولوكوف أنه في النهاية، لم يقطع المعهد علاقاته إلا مع مؤسسة سعودية واحدة هي «مسك»، التي كانت عضوًا في مختبر وسائط الإعلام. ويفيد الكاتب بأن إيتو أخبره بأن المؤسسة «عانت بعض المشكلات في تسديد المدفوعات»، لكنه رفض الإيضاح أكثر. وكتب في بريد إلكتروني «كسياسة متبعة، فنحن لا ندلي بتعليقات عن الأعضاء وأسباب رحيلهم».

أوصى ليستر أن يحافظ المعهد على شراكاته مع السعوديين، بما في ذلك المؤسسات الحكومية. ومن جانبه منح المعهد كبار الباحثين في هيئة التدريس الحق في اختيار إنهاء التعاون. ووفقًا لمجلة فوربس، يبلغ نصيب أرامكو حوالي 87% من ميزانية المملكة العربية السعودية. ومن منظور النقاد، فإن المسؤول عن تمويل الحرب في اليمن وعن اعتقالات المعارضين وعن كل ما يحدث في المملكة، هو شركة البترول العملاقة.

يقول ليستر، وفقًا للكاتب: «إنها قضية معقدة. أعرف أن البعض لا يرى فارقًا بين تلك المؤسسات؛ إنهم جميعًا جزء من النظام والحكومة». وأبرم أنه يمكن وضع خط فاصل بين هذا وذاك، وأنه حتى بعض الشركات شديدة القرب من النظام السعودي لعبت دورًا ملطفًا لحدة التأثيرات المجتمعية؛ مثل تعيين مهندسات ومديرات إناث.

وافق رايف على التوصيات التي قدمها ليستر، وفرق في خطابه بين الحكومة السعودية والمواطنين السعوديين الذين عمل المعهد معهم. كتب: «بعد معرفة هؤلاء الأفراد، يستحيل ألا ترى اختلافهم عن النظام الذي لم يختاروه وليس في وسعهم السيطرة عليه». وقد أمل الناقدون لعلاقات الجامعة مع المملكة في نهاية مختلفة.

ختامًا، يورد الكاتب ما قاله جوناثان كينج، رئيس هيئة تحرير النشرة الإخبارية بكلية المعهد: «تحدث ليستر عن ضآلة الأموال السعودية مقارنة بالميزانية بأكملها. كان بإمكانه أن يقرر أننا لسنا مجبرين على إقامة علاقات وثيقة مع القتلة ومع الحكومة التي تعتقل النساء الناشطات. لكنه أصر على الحفاظ على العلاقات. لا أفهم. لماذا يلطخ المعهد سمعته المحلية والدولية من أجل مبلغ تافه كهذا؟».

مترجم: هل نجحت الجامعات الأمريكية في الشرق الأوسط وما الذي يهدد مستقبلها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد