حذر تقرير صدر مؤخرًا عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، من «عودة» «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وسلط الضوء على حقيقة أصبحت واضحة للغاية: «حرب واشنطن على الإرهاب» فاشلة. 

على الرغم من تشكيل «تحالف عالمي» لمحاربة (داعش) في سبتمبر (أيلول) 2014، يقدر تقرير البنتاجون أنه لا يزال هناك ما بين 14 ألف و18 ألف مقاتل من (داعش) في العراق وسوريا. ويجادل التقرير أيضًا بأن الجماعة الإرهابية قد عززت قدراتها في التمرد. هذه التقديرات والتقييمات هي أحدث دليل يثبت أن الولايات المتحدة قد تبنت مقاربة خاطئة لمكافحة الإرهاب، على حد وصف الكاتب علي رزق، في مقال نشره موقع «لوب لوج» الأمريكي.

 الجماعات الإرهابية لا تزال خطيرة كما كانت دائمًا

يقول رزق: «منذ أعلن الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش «الحرب على الإرهاب» في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، يمكن القول: إن مشكلة الإرهاب تفاقمت. وفي حين أن واشنطن لم تشهد «أحداث 11 سبتمبر» أخرى، إلا أن هناك اعتقادًا سائدًا بأن تنظيم «القاعدة» يشكل خطورة كما كان دائمًا. 

وخلصت دراسة أجراها بروس هوفمان من مجلس العلاقات الخارجية في مارس (آذار) 2018 إلى أن تنظيم القاعدة تمكن من تشكيل حركة عالمية تضم أكثر من 20 فرعًا تابعًا، تمتد من شمال غرب أفريقيا إلى جنوب آسيا».

كما حذر المسؤولون الأمريكيون من التهديد الذي تمثله القاعدة. حيث حذر منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية ناثان سيلز، خلال مؤتمر صحافي عقد في وقت سابق من هذا الشهر، من أن تنظيم القاعدة اليوم «قوي مثلما كان في أي وقت مضى». بل ازداد تواجد القاعدة في بعض الأماكن، مثل: اليمن، والصومال، وسوريا منذ عام 2001.

في الوقت ذاته، لا يقتصر تهديد تنظيم الدولة على  سوريا والعراق، بل للجماعة الإرهابية فروعًا في نيجيريا، وسريلانكا، وأفغانستان، والفلبين، وأماكن أخرى. وفي وقت سابق من هذا الشهر أعلنت مسؤوليتها عن هجوم إرهابي وحشي استهدف حفل زفاف في كابول أسفر عن مقتل 80 شخصًا على الأقل.

السعودية وإسرائيل: عقبات في «الحرب على الإرهاب»

ويرى رزق أن فشل واشنطن في «الحرب على الإرهاب» له علاقة كبيرة بحقيقة أن اثنين من أقرب حلفائها هما المملكة العربية السعودية وإسرائيل. فالقاعدة و(داعش) حركتان إرهابيتان ملتزمتان بالمذهب الوهابي الذي ترعاه السعودية، وهي أيديولوجية متطرفة ضيقة الأفق نشرتها السعودية في جميع أنحاء العالم.

وسلطت تفجيرات عيد الفصح، التي وقعت يوم الأحد في سريلانكا وأسفرت عن مقتل أكثر من 250 شخصًا، الأضواء مرة أخرى على الوهابية ودور السعودية في نشرها. وتم ترحيل خمسة سريلانكيين يعتقد أنهم على صلة بالتفجيرات من السعودية إلى سريلانكا، حيث احتجزوا لدى الشرطة. كما اعتقلت السلطات السريلانكية عالمًا وهابيًا في أعقاب التفجيرات.

وعلى الرغم من شريان الحياة الأيديولوجي الذي توفره السعودية لهذه الجماعات الإرهابية، فإنها لم تكن أبدًا محور «حرب واشنطن على الإرهاب»، بحسب رزق. حيث ركزت الإدارات الأمريكية على الوسائل العسكرية التي تشمل قتل كبار قادة الإرهاب، دون معالجة العامل الأيديولوجي الجوهري. لذلك فشلت واشنطن في «تدمير الفكرة» وسرعان ما تمكنت الحركات الإرهابية من تجديد صفوفها بإرهابيين جدد يحلون محل أولئك الذين قتلوا.

وتحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، أصبحت السعودية عنصر تمكين أكبر لتنظيم القاعدة. ونظرًا للحرب السعودية المتهورة في اليمن، توسع وجود القاعدة في شبه جزيرة العرب (التي غالبًا ما توصف بأنها أكثر فروع القاعدة خطورة) في تلك البلاد.  وتضافرت جهود السعودية مع القاعدة في اليمن ضد حركة الحوثيين. ومع ذلك دعمت واشنطن الحرب السعودية في اليمن منذ البداية، وضاعفت إدارة ترامب في هذا الدعم.

إن العداء الإسرائيلي لإيران وحزب الله يعتبر سببًا رئيسيًا وراء تصنيف الولايات المتحدة لهاتين الجهتين الفاعلتين على أنهما إرهابيتان، بينما هما في الواقع قد قاتلا ضد الإرهابيين في أماكن مثل سوريا والعراق. ودعمت إسرائيل القوات المناهضة للأسد في سوريا، وأوضح المسؤولون الإسرائيليون أنهم يفضلون الاستيلاء الوهابي على تلك الدولة بدلًا عن بقاء الرئيس الأسد في السلطة.  

إذًا ما السبب في مناهضة إسرائيل للأسد؟ يجيب رزق عن هذا السؤال قائلًا: «إن السبب هو تحالفه مع إيران». في مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست في سبتمبر 2013، علق السفير الإسرائيلي في واشنطن في ذلك الوقت، مايكل أورين، قائلًا: «كنا نريد دائمًا رحيل بشار الأسد، لقد فضلنا دائمًا الأشرار الذين لم تدعمهم إيران على الأشرار الذين تدعمهم إيران». 

بل ذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك إلى حد تقديم المساعدة لعناصر القاعدة الذين يقاتلون الدولة السورية. وكشف تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال في مارس 2015 أن إسرائيل قدمت العلاج الطبي لإرهابيي القاعدة الذين أصيبوا في القتال.

إلى حد كبير، بسبب سياسة واشنطن التقليدية في المنطقة: «إسرائيل أولًا»، اختارت هي أيضًا الانحياز إلى جانب القوى المناهضة للأسد، على الرغم من أن شريحة كبيرة منهم كانوا متطرفين وهابيين ينتمون إلى جماعات مثل القاعدة و(داعش).  

ومع ذلك، من الناحية المنطقية، فإن مصالح واشنطن تتطلب اتباع النهج المعاكس بالضبط. وقد اتضحت تلك النقطة في مناسبتين منفصلتين على لسان وزير الدفاع الأسبق تشاك هيجل. ففي بداية عام 2016 – بعد ترك منصبه – علق هيجل قائلًا: «لقد سمحنا بأن نصاب بالجمود والشلل فيما يتعلق بسياسة سوريا نتيجة مقولة القائل: «على الأسد أن يرحل». بينما الأسد لم يكن عدونا يومًا». وفي مقابلة مع «سي إن إن» في أواخر عام 2015 (أيضًا بعد ترك منصبه)، صرح هيجل: «(داعش) تمثل التهديد الحقيقي لبلدنا والعالم»

 سياسات إدارة ترامب: نتائج عكسية بدرجة أكبر

وتابع رزق: «في حين أن «حرب واشنطن على الإرهاب» بحاجة إلى إصلاح كامل، يبدو أن إدارة ترامب تتحرك في الاتجاه المعاكس. وكانت أول زيارتين يقوم بها ترامب إلى الخارج كرئيس إلى السعودية وإسرائيل، وأصبح تعزيز العلاقات الأمريكية مع هذين الحليفين سمة مميزة لسياسة البيت الأبيض الخارجية».

كما أن تصنيف إدارة ترامب فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية كان بمثابة حلم أصبح حقيقة بالنسبة للسعودية وإسرائيل، وفي الوقت ذاته كانت خطوة تتعارض مع أي نهج منطقي في مكافحة الإرهاب؛ حيث أثبتت إيران وحلفاؤها مثل «حزب الله» قدرتهم على محاربة الإرهابيين الوهابيين.  ويختم رزق مقاله قائلًا: «بسبب الكراهية الخاصة التي يكنها هؤلاء الإرهابيون للشيعة، يتمتع المقاتلون الإيرانيون وحزب الله بميزة عقائدية، ولديهم حافز قوي لشن هذه المعركة. وبالتالي فإن النهج المنطقي هو أن تتعاون واشنطن مع إيران وحلفائها في الحرب ضد الإرهاب. لكن من المحزن أن إدارة ترامب بددت أية فرص في أن يصبح ذلك حقيقة واقعة».

«ناشيونال إنترست»: كيف يبدو مستقبل الجماعات الجهادية العالمية بعد سقوط داعش؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد