«إذا كان أحد لا يزال يتساءل عما إذا كان تغير المناخ يمكن أن يؤدي إلى تفاقم النزاعات الدولية العنيفة؛ فكل ما عليه فعله هو النظر إلى السعودية، حيث ضربت الطائرات بدون طيار منشآت النفط التابعة لشركة أرامكو في الجزء الشرقي من البلاد يوم 14 سبتمبر (أيلول)»، حسبما كتب الصحفيان لي فانج، وشارون ليرنر في مجلة ذي إنترسبت.

وبينما كانت إدارة ترامب تُحَمِّل إيران اللوم، أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن الهجوم على شركة أرامكو للنفط المملوكة للدولة، والتي تُعَدّ مصدر ثروة هائلة للمملكة، وأيضًا أكبر شركة في العالم تطلق انبعاثات الغازات الدفيئة؛ وهي أحد الدوافع الرئيسية لحالة الطوارئ المناخية التي تجعل الحياة أكثر صعوبة في جميع أنحاء المنطقة.

وأوضح التقرير كيف أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى تفاقم نقص المياه في اليمن، حيث يفتقر حوالي 19 مليون شخص بالفعل إلى المياه النظيفة والصرف الصحي؛ بسبب سوء الإدارة والجفاف. لافتًا إلى أن «السعوديون استخدموا هذه الندرة في المياه سلاحًا في حربهم في اليمن، مستهدفين مناطق (محددة) لقربها من الأراضي الخصبة، ولتدمير البنية التحتية للمياه».

«الجارديان»: كيف اخترقت الصواريخ الدفاعات السعودية للهجوم على أرامكو؟

في الوقت ذاته، تواجه المملكة العربية السعودية بعض أسوأ المخاطر الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة. ففي هذا الصيف، بلغت درجة الحرارة في مدينة المجمعة، الواقعة وسط المملكة، 131 درجة فهرنهايت (55 درجة مئوية)، إلى جانب التصحُّر السريع الذي لوحِظ في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية.

ويضيف الكاتبان: «أطلقت أرامكو السعودية، الشركة الأكثر ربحية في العالم، أكثر من 40 مليار طن متري من الغازات الدفيئة بين عامي 1992 و2017، أي ما يعادل حوالي خمسة في المائة من ثاني أكسيد الكربون والميثان الصناعي. وتواجه الشركة، التي تديرها العائلة المالكة السعودية عن كثب، الآن تحديات تغير المناخ بطرق تعكس النهج الذي يتبعه العديد من عمالقة الوقود الأحفوري في الغرب: من خلال إطلاق جهد لإعادة صياغة هويتها بما يضعها في موقع الشركة الرائدة في مجال البيئة».

واستشهد التقرير بتصريح أمين ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، خلال مؤتمر الطاقة العالمي في أبو ظبي الأسبوع الماضي: «لا يوجد حد لإمكانات صناعتنا؛ إذا تمكنا من تلبية طلب المجتمع للحصول على طاقة نظيفة للغاية». وأيضًا بمقاطع الفيديو الترويجية التي نشرتها صفحات الشركة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذكر أحدها الشهر الماضي أن شركة النفط السعودية العملاقة عملت على الاستفادة من قوتها البحثية «من أجل تحقيق تخفيضات كبيرة في ثاني أكسيد الكربون». كما أوضح فيديو آخر كيف تركز الشركة على تكنولوجيا تتحكم في الانبعاثات، مؤكدًا أن أرامكو «ملتزمة باتخاذ إجراءات عاجلة بشأن تغيُّر المناخ».

ويستدرك التقرير: «لكن الحملة النبيلة التي ترعاها شركة النفط السعودية لتلميع اسمها تتناقض مع تاريخها المذهل في تقويض الإجراءات المتخذة لمعالجة أزمة المناخ، وهو جهد متضافر يستهدف الحفاظ على أرباح أرامكو. وفي تناقض صارخ مع الحملة الخضراء الرامية إلى إظهار حرص الشركة على البيئة، لعبت السعودية دورًا هادئًا لكنه قوي في إحباط سياسة المناخ الاستباقية في مؤتمرات الأمم المتحدة ومعارك السياسة الداخلية الأمريكية على حد سواء».

30 عامًا من العراقيل السعودية

يتابع التقرير: «طيلة ما يقرب من 30 عامًا، لعب الوفد السعودي دورًا بارعًا في عرقلة الجهود العالمية المبذولة لخفض انبعاثات الكربون». هذا الدور السعودي، قالت عنه جوانا ديبليدج، رئيسة تحرير مجلة «سياسة المناخ»: «كان السعوديون بارعين للغاية في التأكد من اتخاذ التدابير الضعيفة فقط». 

وتكشف البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي سربتها تشيلسي مانينج «عناد السعودية في مفاوضات المناخ الأخيرة». حيث أعرب جيمس سميث، سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى المملكة آنذاك، عن أسفه «للعقبات التي أظهرها المفاوضون السعوديون في كثير من الأحيان»، في رسالة عبر البريد الإلكتروني تنقل محادثات التفاوض إلى مسؤولي وزارة الخارجية.

ويسترجع التقرير تصريحًا أدلى به محمد الصبان، الذي كان آنذا مسؤولًا في قطاع النفط خلال مفاوضات عام 2009 في كوبنهاجن للتوصل إلى اتفاق بشأن المناخ، على شاشة التلفزيون قائلًا: «لا توجد علاقة على الإطلاق بين الأنشطة البشرية وتغير المناخ»، وأضاف: أنه «مهما فعل المجتمع الدولي للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة فلن يكون لذلك أي تأثير على التقلبات الطبيعية في المناخ». حتى بعدما تقاعد من منصبه الحكومي، لم يغير «الصبان» موقفه. ففي تغريدات وجهها مؤخرًا لصحفي أمريكي، أعلن أن «ترامب سيظل في منصبه لفترة أخرى؛ لقتل كل أكاذيبكم المناخية الفارغة».

أرامكو

وعلى الرغم من أن أرامكو قد أعادت صياغة علامتها التجارية، فإن استراتيجية الحكومة في إعاقة مفاوضات المناخ العالمية لم تتغير.

وبينما كانت السعودية تقف حجر عثرة في طريق تقدُّم حالة المناخ منذ التسعينيات، يتساءل «ديبليدج»: «عما إذا كان الأمر لم يزدد سوءًا»، مشيرًا إلى أنه خلال مفاوضات الأمم المتحدة الأخيرة حول تغير المناخ في مدينة كاتوفيتشي البولندية «كانت السعودية توجه الانتقاد الشديد للنقطة تلو الأخرى» في أحدث تقريرٍ للجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وانضمت السعودية إلى الولايات المتحدة وروسيا والكويت للاعتراض على الصياغة الترحيبية بهذا التقرير، الذي نُشِرَ في أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، وحدد آثار الاحترار بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة. ويشير التقرير إلى أن الفارق بين 1.5 ودرجتين من الاحترار- التي كانت محور العمل السابق- يمكن أن يُعَرِّض 10 ملايين شخص آخرين لتهديدات ارتفاع مستوى سطح البحر، ويجعل عشرات الملايين من الناس يعانون من الحرارة الشديدة وندرة المياه والفيضانات. ومن المتوقع أيضًا أن يؤدي الفارق بمقدار 0.5 درجة إلى مضاعفة عدد الأنواع النباتية والحيوانية المعرضة للانقراض.

ما أفصحت عنه بيانات أرامكو

صحيحٌ أن أرامكو تحقق أرباحًا تتجاوز 111 مليار دولار سنويًا، إلا أن المعلومات التي أفصحت عنها الشركة مؤخرًا في إطار خطتها لطرح سندات دولية، تكشف أن الإيرادات المستقبلية يمكن أن تتقلص بشكل حاد إذا بدأت الاقتصادات الكبرى في التحول إلى الطاقة المتجددة. وأن «مخاوف تغير المناخ وتأثيراته يمكن أن تقلل الطلب العالمي على الهيدروكربونات». وتشمل السياسات التي يمكن أن تُلحِق الضرر بالطلب على النفط «الحد الأقصى لانبعاثات الكربون، والأنظمة التجارية، وضرائب الكربون، وزيادة معايير كفاءة استخدام الطاقة، والحوافز والتفويضات المتعلقة بالطاقة المتجددة». 

وأشارت بيانات أرامكو أيضًا إلى أن التقدم التكنولوجي، مثل السيارات الكهربائية، قد يقلل أيضًا من الطلب على المنتجات النفطية المكررة. وبينما تتجه العديد من الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى اعتماد تخفيضات لانبعاثات الكربون تماشيًا مع اتفاقية باريس، تحذر أرامكو من أن هذا الاتجاه قد يُسَرِّع تخفيض استخدام الوقود الأحفوري.

وتوضح البيانات أيضًا تركيز الشركة على مجموعة من المنتجات البترولية، بما في ذلك وقود الطائرات النفاثة. فخلال محادثات المناخ في كاتوفيتشي العام الماضي، اعترضت السعودية على تقرير منظمة الطيران المدني الدولي عن آثار الطيران المناخية، وهو ما يعكس اهتمامات أرامكو بإنتاج وقود الطائرات. بيدَ أن الشركة امتنعت عن التعليق على ما نشره موقع «ذي إنترسبت». 

تمويل الإنكار الأمريكي للتغير المناخي

يتابع التقرير رصد الدور السعودي قائلًا: بعيدًا عن المسرح الدولي، ترك تأثير نفوذ اللوبي السعودي بصمته على المعارك المحلية بشأن تغير المناخ. وبراعة حملات الضغط السعودية لها سمعة أسطورية في دوائر بلتواي، ويرجع الفضل في معظمها إلى تأثيرها على عمليات البيع المربحة للأسلحة الأمريكية وغيرها من القضايا الساخنة. وتحتفظ الحكومة (السعودية) وشركاتها التابعة التي تديرها الدولة بقائمة تضم حوالي 145 وكيلًا مسجلًا يسعون إلى التأثير على السياسة العامة الأمريكية.

ما يحظى بتمحيص أقل- بحسب التقرير- هي شركات أرامكو التي لديها مقعد على الطاولة مع شركات النفط العملاقة الأخرى التي تسعى إلى التأثير على سياسات الطاقة المحلية. حيث تمتلك أرامكو العديد من المصافي والمصانع الكيماوية، بما في ذلك أكبر مصفاة نفط في أمريكا الشمالية، في مدينة بورت آرثر بولاية تكساس، من خلال شركة تابعة اسمها: Motiva Enterprises. هذه الشركة المملوكة لأرامكو تبيع البنزين من خلال محطات الغاز التي تحمل علامة «شل» في جميع أنحاء الجنوب الشرقي.

وتُشَكِّل شركة Motiva، مثل شركات النفط الكبرى الأخرى، النقاش حول الطاقة إلى حد كبير من خلال المجموعات التجارية الصناعية. والشركة عضو في مجموعة المُصَنِّعين الأمريكيين للوقود والبتروكيماويات، التي لعبت العام الماضي دورًا حاسمًا في هزيمة مبادرة اقتراع ولاية واشنطن 1631، وهي استفتاء حكومي يهدف إلى فرض ضريبة على الكربون.

Embed from Getty Images

كما منحت «مجموعة المُصَنِّعين» 1.25 مليون دولار لحملة المعارضة، التي استخدمت الأموال لإغراق الناخبين بإعلانات تحث على هزيمة الإجراء. وتُموِّل أيضًا العديد من المجموعات التي لعبت دورًا حيويًا في الخطاب الذي يدور حول علوم المناخ، فقدمت 75 ألف دولار سنويًّا إلى معهد هارتلاند، وهو مركز أبحاث متطرف يشتهر بإعلانه عن عدم وجود سبب أو دليل بشري على تغير المناخ، ورعى حملة دعائية تقارن بين المعنيين بتغير المناخ وأونابومبر (القاتل المتسلسل تيد كازينسكي) وأسامة بن لادن. 

ويشير التقرير إلى أن أموال المجموعة، التي تستخدم أموال شركات النفط الأعضاء، تتدفق إلى المجموعات الأخرى التي تضغط لمواجهة سياسات الطاقة المتجددة. كما تُمَوِّل مجلس التبادل التشريعي الأمريكي، ومعهد المؤسسات التنافسية، وتحالف الطاقة الأمريكي، وهي المجموعات الثلاث التي اعترضت جميعها على سياسات صديقة للمناخ مثل: معيار الوقود المنخفض الكربون، وسن برامج تجارة الكربون.

أرامكو أيضًا عضو رئيس في مجلس إدارة معهد البترول الأمريكي، مجموعة الضغط القوية التي تتمتع بنفوذ كبير في واشنطن العاصمة، وترعى الإعلانات التلفزيونية، وتوظف جماعات الضغط، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع إدارة ترامب. وخلص تحقيق أجري مؤخرًا إلى أن كلاً من مجموعة المُصَنِّعين الأمريكيين للوقود والبتروكيماويات ومعهد البترول الأمريكي يشاركان بعمق في الجهود التي تبذلها الدولة لعرقلة استثمارات السيارات الكهربائية.

وفي الأشهر الأخيرة، استأجرت أرامكو، من خلال فرعها Motiva، مجموعة Nickles، وهي شركة ضغط أسسها السيناتور الجمهوري السابق دون نيكلز، للتأثير على السياسة التنظيمية. وركز فريقها على معيار الوقود المتجدد، وهو قانون مثير للجدل يطالب مصافي التكرير بمزج الإيثانول أو شراء ائتمانات من مصافي التكرير الأخرى. وتموِّل أرامكو أيضًا مجموعة متنوعة من مراكز أبحاث بيلتواي، بما في ذلك مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، وهي مجموعة معتدلة تشجع الحفاظ على التحالف الاستراتيجي الأمريكي مع المملكة العربية السعودية.

الاستعداد لمناخ أكثر قسوة

حتى في الوقت الذي يعارض فيه السعوديون الجهود المبذولة لخفض الانبعاثات خلال مفاوضات المناخ، فإنهم يستعدون لمواجهاتها في ساحات أخرى. ومع الزيادة المتوقعة في السيارات الكهربائية، تستعد «أرامكو» السعودية للانتقال من النفط الخام إلى البتروكيماويات. وأعلنت شركة النفط الحكومية في مارس (آذار) أنها ستشتري حصة مسيطرة في «سابك»، الشركة السعودية للصناعات الأساسية، لتوظيف المنتجات غير كثيفة الكربون في ثروتها النفطية. 

ويختم التقرير بالقول: بينما تعرقل السعودية الجهود الدولية والمحلية الرامية إلى معالجة تغير المناخ، فإن المملكة تعاني بالفعل من بعض أسوأ آثارها. إذ سيصبح ارتفاع درجات الحرارة القياسية في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية هذا الصيف هو القاعدة بشكل متزايد، وفقًا للباحثين، مما يجعل أجزاء من البلاد ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها غير صالحة للسكن.

وفي الوقت ذاته، بدأت مدينة جدة السعودية، الواقعة إلى الغرب على ساحل البحر الأحمر، تشهد فيضانًا سنويًا. وصُنِّفَت المملكة من بين أكثر الدول «التي تعاني من الإجهاد المائي» في العالم؛ وهو مأزق تتعامل معه باستخدام مزيد من أرباح الوقود الأحفوري والوقود الأحفوري ذاته، لتحلية مياه البحر وضخها.

من القاعدة إلى الحوثيين.. كيف حضرت السعودية بالأمس «العفاريت» التي تحاربها اليوم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد