بينما تُصَعِّد إدارة ترامب حدة عدائها ضد إيران، تواترت الأنباء هذا الأسبوع حول عقد المملكة العربية السعودية محادثات سرية مع الجمهورية الإسلامية؛ سعيًا لنزع فتيل التوترات في المنطقة، حسبما رصد «بيتر هين»، أستاذ العلوم السياسية المساعد في كلية الآداب والعلوم بجامعة فيرمونت، عبر تحليلٍ نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية. 

في البدء، كان مراقبون كثيرون يفترضون أن السعودية والإمارات تتطلعان إلى إشعال مواجهةٍ مع إيران، وأن سلوكهما العدوانيّ يمكن أن يجرّ الولايات المتحدة إلى صراع إقليمي جديد. 

بيدَ أن السعودية والإمارات لم تشعلا حربًا بين واشنطن وطهران؛ ما يشير إلى أن الدولتين الخليجيتين أكثر ترددًا حيال خوض حرب مع إيران مما يفترض الكثير من خبراء السياسة، بل قد يكونان في الواقع أحد عوامل ضبط النفس، كما يذهب «هين».

إرهاصات كاذبة للحرب مع إيران

عندما انسحبت الإدارة الأمريكية من الصفقة النووية الإيرانية في عام 2018، شعر خبراء كثيرون بالقلق من أن ذلك ربما يكون إرهاصًا للحرب. ثم جاءت التصرفات السعودية لتفاقم هذا الخوف. ذلك أن القادة السعوديين كانوا يشعرون بالإحباط من تواصل إدارة أوباما (مع إيران) واستقبلوا بسعادةٍ موقف ترامب العدواني تجاهها.

Embed from Getty Images

تفاقمت التوترات الإقليمية أكثر حين أظهر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان موقفًا عدوانيًا تجاه إيران. وبدأ بعض المحللين يعربون عن قلقهم صراحةً من أن السعودية – والإمارات التي تحذو حذو المملكة في كثير من الأحيان – ستجر الولايات المتحدة إلى أتون الحرب. 

يعلِّق «هين» على هذا السيناريو قائلًا: «لن تكون هذه هي المرة الأولى التي يجر فيها الحلفاء الضعفاء غير المسؤولين رعاتهم الأقوياء إلى حرب لم يرغبوا في خوضها، وفي مقدمات الحرب العالمية الأولى خير شاهد على ذلك». 

ويستشهد التحليل بدراسةٍ خلُصَت إلى أن المناطق المتوترة تعاني من سياسات تحالف معقدة. فعندما تعتقد الحكومات أن الحرب الهجومية ستكون سريعة وفعالة، فإنها تصبح معتمدة على حلفائها. وإذا بدأت الحكومة حربًا، فإن حلفاءها يعتقدون أنه يتعين عليهم تقديم المساعدة. وبهذه الطريقة يمكن أن يتحوَّل النزاع العسكري الصغير إلى حرب واسعة.

والولايات المتحدة حليف وثيق للسعودية والإمارات. وتعتمد واشنطن على البلدين لتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة وضمان حرية الوصول إلى المنطقة، وهما دولتان يتمتعان بنفوذ كبير على السياسة الأمريكية، خاصة في عهد إدارة ترامب، على حد وصف الكاتب. 

ولأن إيران قوة عسكرية واقتصادية كبيرة، متاخمة لأراضي هاتين الدولتين الخليجيتين، فإنهما تعتقدان أن إيران تشكل تهديدًا لسلامتهما. كذلك توجد اختلافات أيديولوجية بين هذين المعسكرين؛ فغالبية سكان السعودية والإمارات من أهل السنة، بينما تسكن إيران أغلبية شيعية. 

بالإضافة إلى ذلك، تخضع السعودية والإمارات لحكم ملكيّ محافظ، يشعر بالقلق من تداعيات الاضطربات السياسية. وعلى النقيض من ذلك يحكم إيران نظام حكم ثوريّ، حاول إثارة الاضطرابات السياسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، خاصة في قلب السعودية. 

حدثان كان يمكن أن يشعلا الصراع.. لكنه لم يحدث

إذا كان حلفاء الولايات المتحدة في الخليج يريدون حقًا خوض حرب مع إيران، فربما كان بإمكانهم – حسبما يخلص التحليل – استغلال حادثتين بعينهما لدفع الولايات المتحدة إلى ساحة المعركة:

أولًا: في مايو (أيار)، حين ضربت تفجيرات ناقلات نفط في مياه الإمارات ودمرتها، وافترض كثيرون – بما في ذلك إدارة ترامب – أن إيران كانت وراء الهجوم. لكن الإمارات لم توجه لومًا مباشرًا لإيران في تقريرها الذي قدمته إلى الأمم المتحدة التي حققت في الحادث. 

ثانيًا: في سبتمبر (أيلول)، حين ضربت طائرات بدون طيار مصفاة نفط رئيسة في السعودية. وتبنى الحوثيون – وهي جماعة متمردة تدعمها إيران في اليمن وتخوض المملكة قتالًا معها – مسؤولية الهجوم، وافترض غالبية المراقبين أن إيران كانت وراء الهجوم. وفي حين ألقت السعودية باللوم على إيران، إلا أنها لم تُتبِع ذلك بدعوات لشن بعمل عسكري انتقامي.

يتابع التحليل رصد المفارقة التي لم يتوقعها المراقبون: في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، دعت الإمارات المجتمع الدولي علانية للتفاوض مع إيران. بل تخفض الإمارات من مشاركتها في الحرب الأهلية اليمنية، التي تطورت إلى حرب بالوكالة بين السعودية وإيران. 

ويجد المراقبون صعوبة في تفسير المنطق وراء هذا الموقف الإماراتي، الذي يراه «هين» مبهمًا بعض الشيء، لكنه يرجح أنه يتعلق بمخاوف الإمارات من خروج الحرب بالوكالة عن السيطرة، وإشعال أعمال عدائية مباشرة.

أمريكا والسعودية

هل تكبح دول الخليج جماح الولايات المتحدة؟

لم تدفع السعودية والإمارات الولايات المتحدة إلى خوض حربٍ مع إيران. وكان بمقدورهما فعل ذلك بسهولة، إذا وجَّها إدانة صارمة لطهران عقب الهجمات التي استهدفت أراضيهما، أو حتى اتخذا إجراءات انتقامية ضدها. وبالنظر إلى عداء إدارة ترامب ضد إيران، وتعاطفها مع السعودية، يرى «هين» أن هناك فرصة جيدة لأن تدعم الولايات المتحدة شن عمل عسكري.

بدلًا عن ذلك بدا في الآونة الأخيرة كما لو أن السعودية والإمارات يكبحان جماح الولايات المتحدة. فبعد الهجوم على مصفاة النفط السعودية قال محمد بن سلمان: إن الحرب مع إيران ستؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط وتتمخض عن «كارثة اقتصادية». 

صحيحٌ أن ولي العهد السعودي أصدر هذا التصريح في سياق تحذيره مما سيحدث إذا لم يقف المجتمع الدولي في وجه إيران، وتشديده على أن الرضا بالأمر الواقع سيشعل فتيل الحرب، لكن «هين» يترجِم كلمات ابن سلمان على أنها تحذير للولايات المتحدة، خاصة وأن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبو وصف الهجوم بأنه «عمل حربيّ».

هذا الوضع حيّر المراقبين للمنطقة. فيما يستشهد آخرون بالجهود الدبلوماسية المتزايدة التي تبذلها دول الشرق الأوسط لتقليل الأعمال العدائية، وتبدو إلى حد كبير كما لو أن الحكومات تستخدم نفوذها لدى شركاء التحالف لإبعادهم حافة عن الحرب.

يتابع التحليل أنه ربما يوحي ضبط النفس الظاهر الذي تبديه السعودية والإمارات بوجود تضاربٍ حول الحرب مع إيران في المنطقة أكثر مما كان يتوقعه غالبية المراقبين. ذلك أن دول الخليج العربية لا تزال بعيدة عن الوحدة، في ظل خلافات أيديولوجية وسياسة القوة (خاصة حصار قطر) التي تعوقها عن تشكيل تحالف قوي ضد إيران.

أيضًا هناك تباعد بين موقفَيْ السعودية والإمارات تجاه اليمن؛ إذ يبدو أن الإمارات تركز أكثر على استعادة الاستقرار الإقليمي. وستتحمل السعودية والإمارات وطأة أي حرب في الخليج. وربما تضع الحكومتان في اعتبارهما تأثير التصريحات والإجراءات أكثر مما تفعل إدارة ترامب، ويعتريهما الخوف مما يستشرفان قدومه.

«لوب لوج»: ما دلالات التحول في سياسة السعودية تجاه الحوثيين؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد