لطالما استمد آل سعود شرعيتهم السياسة من وضعهم الديني بوصفهم خُدَّامًا للحرمين الشريفين. وحين لم تسعفهم الأدوات الدينية، كانوا يلجأون إلى الحوافز الاقتصادية لترسيخ العقد الاجتماعي القائم – في جانبه المادي- على: المال مقابل الولاء.

لكن يبدو أن هاتين الأداتين (الدين والاقتصاد) لم تعودا كافيتين؛ في ظل علامات الاستفهام، المتكئة على علامات تعجب، المثارة حول مدى الالتزام الديني لحكام المملكة، فضلًا عن إرهاق خزينة الدولة بالمغامرات الدبلوماسية والعسكرية التي تخوضها الرياض منذ سنوات، والتوترات السياسية والأمنية الداخلية، ناهيك عن تراجع أسعار النفط.

هذا الوضع الجديد دفع حكام المملكة إلى محاولة تغيير صيغة العقد الاجتماعي الذي يحكم آل سعود البلاد والعباد بموجبه منذ عقود -كما يقول ريان بوهل، محلل شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ستراتفور- في محاولةٍ لإيجاد ترياق لدى القومية، ربما يستطيع ترميم العلاقات المتوترة بين حكام المملكة ومحكوميها.

تعديل العقد الاجتماعي.. من الدين إلى القومية

يستهل المقال المنشور في مجلة ناشيونال إنترست بالقول: بينما تُعَدِّل السعودية عقدها الاجتماعي؛ لتبتعد عن الدين وتتجه نحو القومية، فإنها تنزع أداة قوة من أيدي المتطرفين الدينيين، الذين لطالما ألحقوا ضررًا ليس فقط بسمعتها ولكن أيضًا بأمنها. لكن القيام بذلك يمنح القوة لطراز جديد من المتطرفين السعوديين، هم: القوميون المتطرفون.

وبينما لا يسعى القوميون السعوديون المتطرفون إلى إقامة خلافة عالمية عنيفة، على نسق الطراز الذي حاول المتطرفون السعوديون أمثال أسامة بن لادن إقامته، فإنهم ما يزالون يشكلون خطرًا حقيقيًّا، ليس فقط على سمعة المملكة، ولكن أيضًا على الجيران الخليجيين الذين يتمتعون بعقلية أكثر استقلالية، وجوانب علاقاتها الحاسمة مع الغرب.

ويضيف ريان بوهل: يُطَبِّق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ونوابه القوميون المتطرفون -سعود القحطاني ووكلاؤه في مركز الدراسات والشؤون الإعلامية- حملة واسعة النطاق ضد الناشطين والأكاديميين والمؤثرين والشخصيات العامة؛ لتحويل العقد الاجتماعي السعودي على جناح السرعة من الدين ذي النكهة القبلية إلى القومية الحديثة.

ولي العهد

محمد بن سلمان

دوافع التحوُّل السعودي

الضرورات المحركة لهذا التحول متعددة، وفي جوهرها يكمن العقد الاجتماعي الذي عفا عليه الزمن منذ سنوات، وقد ساعد الولاء الراسخ الذي أظهرته المؤسسة الدينية، خاصة بعد حصار مكة في عام 1979، في تقوية ارتباط المجتمع السعودي بالنظام الملكي، بحسب التحليل.

لكن التدين السعودي يتغير، مما يقوض الفعالية السياسية لرجال الدين الذين كانوا يستطيعون في الماضي توظيف موثوقيتهم في حشد أتباعهم تحت مظلة الدولة. وأصبح نظام الرفاه الاجتماعي، الذي تعهدت به المملكة يومًا لرعاياها من المهد إلى اللحد، لا يمكن تحمله على نحو متزايد. ومع ضعف الأدوات الدينية والاقتصادية؛ سعت الرياض إلى استخدام القومية علاجًا للعلاقة المتوترة بين الحكام والمحكومين.

هذا التحوُّل أثار انتباه محلل شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ لأن القومية السعودية مفهوم جديد نسبيًّا، حتى أن الملك عبد الله بن عبد العزيز لم يعترف رسميًّا بالعيد الوطني للمملكة سوى في عام 2005، ولم تكتسب العطلة الوطنية زخمًا شعبيًّا في المجال العام إلا خلال السنوات الأخيرة.

ويرصد المقال المفارقة الكامنة في موقف السعودية بين الأمس واليوم: بعدما كانت السعودية تعتبر القومية عزفًا خطيرًا على وتر المشاعر الشعبية، يتبناه أتباع القومية العربية المناهضة للملكية برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وبالتالي سعت للحد من نموها، ها هي اليوم تتبنى المفهوم ذاته بحماس؛ لدعم أركان عقدها الاجتماعي.

القوميون السعوديون.. فوائد سياسية واجتماعية وعسكرية

على أطراف هذه الحركة القومية المتنامية، يلفت الكاتب إلى وجود القوميين المتطرفين، ومعظمهم من الرجال، وغالبًا من الشباب، الذين يرابطون على وسائل التواصل الاجتماعي، وأحيانًا يكتبون باللغات الأجنبية مثل الإنجليزية. يساعد هؤلاء في تشكيل السرد المتعلق بسمعة المملكة، وتدشين خطوط حمراء جديدة يجب على الرياض مراعاتها عند صياغة السياسة.

ويضرب بوهل على ذلك مثلًا: في عام 2018 فقط، ساعدوا في تأجيج التوترات الكندية- السعودية، وهللوا لاعتقال ناشطات حقوق المرأة، ومجَّدوا الإعدام الجماعي للمعارضين السياسيين، وبرروا مقتل جمال خاشجقي، متدثرين بعباءة الحفاظ على النظام العام التي كانت الشرطة الدينية ترتديها من قبل. ومع تلاشي المحرمات التي كانت المؤسسة الدينية القديمة تضعها، ها هم القوميون المتطرفون يتحركون لقيادة الرأي العام.

وأردف الكاتب: في بعض الأحيان، يُعتَبَر القوميون المتطرفون أدوات مفيدة للدولة لفرض السياسة، وتشكيل المشاعر العامة، وتعديل العقد الاجتماعي. ومع اكتساب القومية مصداقية، سيبدو قلق المؤسسة الدينية من الإصلاح الاجتماعي مجرد تغريد خارج السرب بمرور الوقت. وهو تطور مهم في شخصية الدولة، إذ إن العديد من الإصلاحات الاجتماعية، مثل السماح للمرأة بالسفر والعمل بحرية، تكون أيضًا ذات طبيعة اقتصادية.

وسيساعد هذا التحول أيضًا على عزل المتطرفين الدينيين داخل المملكة العربية السعودية -حسبما يرى الكاتب- فعلى الرغم من الهزيمة المدوية التي مُنَيت بها الأفكار الجهادية، نتيجة تدمير النسخة الإقليمية من الدولة الإسلامية، يجد الشباب السعودي، لا سيما في المناطق النائية التي تتجاهلها الإصلاحات المضطربة في المملكة، عزاءً في نداءات الدعاة المتطرفين.

وقد تكون هناك أيضًا فوائد عسكرية، تتمثل في: التسامح مع العمليات الخطرة والتضحيات الوطنية، وهي سمات سعت الرياض طيلة عقود لاكتسابها دون نجاح يذكر. وهو ما سيسمح للمملكة بمزيد من المواجهة مع منافستها الإقليمية، إيران، وتخفيف حدة الضجر الناتج عن تدخلها في اليمن.

القومية المتطرفة.. مخاطر سياسية واقتصادية وعسكرية

لكن التحليل يستدرك قائلًا: في أوقات أخرى، أثبت القوميون المتطرفون أنهم يمثلون مخاطر على سمعة الرياض وسياستها، بينما تحاول المملكة جذب الاستثمارات الأجنبية، والحفاظ على التحالفات الاستراتيجية. ومستشهدًا باللوم الملقى على عاتق القحطاني في عملية خاشجقي الفاشلة، وهي القضية التي أدت إلى توتر العلاقات بين السعودية، والكونجرس الأمريكي.

كما ساعد القوميون المتطرفون السعوديون في إثارة الخلاف الدبلوماسي الكندي- السعودي في أغسطس (آب) 2018، الذي أدى إلى قطع العلاقة طويلة الأمد بين كندا والطلاب السعوديين، وهدد بعرقلة العلاقات التجارية بين البلدين.

ويردف الكاتب: كما أثار القوميون المتطرفون التوترات مع إيران: ففي مقال افتتاحي نشرته صحيفة أراب نيوز المدعومة من الدولة في مايو (أيار) 2019 (والتابعة للشركة السعودية للأبحاث والنشر، وهي أداة رئيسية للترويج للسرد القومي)، دافعت هيئة التحرير عن شن ضربات عسكرية عقابية ضد إيران، انتقامًا من الهجوم على ناقلة في خليج عمان، وهجمات الحوثيين على البنية التحتية النفطية السعودية.

صوررة ررائف بدوي (أحد نشطاء حقوق الإنسان المعتقلين في السعودية)

صوررة رائف بدوي (أحد نشطاء حقوق الإنسان المعتقلين في السعودية)

مخاطر المستقبل.. توترات دبلوماسية دولية وخليجية

علاوة على ذلك، فإن مفهوم الكرامة الوطنية الذي يتطور باستمرار سوف يتمخض عن تحديات دبلوماسية جديدة لكل من الرياض وحلفائها، حسبما يتوقع المقال. فعلى الرغم من أن السعودية لم ترحب أبدًا بأي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية، إلا أنها كانت في الماضي قادرة على تجاهل هذه الآراء باسم أمن البلاد، مثلما فعلت مؤخرًا حين تواصلت مع إسرائيل من أجل تشكيل جبهة مشتركة ضد إيران.

بالإضافة إلى ذلك، أبدى القوميون السعوديون تسامحًا أقل مع أي تغريد دول الخليج العربية المجاورة خارج السرب الإقليمي. وكان القدر الأكبر من هذه الهجمات من نصيب قطر، التي حتى إذا توصلت معها الرياض إلى تسوية، سيكون من الصعب تحويل اتجاه الحصار الذي ترسخ بدعائم الروح القومية.

وفي المستقبل، يمكن أن تنال سلطنة عمان والكويت نصيبهما من هذه القوة القومية الغاضبة؛ ذلك أن السلطان قابوس كان مستقلًا بما يكفي، لا سيما مع إيران وقطر، لمواجهة ضغوط الرياض.

كما أسهم قابوس في إحباط محاولة السعودية لتقوية مجلس التعاون الخليجي تحت مظلة اتحاد خليجي في عام 2013، وهو ما أزعج المملكة وعرقل استراتيجيتها لتحويل دول مجلس التعاون الخليجي إلى جبهة موحدة ضد إيران.

بالإضافة إلى ذلك، لم تنضم عُمان قط إلى مقاطعة قطر، وتلقت مسقط انتقادات سعودية لاتخاذها إجراءات موالية للولايات المتحدة، مثل دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مسقط في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، لتأكيد تحالفها مع الأمريكيين (كما فتحت قاعدة عسكرية مع بريطانيا، وهي الأولى منذ إنهاء الاستعمار في عام 1970).

أخيرًا، يحذر المحلل من صبغ النزاع الكويتي الإقليمي طويل الأمد بخصوص حدودها الغنية بالنفط مع السعودية بصبغةٍ قوميةٍ لم تكن موجودة من قبل. وربما الأهم من ذلك كله، من منظور بوهل، أن القومية السعودية الجديدة سوف تقدم الدعم السياسي الذي تحتاجه المملكة لمقاومة النفوذ الأجنبي الذي يهدف إلى تغيير سلوكها.

ومع تزايد قلق الحلفاء الغربيين بشأن سجل المملكة العربية السعودية في مجال حقوق الإنسان، وتصرفاتها في اليمن، فإن ضغوط الحلفاء لتغيير سلوك المملكة ستصطدم بالمطالب القومية بالحفاظ على سيادة المملكة.

ويختم المقال بالقول: سيكون هذا تغييرًا ملحوظًا عن الفترة المتوترة خلال عهد جورج دبليو بوش والملك عبد الله، عندما ساعد الرئيس الأمريكي في الضغط على العاهل السعودي لإجراء انتخابات بلدية بوصفه جزءًا من أجندة الحرية الإقليمية. حتى الحلفاء المقربون من الرياض، قد يجدون أنه كلما ترسخت أقدام القومية في المملكة، أصبحت عقول المسؤولين السعوديين أكثر انغلاقًا.

https://www.sasapost.com/translation/saudi-arabia-stimulus-investment-economic-growth/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد