يقول ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إنه يريد نقل بلاده إلى القرن الحادي والعشرين، وبأتي التحول التكنولوجي على رأس أولوياته في هذا السبيل، لكن هذا التحول قد يحمل عواقب وأغراضًا أخرى، بحسب مقال سارة عزيزة في «نيويورك تايمز»، وهي صحفية أمريكية عربية، كتبت في مؤسسات صحفية أخرى، مثل «واشنطن بوست»، و«نيويوركر».

استهلت سارة مقالها بالقول إن رغبة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في تغيير بلاده لا تخفى على أحد، ومنذ بدأ في ترسيخ سلطته في عام 2015، سوَّق نفسه للجمهور المحلي والدولي بصفته قوة حداثية، مروجًا لجدول أعمالٍ يهدف إلى التحرير الثقافي والإصلاح الاقتصادي.

وفي عام 2016، أوجز ثورته المرتقبة بإصدار «رؤية السعودية 2030»، وهي خطة طموحة لتأسيس المملكة العربية السعودية بوصفها «قوة استثمار عالمية»، و«بوابة إلى العالم».

تغييرات مهمة.. وانتشار متزايد للتكنولوجيا

يقع تطوير «بنية تحتية رقمية متطورة» في قلب رؤية الأمير محمد بن سلمان، وعلى الرغم من أن العديد من مقترحاته لم تتحقق بعد – لم تتجسد بعد الوعود السخية ببناء مدن مستقبلية- فإن هوس ولي العهد بالتكنولوجيا تمخض عن بعض التغييرات المهمة.

Embed from Getty Images

تشير الكاتبة إلى إصلاح ولي العهد العديد من وكالات الدولة من أعلى إلى أسفل، وإنشاء «حلول الحكومة الإلكترونية» لتقديم خدمات مثل: رسوم المحاكم، والتبرعات الخيرية، والرعاية الصحية، وسجلات السفر، وتخضع وحدة البوابات الإلكترونية الجديدة لإشراف وحدة الرقمنة الوطنية المنشأة حديثًا، وهي وكالة مركزية مهمتها توفير «حاضنة» للمجتمع المعلوماتي الحديث.

هذا التحول نحو «الحكومة الإلكترونية» استقطب كفاءة مُرَحَّبًا بها للقطاع العام البطيء في المملكة العربية السعودية، وتفتخر الحكومة بأن «مِراس»، وهي واجهة لبدء الأعمال التجارية، قلصت وقت الانتظار لبعض الخدمات المالية من 81 يومًا إلى 24 ساعة، في حين يتيح تطبيق «أبشر» التابع لوزارة الداخلية للمواطنين إمكانية الوصول إلى 130 معاملة حكومية عبر الهاتف.

ومع وجود عدد كبير من الشباب (حوالي 70% من السعوديين دون سن 35)، والبراعة التقنية (يوجد حوالي 1.4 هاتف محمول لكل مقيم)، كانت المملكة العربية السعودية مهيأة لهذه الرقمنة، ووفقًا لبيانات الحكومة، سجل نظام أبشر وحده أكثر من 20 مليون معاملة بين منتصف 2015 وأغسطس (آب) 2018.

«فايننشال تايمز»: لماذا تعد «رؤية 2030» وهمًا تصدره السعودية؟

الخصوصية مقابل الراحة

عند استخدام هذه التطبيقات، يجري السعوديون مقايضة مألوفة، أي منح إمكانية الوصول إلى معلوماتهم وأجهزتهم الشخصية في مقابل الحصول على الراحة، لكن على عكس عميل أمازون، فإن خيارات المواطن السعودي غالبًا ما تكون محدودة، فعلى سبيل المثال، أصبحت بعض الرسوم الحكومية تُدفع الآن عبر الإنترنت فقط، وفقًا لصحفي سعودي.

وبموازاة زيادة القمع السعودي للمعارضة، وتنامي استعداد المملكة لاستخدام التكنولوجيا في مراقبة مواطنيها؛ يمكن أن تكون للرقمنة التي ترعاها الحكومة تداعيات خطيرة على حقوق الشعب السعودي، لكن في الوقت الحالي، ما يزال الكثير من السعوديين متحمسين للاستمتاع بالراحة التي توفرها الخدمات الإلكترونية.

ونقلت الكاتبة عن شاب سعودي أخبرها في الرياض مؤخرًا بأن «الكثير من هذه التطبيقات الجديدة جعلت الحياة أسهل كثيرًا»، لكنه رفض الكشف عن هويته في هذا المقال، خوفًا من احتمالية استهدافه من قِبَل الدولة لحديثه إلى وسائل الإعلام الأجنبية، وأضاف: «الشريحة الأكبر من الناس سعداء حقًّا بهذا الأمر، ولم أسمع الكثير منهم يطرحون أسئلة حول الخصوصية»، مشيرًا إلى أن التطبيقات وبوابات الإنترنت قضت إلى حد كبير على أنظمة قائمة منذ فترة طويلة من الرشوة والمحسوبية.

في الوقت ذاته، تعمل الحكومة السعودية على توسيع قدراتها في مجال جمع البيانات والمراقبة بطرق أقل وضوحًا وأقل طواعيّة، ففي السنوات الأخيرة، ركبت المملكة آلاف الكاميرات وأجهزة المراقبة على طول الأرصفة والطرق، ووسعت استخدام القياسات الحيوية على المواطنين والمسافرين على حد سواء، وأدخلت برنامج «الحج الذكي» لإدارة ملايين الحجاج وتتبُّعهم سنويًا، ونشرت أيضًا برنامج استخبارات أمريكي لرصد مواطنيها، واشترت معدات بريطانية الصنع لاعتراض الاتصالات تقدر قيمتها بملايين الدولارات. (كما اتُّهِمَت، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة المجاورة، بنشر برامج تجسس إسرائيلية لاستهداف أجهزة المدنيين السعوديين الشخصية).

خاشقجي مثالًا.. الجانب المظلم للتطور التكنولوجي

بحسب الكاتبة، تزامنت هذه الإصلاحات مع مجموعة واسعة من الإجراءات القمعية، بتوجيه من ولي العهد أيضًا؛ لإسكات الناشطين والمعارضين والمثقفين من مختلف الأطياف السياسية.

Embed from Getty Images

وفي السنوات الثلاثة الماضية وحدها، اعتقلت السلطات السعودية أو احتجزت مئات المواطنين، بدءًا بالناشطة الحقوقية لجين الهذلول، وصولًا إلى المعتدلين الدينيين مثل سلمان العودة، الذي يواجه حاليًا عقوبة الإعدام.

وكان الصحفي جمال خاشقجي، الذي قُتل في القنصلية السعودية بإسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، قد فر من المملكة العام الماضي هربًا من هذا القمع.

في هذه الحملة، اعتمدت الدولة السعودية بشكل كبير على تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من أن وفاة السيد خاشقجي كانت، بكل المقاييس على غرار مذابح القرون الوسطى، فإن هناك أدلة على أن الحكومة السعودية استخدمت برامج تجسس متقدمة لتعقبه قبل وقت طويل من ارتكاب تلك الفِعْلَة، ومنذ مقتله، أشارت تقارير عديدة إلى أن زملاءه السابقين ورفاقه الناشطين تعرضوا لجهود مماثلة.

أحد هؤلاء المستهدفين هو إياد البغدادي، الذي عمل مع السيد خاشقجي في مشاريع تروج لصحافة عربية حرة، ويعيش الآن في النرويج.

ويقول السيد بغدادي، وهو ناشط على الإنترنت ومبرمج كمبيوتر بالتدريب، إن جهود رقمنة الحكومة السعودية تكشف عن اتجاهات خطرة.

ويضيف: «عمومًا، يحب الناس القول بأن التكنولوجيا محايدة، ليست «جيدة» أو «سيئة»، لكن إذا ركزت أكثر سترى أن هناك فرقًا بين التكنولوجيا التي تخدم لا مركزية السلطة، مثل تقنية سلسلة الكتل، والتكنولوجيا التي تخدم مركزية السلطة مثل التنقيب عن البيانات أو الذكاء الاصطناعي، والحكومة السعودية مهتمة جدًّا بهذا النوع الأخير؛ لأنه يتيح لها تحليل المعارضين والحركات الاجتماعية ومراقبتهم، وحتى التغلب عليهم».

الصين.. نموذج الدولة البوليسية التي يريدها ولي العهد

يتوصل الكثير من السعوديين إلى استنتاجات مماثلة حول مسار حكومتهم المقصود باتجاه الرقمنة، ولفتت الكاتبة إلى أن مصدرها السعودي، الذي رفض الكشف عن هويته خشية تعرضه لمشكلة، ينظر بعين القلق إلى مغازلة الأمير محمد للحكومة الصينية، قائلًا: «أعتقد أنه معجب بالطريقة التي يُنَمِّي بها الصينيون اقتصادهم، مع الحفاظ على مثل هذه السيطرة المشددة على شعبهم… أعتقد أنه يرغب في تقليد نموذجهم البوليسي».

واستخدمت الحكومة السعودية بالفعل التطبيقات الحكومية والبنية التحتية للاتصالات، وحملات الوسائط الاجتماعية من أجل تحقيق أهداف قمعية.

في وقت مبكر من عام 2012، كانت وزارة الداخلية السعودية تستخدم مزيجًا من تقنية التتبع والرسائل النصية لمراقبة المواطنات وتنبيه «الأوصياء» الذكور إلى مكان وجودهن، وفي وقت لاحق، سمح برنامج أبشر للرجال بممارسة امتيازات «الوصاية»؛ للسيطرة على حركة أفراد الأسرة من الإناث، فضلًا عن الوصول إلى العديد من الخدمات المالية والقانونية.

وفي عام 2017، دعت الوزارة السعوديين إلى استخدام الهاشتاج الذي ترعاه الحكومة #كلنا_أمن للإبلاغ عن إخوانهم المواطنين الذين ينشرون رسائل تنتقد الدولة.

وفي العام ذاته، رفعت الحكومة حظرًا دام سنوات على مكالمات سكايب وواتس آب، لكنها أعلنت خضوع جميع المكالمات للمراقبة. وزادت الحكومة أيضًا من استخدام القياسات الحيوية، بما في ذلك المتطلبات الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2016، لجمع بصمات الأصابع في جميع عمليات شراء بطاقات الهاتف الجوال.

بذور جيل المقاومة القادم

تشير الكاتبة إلى أنه على الرغم من التطورات الرقمية السريعة، ما يزال الأمير محمد بعيدًا عن تحقيق أي مثال أورويليّ (في إشارة إلى رقابة «الأخ الأكبر» في رواية 1984 لجورج أورويل).

Embed from Getty Images

إن حجم المملكة العربية السعودية الكبير، وتطورها غير المتكافئ، يعنيان أن إصلاحه الاقتصادي، والثقافي، والتكنولوجي المقترح للبلاد من المحتمل أن يستغرق وقتًا أطول بكثير من جيرانه الإماراتيين- إذا نجح أصلًا.

وعلى الرغم من أن الرقمنة في المملكة العربية السعودية تثير مخاوف بشأن سوء الاستخدام المحتمل، فإنها قد توفر للمواطنين فرصًا جديدة للعمل والإبداع، وحتى المقاومة.

كما تمنح العديد من البرامج المهنية، والحاضنات التي ترعاها الحكومة الفرصة للمشاركين لتطوير مهاراتهم في قطاع التكنولوجيا، وقد أتاحت واجهة «أبشر» للعديد من النساء اختراق حسابات أولياء أمورهن؛ لإصدار وثائق سفر لهن والهرب من سوء المعاملة.

وتختم الكاتبة بالقول: «على الرغم من الرقابة المشددة، فإن التوسع الذي تموله الدولة للبنية التحتية للإنترنت فائق السرعة، والتعليم العالي المتمركز حول التكنولوجيا، ربما يزرع بالفعل بذور الجيل التالي من المقاومة، ولطالما كانت التكنولوجيا ضرورية للنشاط في المملكة العربية السعودية، ومن المرجح أن تظل على خط الجبهة في معركة حقوق الإنسان في المملكة لسنوات قادمة».

«بلومبرج»: ليس خبيرًا في النفط.. فلماذا اختار ابن سلمان هذا الرجل لإدارة أرامكو؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد