«دعكَ من التصريحات النارية. السعودية بحاجة شديدة إلى استمرار النظام الإيراني الحالي، لأن المملكة تستفيد من حالة المواجهة القائمة بين إيران وأمريكا»؛ هذا ما خلصت إليه كيم غطاس، الباحثة الزائرة في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، في مقال نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية.

في بداية المقال، تسلط كيم غطاس الضوء على فيلم كرتوني دعائي، نُشِر في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، يظهر خلاله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وهو يشرف على غزو إيران، بعد أن هاجمت قوارب إيرانية سفينة إغاثة إنسانية سعودية.

وتشهد نهاية الفيلم اقتحام القوات السعودية مجمعًا عسكريًا، حيث يوجد قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ويظهر وهو يستسلم جاثيًا على ركبتيه مرتعشًا وتبدو عليه علامات الهلع.

منطقة الشرق

منذ 8 شهور
رب ضارةٍ نافعة.. 4 مكاسب حصدتها إيران باغتيال سليماني

هذا الفيديو، الذي صممته جماعة تطلق على نفسها اسم «قوة الردع السعودية»، صدر بعدة لغات من بينها اللغة الماندرينية (الصينية)، وحقق أكثر من مليون ونصف المليون مشاهدة.

في العالم الحقيقي سليماني الآن ميت، ولم يقتله السعوديون لكنه قُتِل في غارة جوية أمريكية في الثالث من يناير (كانون الثاني) الماضي قرب مطار بغداد، بعد أن كان عائدًا لتوه من لبنان وسوريا في إحدى مهامه العديدة، بصفته المشرف على قاعدة النفوذ الإيرانية في المنطقة.

احتفال سعودي بمقتل سليماني وقلق من رد طهران

تقول كيم غطاس إن حالة من الابتهاج غلبت على مشاعر السعوديين عبر موقع تويتر، كما كانت وسائل الإعلام السعودية مبتهجة أيضًا، إذ قالت صحيفة الرياض: «إن عقدًا جديدًا بدأ في المنطقة مع تراجع الظل الإيراني المظلم».

تضيف كيم أن المسؤولين السعوديين احتفلوا بهدوء بمقتل سليماني، كما سادت حالة من الارتياح لديهم؛ لأنهم لم يضطروا للقيام بذلك بأنفسهم، غير أنهم كانوا قلقين أيضًا حيال الرد الانتقامي الإيراني.

Embed from Getty Images
خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي، خلال زيارته واشنطن، بعد اغتيال سليماني بأيام.

تشير كيم غطاس أيضًا إلى وجود دعوات سعودية للحد من التصعيد، وفي غضون ثلاثة أيام من مقتل سليماني سافر شقيق ولي العهد ونائب وزير الدفاع خالد بن سلمان إلى واشنطن لحضور اجتماعات داخل البيت الأبيض.

ترى الكاتبة أن ذلك النمط من المطالبة الشديدة باتخاذ إجراءات صارمة ضد طهران، ومن ثم الدعوة لخفض التصعيد، هو ما ميّز التنافس السعودي الإيراني منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979.

تقول الكاتبة: إن «ذلك العام يُذكر في الغالب باعتباره اللحظة التي أصبحت فيها إيران والسعودية أعداء وذلك في أعقاب أزمة رهائن السفارة الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته».

تحالف واشنطن والرياض مرتبط باستمرار النظام الإيراني

تتابع الكاتبة أن العلاقة بين طهران والرياض شهدت تحولًا. فهذان البلدان اللذان كانا متنافسين ودودين ودعامتين للجهود الأمريكية الرامية لاحتواء النفوذ السوفيتي في المنطقة، أصبحا أعداء عندما بدأ الخميني قائد الثورة في إيران، الدخول في تحدٍ مع السعوديين لمنازعتهم دور قادة العالم الإسلامي وخادم الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وأصبح ذلك التنافس جزءًا جوهريًا من العداء بين إيران وأمريكا طيلة الأربعين عامًا الماضية، الأمر الذي مهد الأجواء لوجود علاقة ثلاثية تلعب خلالها السعودية دور القوة الموازنة التي لا غنى عنها في مواجهة طهران.

لكن السعودية أصبحت تستفيد من هذه الحالة من العداء، بل قامت بزيادتها، وبقدر ما كانت تخشى المملكة إيران، أصبحت مكانتها الخاصة كصديق لأمريكا في المنطقة مرتبطة باستمرار النظام الحاكم في طهران.

ويفسر ذلك سبب غضب الرياض من سعي الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما للوفاق مع إيران، كما أنها كانت تخشى من أن يؤدي ذلك لتقويض مكانتها الخاصة في المنطقة.

خاشقجي وبيزوس يعززان أهمية الاعتماد السعودي على أمريكا 

تؤكد الكاتبة أن الاعتماد السعودي على أمريكا أصبح أكثر أهمية في الوقت الذي كانت العلاقة السعودية الأمريكية مليئة بالتوترات على خلفية اختراق محمد بن سلمان لهاتف المدير التنفيذي لشركة «أمازون» جيف بيزوس ومقتل الصحافي السعودي، وكاتب المقال بصحيفة «واشنطن بوست» جمال خاشقجي.

وتوضح كيم غطاس أنه على ما يبدو أن إدارة ترامب تغاضت عن أخطاء وتجاوزات السعودية طالما أنها كانت تركز الضغوط على إيران.

تجد السعودية نفسها الآن أمام معضلة، وهي أنها تريد هزيمة نظام طهران لا انهياره، وستعتمد للقيام بتلك المهمة على آخرين؛ لأنها ليست مؤهلة للقيام بها.

لكن السعودية تجد نفسها الآن أمام معضلة، وهي أنها تريد هزيمة نظام طهران لا انهياره، وستعتمد للقيام بتلك المهمة على آخرين؛ لأنها ليست مؤهلة للقيام بها، لا عسكريًا، ولا من ناحية التخطيط الإستراتيجي.

وبالرغم من ذلك وجدت السعودية أن إدارة ترامب ربما تكون صديقًا متقلبًا، عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن المملكة في حال وقوع هجوم إيراني عليها، مثلما حدث في سبتمبر (أيلول) الماضي عندما هاجمت طائرة دون طيار يُشتبه أنها إيرانية منشآت شركة «أرامكو» السعودية للنفط.

ردت الولايات المتحدة على ذلك الهجوم بكثير من الانفعال وقليل من النيران؛ ولم يكن هناك رد انتقامي أمريكي نيابة عن السعودية.

وبالرغم من أن إدارة ترامب قامت منذ ذلك الحين بنشر آلاف من القوات الإضافية في السعودية، لا يزال السعوديون يشعرون بأنهم معرضون للهجوم.

هجوم «أرامكو» يدفع المملكة لإجراء محادثات غير مباشرة مع طهران

تتابع كيم غطاس: لهذا السبب، في غضون شهر من الهجوم على منشآت النفط التابعة لشركة «أرامكو» السعودية، كان السعوديون يستكشفون إمكانية إجراء محادثات غير مباشرة مع إيران، بمساعدة العراق وباكستان، في محاولة للحد من التوترات. وبعد مقتل سليماني كانت الدعوات السعودية لوقف التصعيد تتبع النمط ذاته.

صورة من قمر اصطناعي تظهر تصاعد الأدخنة من منشأة شركة «أرامكو» بعد استهدافها.

وبعد أن راقبت السعودية بقلق توسيع إيران نفوذها في المنطقة خلال الأعوام القليلة الماضية، وهو ما يرجع في جزء كبير منه إلى جهود سليماني، فإن المملكة تأمل في أن تسنح لها فرصة أفضل الآن: بغض النظر عن كم الحيل البارعة التي اكتسبت الطابع المؤسسي لسليماني، فلن يكون خليفته على القدر ذاته من الكفاءة.

وتتساءل الكاتبة هل هناك مجال للتواصل مع الزعماء الشيعة في العراق الذين يرغبون في النأي بأنفسهم عن إيران؟ وهل هذه هي اللحظة المناسبة للضغط على «حزب الله» في لبنان، وكيل إيران الأكثر نجاحًا؟

تقول الكاتبة: إن سليماني أصبح عدوًا لولي العهد الشاب، الشخص الذي جعله يشعر بالغيرة والإعجاب، حيث حقق سليماني ما أدرك ابن سلمان أن المملكة لم تتقنه على الإطلاق: وهو وجود إستراتيجية إقليمية تثير شعورًا بالخوف والاحترام مع وجود شبكة قوية من الوكلاء الموالين والحلفاء.

ابن سلمان لن يجني شيئًا من الحصار والحرب

يعكس الكلام الطنان المصاحب للفيديو الذي أنتِج عام 2017، والذي يظهِر الترسانة العسكرية الكبيرة والمكلِفة للمملكة، الخيالات التي انغمس فيها ولي العهد السعودي منذ صعوده لسدة السلطة في الفترة ما بين عامي 2015 و2017، محاولًا تجربة شيء جديد عبر تبني سياسة خارجية سعودية قوية يشن من خلالها الحروب ويفرض الحصار.

يبدأ الفيديو بجملة من مقابلة سابقة أجرتها قناة الإخبارية السعودية مع ولي العهد محمد بن سلمان في مايو (آيار) من العام ذاته صرح خلالها: «لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية بل سوف نعمل لكي تكون المعركة في إيران».

تيقظ ولي العهد السعودي إلى حد ما بعدما أدرك أن غروره لم يحقق له أي شيء على الصعيد الإقليمي.

تقول الكاتبة: «الآن، تيقظ ولي العهد السعودي إلى حد ما بعدما أدرك أن غروره لم يحقق له أي شئ على الصعيد الإقليمي، باستثناء حرب مدمرة داخل اليمن والحصار الذي لا طائل منه على قطر، والأسوأ من ذلك أن إيران هي التي جلبت الحرب إلى السعودية من خلال هجوم أرامكو».

الآن تكشر الولايات المتحدة عن أنيابها من خلال مقتل سليماني وفرض المزيد من العقوبات على إيران، الأمر الذي ربما يشعِر السعودية بالطمأنينة إلا أنها لن تكون على يقين بشأن ما إذا كانت هناك سياسة جديدة متماسكة لترامب أو أن تلك ستكون سياسة تلجأ إليها مرة واحدة فقط، ما سيتركها معرضة للخطر مجددًا في المرة المقبلة التي تشن فيها إيران هجومًا.

ومع استمرار الاحتجاجات في إيران وتصعيد إدارة ترامب الضغط على طهران وخنقها اقتصاديًا، يلوح في الأفق الحديث عن تغيير أو انهيار النظام في طهران وهو ما يراقبه السعوديون بخوف.

في نهاية الفيديو يرحب الإيرانيون بالقوات السعودية ملوحين بالعلم السعودي، وهذه لا تعدو كونها مجرد خيالات. وتختم الباحثة مقالها بالقول: في الواقع لن تكون القوات السعودية غير مرحب بها في إيران فحسب، بل تحتاج المملكة فعليًا إلى بقاء النظام الإيراني الحالي.

«ذي أتلانتك»: كيف يستعيد العالم الإسلامي آماله المفقودة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد