6,745

أظهر موت الزعيم علي عبد الله صالح أن السعودية تدفع ثمن خيانتها للربيع العربي في اليمن في 2011.

هكذا افتتح جمال خاشقجي، الكاتب والصحافي السعودي، مقاله بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية. وأضاف خاشقجي أن صالح، وهو الرئيس السابق لليمن، قتلته الاثنين الماضي قوات الحوثيين الذين كانوا حلفاءه السابقين. ويصف الكاتب صالح فيقول: «إنه كان قائدًا عربيًا مخادعًا وفاسدًا، وقد خلعه الربيع العربي».

يرى خاشقجي أن الملك السعودي الراحل عبد الله بعد أن رأى حلفاءه و«أصدقاءه الأعداء» يسقطون في مصر وليبيا وتونس، عزز وجوده بقوة ضد أية حركات مشابهة قد تحدث في الخليج العربي.

وفي حالة اليمن، اتخذت الرياض إجراءات وقائية؛ إذ أدى الخوف من عدم الاستقرار على الحدود الجنوبية إلى اتخاذ السعودية قرارًا بتنسيق تغييرات في القيادة الحاكمة. ويوضح: «صاغ مجلس التعاون الخليجي اتفاقًا وُقع عليه في الرياض مع صالح بالتنازل عن السلطة في مقابل حمايته. فيما ظل صالح لاعبًا رئيسًا في اليمن، بالرغم من حقيقة كونه فاسدًا وطاغية قتل شعبه».

اقرأ أيضًا: من الجبل للعرش.. دليلك المختصر لمعرفة رحلة الحوثيين في اليمن

وفي عام 2012 انتخب عبد ربه منصور هادي رئيسًا لليمن، وقد كان نائبًا لصالح لفترة طويلة. كان من المفترض أن يكون هادي قائدًا انتقاليًا ليقود اليمن نحو انتخاباته البرلمانية الأولى الحرة. ويضيف خاشقجي: «عمل الملك عبد الله، والملك سلمان من بعده، مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لضمان وضع جدول زمني انتقالي بحسب ما نصت عليه (المبادرة الخليجية) المؤسفة والمعقدة، والتي لاقت الدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».

يرى الكاتب أن الملك عبد الله لم يقم بهذا الدور، وتأجلت أحلام الانتخابات الحرة مرة وراء مرة. وفي النهاية، فإن هذا الربيع العربي المتقلب كان خطأً استراتيجيًا للرياض، وهو الخطأ الذي تفاقم بعد ثلاث سنوات من الحرب في اليمن.

الرئيس الراحل علي عبد الله صالح أثناء تسليمه السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي – فبراير (شباط) 2012

يقول خاشقجي: «دمر تحالف صالح مع الحوثيين – المدعومين من إيران، والذين تراهم السعودية تهديدًا استراتيجيًا – علاقته مع الرياض»، وأضاف أن صالح مع جيشه وأسلحته، أصبح عنصرًا أساسيًا في حرب التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين منذ 2015. لكن الجميع كانوا يعلمون أن زواجهم كان من أجل المصلحة؛ فهو ديكتاتور، والحوثيون عقائديون يريدون فرض رؤيتهم الأصولية؛ لم يهتم أي منهم بالقيم الجوهرية للربيع العربي. وفي النهاية «طلاقهم» – بحسب الكاتب – كان محتومًا؛ إذ رأى كلٌّ منهما فرصة لإقصاء الآخر.

يقول خاشقجي إنه عرف صالح جيدًا، إذ كان أجرى معه حوارًا والتقى به عدد من المرات، فيقول عنه: «كان ميكافيليًا محترفًا، يجيد كل أشكال المراوغة السياسية». فأثناء وجوده في السلطة تحول من محاربة الحوثيين إلى التحالف معهم ضد السعوديين الذين كانوا حلفاءه لزمن طويل.

إن موت صالح هو إشارة على أن سياسة الرياض في اليمن تحتاج لتعديل كامل، وهي الإشارة التي غالبًا ستفوِّتها السعودية.

«كانت قوته الحقيقية هي فن الحفاظ على النفس، وكان ضعفه هو عدم امتلاكه قدرة على الحكم الجيد». هكذا قال خاشقجي عن صالح، ويكمل: «بعد مغادرته السلطة عام 2012، وقتل وجرح العشرات من المتظاهرين اليمنيين السلميين الذين ينادون بإسقاطه؛ كانت معدلات الأمية والفقر – ولم تزل – هي الأعلى في المنطقة».

وعلى غرار غزة – يقول الكاتب – فإن اليمن كان لديه أزمة في المياه الصالحة للشرب تسبق قيام الحرب التي تقودها السعودية في 2015. ومع ذلك، فقد تلقى صالح الحماية الكاملة، واحتفظ بثروة صاعقة قدرها تقرير الأمم المتحدة بـ60 مليار دولار. يقول خاشقجي: «ساعد عدم العدل هذا في تقويض الانتقال الهش الذي جاء بعد ذلك».

أثيرت يوم الجمعة الماضي شائعات بأن هناك اتفاقًا بين صالح والرياض، يقتضي بأن يرفض صالح التدخل الإيراني في اليمن. واحتفى الإعلام السعودي بانتصار صالح الأولي على الحوثيين، ولكن بحلول يوم الأحد صدمت أخبار وفاة صالح النشوة السعودية. والآن – يقول خاشقجي – يسيطر الحوثيون على صنعاء ومعظم الأجزاء الشمالية من اليمن، حيث يقطن غالبية السكان الذين يعانون الجوع والكوليرا والانهيار الكامل للبنية التحتية الأساسية.

طفل يمني في انتظار دوره للحصول على الماء – مدينة الحديدة – أكتوبر (تشرين الأول) 2016

«إذًا، ماذا بعد؟» – يتساءل خاشقجي. من المحزن أن موت صالح هو إشارة على أن سياسة الرياض في اليمن تحتاج لتعديل كامل، وهي الإشارة التي غالبًا ستفوِّتها السعودية. بحسب الكاتب، قد يحاول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إقامة الأسوار مرة أخرى مع ابن صالح، أحمد، الموجود حاليًا في أبوظبي. ويروي خاشقجي ما حدث عام 2015 قبل بداية الحرب بأيام، إذ حاول الطرفان – السعوديون واليمنيون – عقد مصالحة، لكنها فشلت.

أما الآن – يقول الكاتب السعودي – غالبًا الغضب على الجانبين أصبح متفشيًا وعميقًا للغاية؛ ما قد يتطلب النهج التقليدي المتبع من بعثرة ملايين الدولارات من أجل رأب الصدع. يرى الكاتب أن أحمد، ابن الرئيس الراحل صالح، سيحاول قيادة قوات والده وإقامة تحالف مع حكومة عدن المؤيدة للسعودية. وستستمر المعركة من أجل صنعاء، وستحاول القوات اليمنية – فضلًا عن القوات السعودية – وستسترد المدينة بناية بناية، بمعارك دموية.

اقرأ أيضًا: «كان مصابًا بهوس السرقة».. هكذا نعت «نيويورك تايمز» عبد الله صالح!

يقول خاشقجي: «إن خيار شن المزيد من الحرب سيكون مغريًا في الرياض بالنسبة لهؤلاء الذين يريدون هزيمة ساحقة للحوثيين لإخراجهم من اللعبة السياسية، لكنها ستكون مكلفة للغاية، ليس فقط بالنسبة للمملكة، ولكن أيضًا بالنسبة للشعب اليمني الذي يعاني بالفعل أشد معاناة». يرى الكاتب أن هذه المعركة هي النتيجة المرعبة لمنع الشعب اليمني من تحقيق رغبته في الحرية.

ويقول جمال خاشقجي في ختام مقاله: «الآن أصبح الحوثيون قوة مهمة، قوة لا تتمسك بقيم الربيع العربي المستندة على تقاسم السلطة. العالم يراقب اليمن، لا يجب على السعودية وقف الحرب فحسب، بل يجب أن يكون هناك ضغط على الإيرانيين لإيقاف دعمهم للحوثيين؛ إذ يجب على الجانبين أن يقبلوا بتركيبة يمنية تتقاسم السلطة. ربما وفاة صالح الطاغية فرصة للسلام في اليمن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك