نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية تقريرًا تناول الزيارة الأخيرة للعاهل السعودي لإندونيسيا، ومستقبل هذه الزيارة على التأثير الثقافي السعودي في إندونيسيا والمتمثل في زيادة المد السلفي. قال التقرير:

عندما حلَّ الملك سلمان في إندونيسيا يوم الأربعاء الماضي 1 مارس (آذار) 2017، كان بذلك أول ملك سعودي يزور أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان، منذ عام 1970. كان المسؤولون في جاكارتا يأملون أن تؤدي هذه الزيارة إلى تقوية الروابط التجارية وتأمين استثمارات بقيمة 25 مليار دولار. لكنَّ آمالهم خابت، إذ لم يوافق الملك إلا على صفقة جديدة واحدة، بقيمة زهيدة نسبيًا وهي مليار دولار.

وأضاف التقرير أنَّ السعودية استمرَّت لمدة عقود في القيام باستثمارات من نوع مختلف تهدف للتأثير في الثقافة والدين لدى الإندونيسيين. وبحسب كريس تشابلين، الباحث بالمعهد الملكي الهولندي لجنوب شرق آسيا، فإنَّ زيارة الملك الحالية تعد ذروة هذه الحملة المنهجية «وقد تؤدي إلى تسارع المد الثقافي السعودي في إندونيسيا» وقال تشابلين: «في الحقيقة، بالنظر إلى حجم حاشية الملك، فلن أندهش لو كانت هناك فورة من أنشطة التواصل وعقد شبكات تعارف بين الخريجين الإندونيسيين من الجامعات السعودية».

كرَّست السعودية، منذ عام 1980، ملايين الدولارات لتصدير نسختها السلفية الصارمة من الإسلام، إلى المجتمع الإندونيسي المتسامح والمتعدد تاريخيًا. بنت السعودية أكثر من 150 مسجدًا (على الرغم من وجود حوالي 800 ألف مسجد في البلاد بالفعل)، وبنت جامعة مجانية ضخمة في جاكارتا، والعديد من المعاهد لتدريس العربية، وأمدت أكثر من مائة مدرسة داخلية بالكتب والمدرسين (على الرغم من وجود ما بين 13 إلى 30 ألف مدرسة داخلية في البلاد) وأحضرت دعاة ومدرسين، وقدمت آلاف المنح الدراسية للخريجين للدراسة في السعودية. كل هذا يضاف إلى شبكة التأثير السعودي العميقة في البلاد.

وقال دين وحيد، الخبير في السلفية الإندونيسية بجامعة صيارف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكارتا: «إنَّ قدوم السلفية إلى إندونيسيا جزء من مشروع عالمي سعودي لنشر نسختها من الإسلام في العالم الإسلامي».

نشأت الحركة السلفية ردًا على الاستعمار الأوروبي للشرق الأوسط في القرن الثامن عشر، لكنها تجذَّرت في السعودية على يد الداعية المؤثر محمد بن عبد الوهاب. أدى التحالف بين عبد الوهاب وبيت آل سعود عام 1744 إلى ترسيخ الوهابية لتصبح العامود الفقري الروحي للدولة السعودية. ثم عندما أصبحت السعودية ثرية بالنفط في القرن العشرين، بدأت في استثمار مواردها الضخمة في الترويج لأيديولوجيتها خارج حدودها.

وقال التقرير إنَّ قلب السلفية الإندونيسية هو معهد الدراسات الإسلامية والعربية، وهو جامعة تمولها السعودية بالكامل في جنوب جاكارتا، كان حرمها الجامعي يضج قبل زيارة الملك بيوم.

وقال أحد الطلاب، الذي كانت له لحية ناعمة، مثل باقي الطلاب الذكور، وكان يرتدي بنطالًا قصيرًا، تطبيقًا لحديث يقول بأنَّ تغطية الكعبين دليل على الكبر: «من الرائع أن يتقارب البلدان. لقد قرأت أخبار الزيارة الملكية كلها وآمل أن أكمل دراستي في السعودية إن شاء الله».

افتتح معهد العلوم الإسلامية والعربية عام 1980، بغرض نشر اللغة العربية، إذ لا يدرس أي شيء هنا باللغة الرسمية للبلاد، باهاسا إندونيسيا، ولا توجد في الحرم الجامعي أية كلمة بلغة البلاد، ولا حتى لافتة على الحمام، أو كتاب في المكتبة. الدراسة مجانية للطلاب البالغ عددهم 3500 طالب. تعد الموسيقى بدعة، وهي ممنوعة إلى جانب التلفاز والضحك بصوت عال. ولا تختلط النساء والرجال. يحضر الذكور محاضرات مباشرة في أحد الطوابق بينما تشاهد الفتيات الدروس نفسها ببث مباشر في طابق منفصل.

اعتمدت وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية الجامعة عام 2015 وهو ما يبشر بالخير في سعي الجامعة لفتح أربعة أفرع جديدة في باقي أنحاء البلاد. وكان رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة، حامد السلطان، واثقًا من أنَّ الأفرع الأربعة سوف تفتتح بحلول فصل الخريف للعام الجاري. لكنَّ هذه الأفرع سوف تحتاج الضوء الأخضر من الوزارة، التي أعربت عن قلقها حول ما إذا كانت هذه الجامعة تعتنق الإسلام المعتدل وفلسفة الدولة الإندونيسية المسماة «بانكاسيلا»، والتي تكرس التسامح الديني.

عندما سأل كاتب التقرير، حامد السلطان ما إذا كان معهد العلوم الإسلامية والعربية يدعم البانكاسيلا بالفعل أجاب السلطان: «بانكاسيلا؟.. عفوًا؟ ما معنى هذا؟». أوجز له مترجمنا المقصود بهذه الكلمة سريعًا فقال السلطان: «نعم، نحن نمضي قدمًا في عملية إدماجنا للبانكاسيلا، لأنها كانت من متطلبات الحصول على التصديق منذ عامين».

كان محمد عدلين سيلا من وزارة الشؤون الدينية أكثر صراحة حين قال: «نحن نشعر بالقلق إزاء بعض خريجي معهد العلوم الإسلامية والعربية الذين هم من كبار المعجبين بالخلافة (يقصد داعش)».

وقال يوليل أبشر عبد الله، أحد خريجي الجامعة الذي يدير حاليًا شبكة الإسلام الليبرالي، إنه اكتشف أنَّ المناخ العقدي للجامعة مناخ قمعي عندما كان يدرس فيها في أوائل التسعينيات. وشرح يوليل مقصده عندما قال: «العقيدة، وهي مادة إلزامية هناك، لا يدرسها إلا وهابيون أقحاح، وإنني أعتقد صراحة أنَّ عقيدتهم هذه تتناقض مع الإسلام الإندونيسي التقليدي، المتسم عادة بالتسامح والهدوء».

وإلى جانب معهد العلوم الإسلامية والعربية، يتلقى مئات الإندونيسيين منحًا للدراسة في الجامعات السعودية كل عام. بعد عدة عقود أصبح أولئك الخريجون مؤثرين قوميًا في بلدانهم. درس حبيب رزق؛ مؤسس جبهة المدافعين الإسلامية، وهي منظمة متشددة مرتبطة بالعنف الديني، في كل من معهد العلوم الإسلامية والعربية وجامعة الملك سعود في الرياض. كذلك تخرج جعفر عمر طالب، مؤسس الجماعة السلفية المسلحة «عسكر الجهاد»، في معهد العلوم الإسلامية والعربية. وأصبح القادة الإسلاميون اليمينيون مثل هداية نور وحيد، عضو البرلمان الذي حصل على ثلاث منح دراسية من جامعة المدينة، سياسيًا بارزًا في إندونيسيا.

وقال التقرير إنَّ خريجي معهد العلوم الإسلامية والعربية أنشؤوا أيضًا مدارس إسلامية داخلية في كل إندونيسيا. وبحسب دين وحيد فإن السعودية تمد الكثير من المدارس المائة الداخلية السلفية في إندونيسيا بالكتب الدراسية، والمدرسين، خصوصًا مدرسي العربية. وقال وحيد إنه بالنسبة للكثير من الأسر الفقيرة، فإنَّ المدارس الداخلية هي الخيار العملي الوحيد لتعليم أطفالهم، على الرغم من الخلافات الأيديولوجية.

بل لقد وصلت القوافل المغامرة السعودية إلى أماكن مثل أتشيه، وهو إقليم أقصى غربي البلاد، دمرته الكوارث الطبيعية مثل تسونامي عام 2005. وقال السفير السعودي لدى إندونيسيا، محمد عبد الله الشعيبي: «لقد بنينا مساجد، ومشافي، ومدارس هناك، ومعهدًا لتدريس العربية».

وبحسب التقرير فإنَّ أحد الأسباب التي تجعل إندونيسيا مترددة في صد التقدم الثقافي السعودي حصة الحج شديدة الأهمية لإندونيسيا، أي عدد المواطنين المسموح لهم بالحج إلى مكة كل عام. تحظى إندونيسيا بأكبر نصيب من الحجاج من بين دول العالم: 221 ألفًا هذا العام. وقال دادي دارمادي، الباحث بجامعة صيارف هداية الله، والخبير في شؤون الحج، إنَّ قوائم انتظار الحج التي قد تستمر عشر سنوات شائعة في الكثير من الأقاليم، والمخاطرة بالحصة القومية المسموح بها قد تتسبب في رد فعل عكسي ضخم.

وقال دارمادي: «أما وقد قلنا هذا، فإنه ينبغي للحكومة الإندونيسية أن تكون أكثر حكمة وأن توقف التعامل مع حصة الحج باعتبارها مناورة سياسية للحصول على الدعم الشعبوي في هذه البلاد».

وقال كل القادة الإندونيسيين تقريبًا، بدءًا من الرئيس إلى وزير الخارجية إلى رئيس مجلس النواب، إنَّ التركيز على مسألة حصة الحج أحد المحاور المهمة من رحلة الملك سلمان.

ومع ذلك، فإنَّ أكبر الأهداف السياسية المعلنة للزيارة لم تناقش الحج، وإنما الإرهاب. إذ قال السفير السعودي، الشعيبي، للصحافيين يوم الثلاثاء إنَّ «اتفاقية لمحاربة الإرهاب» سوف تكون «أهم» الاتفاقات الموقعة في إندونيسيا الأسبوع الجاري.

من المفارقة، إذن، أنَّ بعض الجهاديين الإندونيسيين قد مروا من خلال المؤسسات السعودية. وعلى الرغم من أنَّ السلفية «مهادنة» إلى حد كبير، أو أنها لا تشجع من النشاط السياسي، فإنَّ هناك فصيلًا متناميًا من السلفية الجهادية في إندونيسيا، بحسب دين وحيد. فقد ساهم المال السعودي، عام 1972، في إنشاء واحدة من أهم المدارس الداخلية الجهادية في إندونيسيا، ألا وهي مدرسة المكمن في نجروكي بوسط جاوة. واستقبلت الجماعة الإرهابية الإندونيسية، «الجماعة الإسلامية»، تمويلًا من جمعيات خيرية سعودية في أوائل الألفية الثانية. وأصبحت قنوات التلفاز السلفية، وقنوات يوتيوب، ومجموعات فيسبوك، وقنوات تليجرام، أرضية خصبة للمتطرفات والمتعاطفات مع داعش في إندونيسيا في السنوات القليلة الأخيرة، وذلك بحسب تقرير صدر عام 2017 من معهد تحليل السياسات والصراع.

وقالت نافا نورانية، إحدى باحثات المعهد: «لدينا دلائل على التحول من السلفية إلى التطرف بين متطرفات من جيل داعش. ومن جهة أخرى، مع ذلك، فإنَّ العلماء السلفيين في إندونيسيا من بين أكثر الأصوات علوًا في مواجهة التطرف» وقالت إنَّ السلفية تعمل جسرًا إلى التطرف بالنسبة للبعض، حتى مع عملها رادعًا عن هذا التطرف بالنسبة لآخرين.

ولطالما دافعت السعودية عن الفكرة القائلة بأنَّ نسختها الصارمة من الإسلام والمدعومة من الدولة حائط صد ضد التطرف العنيف، وتعاونت مع دول مثل الولايات المتحدة لمحاربة الجماعات الإرهابية من القاعدة إلى داعش. لكنَّ التاريخ الحديث لإندونيسيا يظهر أنَّ الفرق بين السلفية والجهادية ليس واضح المعالم.

وقال يحيى خليل ستاقف من منظمة «نهضلاتول علما» المعتدلة: «نحتاج من الملك سلمان أن يدين التطرُّف بعبارة واضحة وجريئة. وإلا فإنَّ زيارته سوف ينظر إليها بسهولة على أنها تحمل مزيدًا من الدعم للحركات الإسلاموية الراديكالية في إندونيسيا، إذ إنَّ من الشائع بالفعل في الفهم العام أنَّ هذه الحركات الراديكالية تأخذ مرجعها العقائدي من الوهابية السعودية وتتلقى أنواعًا متعددة من الدعم من السعودية».

يعتقد السفير السعودي أنَّ مثل هذه المخاوف من الأثر الأيديولوجي للاستثمار السعودي لا أساس لها وقال: «وهابي، وهابي، وهابي… الناس يحبون إلقاء هذه الكلمة دون معرفة معناها. الناس يلقون اتهامات لا أساس لها من الصحة. هذا أمر جنوني!».

وما زال بعض القادة الإندونيسيين يشعرون بالتفاؤل الحذر من العلاقات الوثيقة مع السعودية. فقد قال أحد النشطاء الإسلاميين المعتدلين، يني وحيد، لوكالة رويترز: «يواجه البلدان التحديات ذاتها من تصاعد الراديكالية والتعصب، ومن ثم فسوف يكون التعاون في هذين المجالين مثمرًا».

ربما تكون إندونيسيا أكبر مسرح للدبلوماسية الثقافية للسعودية، لكنها ليست بأي حال البلد الوحيد. فقد بنت السعودية فرعًا لجامعة الأزهر المصرية في الثمانينيات، ومولت المتمردين البوسنيين، ثم بنت لهم مدارس في التسعينيات، ومولت العديد من المدارس في باكستان، قبل طالبان، وأفغانستان، وأرسلت 25 ألف رجل دين إلى الهند في الفترة بين 2011 و2013. وكان الحاتم، رئيس قسم الدراسات العربية في معهد العلوم الإسلامية والعربية بجاكارتا، يعمل سابقًا في مراكز سعودية في البوسنة وجيبوتي.

وقال معلقون إنَّ ميزان القوى في العلاقات الإندونيسية السعودية في طور التحول، إذ أصبحت إندونيسيا في وضع أفضل يخول لها مقاومة التوسع السعودي غير المرغوب فيه وهو ما لم يكن متاحًا لها في السنوات الأولى للجمهورية.

وقال لطفي أسيانوكي، وهو أكاديمي مسلم ليبرالي: «ظرفنا الاقتصادي الآن مختلف للغاية، لقد انعكس الحال تقريًبا منذ آخر زيارة سعودية. أظن أنَّ بإمكاننا الاستفادة من ذلك لتنظيم الاستثمارات السعودية بحكمة». وقال سيلا، من وزارة الشؤون الدينية: «أعتقد أنَّ الحكومة السعودية تحتاج إندونيسيا الآن أكثر مما تحتاجها إندونيسيا، على الأقل للاستفادة من عائدات الحج».

ومع تقلب الاقتصاد السعودي وفرض المملكة إجراءات تقشف داخلية، هل تكثف السعودية جهودها العالمية أو تُقلصها؟ ربما لا يكون لهذا الأمر أهمية.

فقد قال تشابلين: «إنَّ المدارس الداخلية السلفية، والتعليم الديني المقتبس من السعودية عمومًا، لم يعد من الضروري أن يعتمد على التبرعات السعودية، إذ أصبح التابعون شديدي المهارة، بشكل لا يصدق، في جمع الأموال محليًا».

وكما تظهر زيادة صعود المتشددين، واللغة العربية، وخلايا السلفية الجهادية في إندونيسيا، فقد أصبح للسلفية جاذبية متينة لا يمكن إنكارها. لقد بدأت الجهود السعودية، في إندونيسيا على الأقل، تؤتي ثمارها. وكما يختم التقرير، ربَّما يكون هذا النظام الديني الجديد قد أصبح مكتفيًا ذاتيًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد