أعلنت النيابة العامة السعودية أمس الاثنين الحكم بإعدام خمسة متهمين وسجن ثلاثة آخرين لمددٍ تبلغ إجمالًا 24 عامًا، في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي.

وأفرجت المحكمة عن أحمد عسيري، نائب رئيس المخابرات بعد التحقيق معه لـ«عدم ثبوت تهم عليه»، ولم توجه المحكمة اتهامًا للمستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني لـ«عدم وجود أدلة ضده».

استعرض عمر الفاروق ردود الأفعال التي صدرت على الحكم، في تقريرٍ نشره موقع «ميدل إيست آي»، قال فيه: إنه «إذا كان الهدف من الحكم على خمسة أشخاص بالإعدام بتهمة قتل جمال خاشقجي هو نزع فتيل الغضب الذي اشتعل احتجاجًا على عملية القتل؛ فإن الإعلان الذي أصدره النائب العام السعودي يوم الاثنين كان له تأثير معاكس». 

«محاكمة صورية»، و«عرض تمثيلي»، و«عدالة زائفة»، و«افتئاتٌ على العدالة». هكذا وصف بعض المراقبين والمشرّعين الأمريكيين الأحكام القضائية، التي برأت ساحة كبار المسؤولين السعوديين من المسؤولية عن قتل صحافي جريدة «واشنطن بوست» وتقطيع جثته.

ما أثار غضب النقاد أكثر هو أن الأحكام برأت سعود القحطاني، المستشار السابق لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأحمد عسيري، نائب رئيس الاستخبارات العامة السابق، اللذين تتوجه إليهما أصابع الاتهام في الاضطلاع بدورٍ رئيس في عملية القتل.

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك لم ينظر النظام القضائي السعودي مطلقًا في تورط أفراد العائلة المالكة في جريمة القتل، على الرغم من أن وكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه» خلُصَت في العام الماضي إلى أن ابن سلمان شخصيًا هو الذي أصدر أمر الاغتيال.

وسارعت هيئة تحرير «واشنطن بوست» إلى وصف الأحكام الصادرة يوم الاثنين بأنها «عدالة زائفة»، وقالت في افتتاحيتها: إن «هذه النتيجة ترقى إلى مستوى الإهانة ليس فقط لعائلة خاشجقي، ولكن أيضًا لكل مَن طالبوا بإجراء مساءلة حقيقية في القضية، ومنهم أغلبية نواب الكونجرس من كلا الحزبين».

وحذرت «واشنطن بوست» أيضًا حكومات العالم من مغبة الترحيب بنتائج المحاكمات السعودية، قائلة: إن «القبول الدولي بهذه النتيجة لن يكون مجرد خطأ أخلاقي، بل إقرارٌ خطير أيضًا؛ لأنه سيبعث برسالةٍ إلى الحاكم السعودي المتهور مفادها: أن مغامرته الدموية سيُتسامح معها».

وأعرب العديد من الأعضاء الديمقراطيين في الكونجرس عن معارضتهم الشديدة للأحكام. وغرَّد السناتور بيرني ساندرز على «تويتر» قائلًا: «خلُصَت وكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه» إلى أن ولي العهد السعودي هو الذي أمر بقتل جمال خاشقجي. هذه المحاكمة الصورية، التي أجراها نظامٌ استبداديّ، يضرب بالقوانين عرض الحائط، تبدو أشبه بمحاولة للتستُّر (على الجناة الحقيقيين)».

وأضاف ساندرز، الذي يسعى للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة: «ربما يريد دونالد ترامب التوقف عن إعلان حبه ومودته تجاه الديكتاتورية السعودية… ترامب أيضًا مذنب». 

على مدى السنوات الثلاث الماضية، انبرى ترامب للدفاع بقوة عن السعودية. وبعد مقتل خاشقجي دافع عن ابن سلمان في مواجهة الانتقادات الموجهة إليه، مؤكدًا مرارًا وتكرارًا على (أهمية) صفقات الأسلحة التي تبرمها الرياض مع واشنطن.

كان خاشقجي، الذي كتب أيضًا في موقع «ميدل إيست آي»، يوجه انتقادات متكررة لسياسة ابن سلمان، وفي نهاية المطاف قتله عملاء الحكومة السعودية داخل قنصلية المملكة في اسطنبول يوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018. 

واستشهد السناتور الديمقراطي تيم كين أيضًا بتقييم وكالة المخابرات المركزية الذي خلص إلى أن ابن سلمان كان وراء جريمة القتل، وحثَّ إدارة ترامب على السعي لتحقيق العدالة للقتيل الذي كان يحمل إقامة في الولايات المتحدة.

وقال كين، الذي يمثل ولاية فرجينيا التي عاش فيها خاشقجي: «يواصل كبار المسؤولين السعوديين التهرُّب من المساءلة عن عملية القتل التي راح ضحيتها جمال خاشقجي برعاية الدولة».

وأضاف السناتور الأمريكي: «يجب أن تطالب إدارة ترامب بتحقيق العدالة في عملية القتل الوحشية للصحافي الذي كان مقيمًا في ولاية فرجينيا، بدلًا عن تجاهل تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الذي يحدد قاتليه».

من جانبه ألقى السناتور ريتشارد بلومنتال باللوم مباشرة على ترامب. وقال: «بعد هذه المحاكمة الصورية، ها هي العقول المدبرة لعملية القتل الوحشية لجمال خاشقجي تفلت بجريمتها دون عقاب». وأضاف بلومنتال أن «ترامب أيضًا مذنب؛ لأنه لم يفعل شيئًا يُذكَر لمحاسبة ولي العهد على قتل صحافي شجاع يبحث عن الحقيقة».

«قتل عمد»

عارض عضو الكونجرس آدم شيف، الذي يرأس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، تأكيد المدعي العام السعودي بأن قتل خاشقجي لم يكن مخططًا له.

Embed from Getty Images

وغرَّد شيف على «تويتر» قائلًا: إن «هذا الحكم إنما هو استمرارٌ لجهود المملكة الرامية للنأي بالقيادة السعودية، ومن بينها ولي العهد، عن الاغتيال الوحشي للصحافي جمال خاشقجي الذي كان مقيمًا في الولايات المتحدة». وأضاف عضو الكونجرس أن «هذا كان قتلًا عمدًا، مع سبق الإصرار والترصُّد»، وليس «قرارًا مفاجئًا» أو «عملية مارقة» (حدثت بدون علم القيادة السعودية).

وكانت المملكة انتظرت 17 يومًا قبل أن تعترف بمقتل خاشقجي. في البداية ظل كبار المسؤولين السعوديين يصرون على أن الصحافي غادر المبنى حيًا. لكن بعد الاعتراف في نهاية المطاف بعملية القتل، قالت المملكة إنها كانت عملية غير مُصَرَّح بها، ولم يشارك ولي العهد ولا كبار المسؤولين الآخرين فيها.

تعليقًا على الأحكام القضائية، يقول عماد حرب، مدير البحث والتحليل في المركز العربي بالعاصمة واشنطن: «لا أعتقد أن المجتمع الدولي سوف ينسى ما حدث. وأعتقد أن قضية خاشقجي ستظل تمثل مشكلة للسعودية في إدارة سياستها الخارجية». 

وأضاف أن المحاكمات سمحت للمسؤولين الأقوياء، الذين دبروا القتل وأمروا به، بالإفلات بجريمتهم، بينما عاقبت «العناصر الصغيرة» على الجريمة بدلًا عنهم. وتابع حرب متوقعًا: «حتى من حُكِمَ عليهم بالإعدام، قد يصدر عفو عنهم بعد التوصل إلى شكل من أشكال المصالحة التي تتوسط فيها الدولة مع أسرة خاشقجي».

أما بالنسبة لدور الولايات المتحدة، فقال حرب: إن إدارة ترامب ستكون راضية على الأرجح عن الحكم، لكن الكونجرس بما في ذلك بعض أعضاء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس، سيستمر في ممارسة الضغط على المملكة.

وتابع حرب في تصريح لموقع «ميدل إيست آي»: «ربما سيتخذ الكونجرس بعض الإجراءات لمحاولة معاقبة (السعودية)، لكن في الوقت ذاته عندما يصل القرار إلى مكتب الرئيس، سيصطدم بـ«الفيتو» مهما كان القرار الذي سيتوصل إليه الكونجرس».

واستخدم ترامب حق النقض «الفيتو» الرئاسي مرتين هذا العام لحماية المملكة من تداعيات جهود الكونجرس الرامية لإنهاء تورط الولايات المتحدة في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن وحجب مبيعات الأسلحة إلى الرياض.

ورحب مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية بالأحكام السعودية الصادرة يوم الاثنين، وقال: «الأحكام الصادرة اليوم كانت خطوة مهمة في محاسبة المسؤولين عن الجريمة المروِّعة».

وأضاف: «شجعنا السعودية على اتخاذ إجراءات قضائية نزيهة وشفافة، وسوف نستمر في هذا. كان نهجنا الذي اتبعناه منذ اليوم الأول هو الحثّ على المساءلة الكاملة عن مقتل خاشقجي»، لكن أجنيس كالامارد، مقررة الأمم المتحدة المعنية بالإعدامات التعسفية، والتي حققت في عملية القتل، قالت: إن الأحكام ترقى لمستوى «الافتئات على العدالة». 

وغردت كالامارد على «تويتر» موضحة المثالب التي اعترت الأحكام قائلة: إن «بيت القصيد هو أن القتلة مذنبون، وحُكِمَ عليهم بالإعدام. بيدَ أن العقول المدبرة لم يُطلَق سراحهم فقط، بل خرجوا من التحقيق والمحاكمة كالشعرة من العجين. هذا افتئاتٌ على العدالة. إنها مهزلة».  

دولي

منذ 4 شهور
«ذا سبكتاتور» تكشف: كوشنر أعطى الضوء الأخضر لابن سلمان لاحتجاز خاشقجي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد