قال ديفيد روزنبيرج في مقال له في صحيفة «هآرتس»: إن المؤرخ بلوتارخ عندما سرد ​​هزيمة الرومان على يد الملك بيروس الإبيري، نقل (وهو مصدر غير موثوق بحسب الكاتب) عن الملك قوله: «إذا انتصرنا في معركة أخرى على الرومان، فسوف نتعرض للدمار التام». كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ إذ كان الضحايا من الرومان أكبر من بيروس في معركتين رئيستين، لكن كان لديهم المزيد من الرجال لمواصلة القتال. هذا هو السبب في صمود الإمبراطورية الرومانية، وفناء إبيروس.

من ناحية أخرى – يضيف روزنبيرج – من الأسلم أن نقول إن هزيمة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أمام الروس هذا الأسبوع في حرب أسعار النفط التي استمرت لمدة شهر هي نصر وهمي له.

صحيح أن ولي العهد أجبر روسيا أخيرًا على إجراء تخفيضات في إنتاج النفط مثلما أراد – في الواقع، أكثر مما رفضوه في البداية. لكن الانتصار كان مكلفًا للغاية حتى أن القواميس المستقبلية قد تفكر في استبدال مصطلح الانتصار باهظ الثمن بـ«انتصار محمد»، بحسب الكاتب.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
هل انتصرت السعودية في حرب النفط؟

فماذا حدث؟ يتساءل روزنبيرج. كما لاحظ بعضكم، كان لفيروس كورونا تأثير عميق على الاقتصاد العالمي، من بين أمور أخرى؛ مما تسبب في انهيار الطلب على الطاقة بشدة. كان فلاديمير بوتين يفكر بطريقة أخرى عندما رفض في بداية مارس (أذار) تخفيضات إنتاج النفط المنسقة مع أوبك، التي تتحكم بها في الواقع المملكة العربية السعودية.

كان يمكن للأمير محمد أن يفعل الشيء الحكيم. إذ تراجع نمو الاقتصاد العالمي بسرعة وكان الروس غير معارضين لخفض إنتاج النفط، وكان من شبه المؤكد أنهم سيعودون إلى طاولة المفاوضات في وقت قصير جدًا. لكن هذه ليست طريقة ولي العهد. بدلًا عن ذلك، اختار التحدي من خلال زيادة الإنتاج السعودي إلى أقصى حد وتقديم خصومات كبيرة للعملاء.

وكانت النتيجة أنه حول الوضع الكئيب للنفط إلى حالة كارثية: ففي ضربة واحدة – يؤكد روزنبيرج – انخفض سعر خام برنت بنسبة 24% وفي نهاية مارس كان عند أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عقدين. بمساعدة دونالد ترامب، جرى التوصل أخيرًا إلى اتفاق لخفض الإنتاج، لكن الإجماع كما يتضح من انخفاض أسعار والعقود الآجلة للنفط هو أن الصفقة أقل مما يجب، ومتأخرة للغاية.

ذعر ووفرة

الأمر لا يقتصر على أن إستراتيجية ولي العهد أثارت ذعر السوق وانخفاضًا أكبر في الأسعار مما كانت ستفعله الدبلوماسية، فقد أغرق الأمير محمد السوق لدرجة أنه ما عاد يوجد حرفيًا مكان لتخزين كل النفط الذي جرى ضخه.

كانت آخر مرة لجأت فيها المملكة إلى سياسة حافة الهاوية في عام 2014، قبل صعود الأمير محمد إلى السلطة. ولكن من المؤكد أنه كان يراقب من بعيد ويتعلم. ومع أن الطلب العالمي كان ضعيفًا – ينوه روزنبيرج – قرر السعوديون فتح الصنبور عن آخره على أمل دفع منتجي النفط الصخري الأمريكي للخروج من السوق، ولكن فشلت الخطة بشكل بائس ولم تتعافى الأسعار قط.

لم تعد المملكة العربية السعودية في وضع يمكنها من الانخراط في هذا النوع من المقمارات عالية المخاطر. تطفو المملكة على بحر من النفط وتنتجه بسعر منخفض، ولكن لديها التزامات مالية كبيرة أيضًا منذ أن شرع الأمير محمد في خطته لرؤية 2030 لتنويع الاقتصاد.

وتشير تقديرات وكالة فيتش إلى أن نقطة التعادل في المملكة، الحد الأدنى لسعر النفط الذي تحتاجه، لتغطية نفقاتها ستكون 91 دولارًا للبرميل هذا العام. ولكن لا أحد يتوقع أن يصل السعر قرب هذا المستوى في المستقبل المنظور.

منذ قرارها الخاطئ في عام 2014 – يقول روزنبيرج – انخفضت الاحتياطيات الأجنبية السعودية من 740 مليار دولار إلى 500 مليار دولار. جرى قطع الدعم عن المواطنين السعوديين الذين اعتادوا على سخاء الدولة اللا محدود، وبدأوا في اقتراض الأموال من الخارج. وهناك جولة جديدة من تخفيضات الميزانية في الطريق. باختصار لا تملك السعودية المال لعلاج السخط الاجتماعي كما كانت في الماضي. أي أموال لديها ستذهب لتخفيف الأثر الاقتصادي للفيروس التاجي.

وفي الوقت نفسه، فإن خطط ولي العهد لتحويل بلاده إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والسياحة تحت رؤية 2030 قد ماتت بالفعل. فخزائن المملكة شبه خاوية لدرجة أنها عاجزة عن الاستثمارات طويلة الأجل في مدن المستقبل، والاستثمار الأجنبي الذي كان يعتمد عليه للمساعدة في تمويل طموحه لم يتحقق حتى قبل تفشي فيروسات التاجية.

على كل جبهة أخرى تقريبًا – الحرب مع اليمن، حصار قطر، اغتيال الصحافي جمال خاشقجي والآن قيادته العامة في حرب أسعار النفط – أثبت ولي العهد أنه مخادع متمرس. كانت رؤية 2030 الشيء الوحيد الذي كان يفعله وأظهر ملامح قيادة إستراتيجية حقيقية. لكن أخطاءه الأخرى دمرت ذلك أيضًا. لو كان مقدرًا للسعوديين الانتخاب، فسيكون محمد بن سلمان أميرًا لولاية واحدة.

لن تكون المملكة العربية السعودية في عام 2030 على الأرجح وادي السليكون الشرق الأوسط، ولكن منتجًا للنفط يكافح بقيادة رجل حصل على منصبه، ليس بسجل حافل بالإنجازات والقيادة الفعالة، ولكن عن طريق الوراثة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد