في ظل رد الفعل الغربي تجاه مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تزايدت حاجة السعودية لتنويع تحالفاتها، بحسب تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية. إذ اتخذ الكونجرس تدابير لتحميل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المسؤولية عن جريمة القتل وتقليص المساعدات العسكرية للمملكة، في حين تراجعت الشركات التقنية الأمريكية التي اعتمد عليها الأمير بشكل كبير في مشاريعه خوفًا من الضرر الذي سيلحق بسمعتهم في السوق. رغم أن الصحيفة الأمريكية لا ترى بديلًا للتحالف مع الولايات المتحدة.

«ذي إنترسبت»: محمد بن سلمان يحكم السعودية على طريقة «مجرم أفلت بجريمة قتل»

لكن الصحيفة ذكرت أن الدول التي يزورها الأمير محمد هذا الأسبوع – باكستان، والهند، والصين – لم تعرب عن مثل هذه المخاوف، إذ منحت الأولوية للعلاقات الاقتصادية مع المملكة على المخاوف بشأن احترامها لحقوق الإنسان. وتعهد محمد بن سلمان باستثمار مليارات الدولارات في باكستان ومحاولة بيع المزيد من النفط للهند، خلال زيارته إلى آسيا هذا الأسبوع. فضلًا عن بحث تعميق علاقاته الاقتصادية مع الصين.

وأوردت الصحيفة تصريحات المحللين عن الجولة التي يجريها الحاكم الفعلي للمملكة التي ظلت تعتبر الولايات المتحدة أهم حلفائها لوقت طويل، إذ رأوا أنها تسلط الضوء على مدى تطلع السعودية إلى آسيا أملًا في الحصول على الدعم السياسي والتكنولوجي الذي لا تحصل عليه دائمًا من الغرب.

ويقول المحللون، بحسب الصحيفة: إن السعوديين يبعثون رسالةً قويةً إلى الغرب باتجاههم شرقًا. إذ قال محمد تركي السديري، باحث مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية المقيم بهونج كونج: «القيادة السعودية تدرك أهمية تنويع علاقاتها. والرسالة فحواها أن هناك العديد من الخيارات الأخرى».

علاقات قديمة تبلغ آفاقًا جديدة

وأفادت الصحيفة الأمريكية أن علاقة السعودية بآسيا كانت تبادليةً بحتةً على مر التاريخ، إذ تبيع المملكة النفط الخام للاقتصادات الآسيوية القوية وتستورد البضائع المصنعة. وسعى الأمير محمد -33 عامًا- إلى توطيد علاقات المملكة مع الدول الآسيوية وأجرى زيارات سابقة للمنطقة منذ وصول والده الملك سلمان إلى عرش المملكة عام 2015.

محمد بن سلمان في زيارته الأخيرة إلى الهند

وبدأ جولته الأخيرة يوم الأحد في باكستان، الدولة الإسلامية الشقيقة التي استقبلته استقبال الأبطال بتحية عسكرية من 21 طلقة ومرافقة من طائرة حربية بحسب الصحيفة. ومنحه الرئيس عارف علوي أعلى أوسمة باكستان، في حين منحه رئيس مجلس الشيوخ بندقيةً هجوميةً مطليةً بالذهب.

وأوردت الصحيفة أن رئيس الوزراء عمران خان تحدث عن حاجة باكستان الماسة للتمويل السعودي من أجل تخطي الأزمة الاقتصادية، في حين وقع الأمير محمد على اتفاقيات مبدئية لاستثمارات بقيمة 20 مليار دولار في التعدين والزراعة والطاقة وغيرها من القطاعات، مع وعد بالإفراج عن آلاف الباكستانيين في السجون السعودية.

وقال عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي: «هذه ليست أعمالًا خيرية، هذا استثمار. وسيعود بالفائدة على كلا الجانبين». لكن مقدار الفائدة لا يمكن تحديده بعد، بحسب الصحيفة؛ لأن معظم الاتفاقيات أتت في صورة مذكرات تفاهم غير ملزمة من النوع الذي لا يطبق على أرض الواقع عادةً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن الأمير محمد سافر إلى الهند يوم الثلاثاء، حيث استقبل بقرع الطبول وعناق من رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وتمثل الهند مصدرًا مهمًا للأيدي العاملة في المملكة العربية السعودية، في ظل عمل ملايين الهنود داخل المملكة.

وكان من المتوقع خلال الزيارة أن يضغط الأمير على الهند لشراء المزيد من النفط السعودي اللازم لتشغيل اقتصادها المتنامي سريعًا وتقليص حصة السوق التي تمتلكها إيران، المنافس الرئيس للسعودية بحسب الصحيفة.

لو أن السعودية تفتح حربًا على إيران من باكستان.. ما هي أوراق طهران للمواجهة؟

حليف إستراتيجي جديد في بكين

وأفادت الصحيفة أن الأمير محمد وصل إلى الصين يوم الأربعاء ليعقد محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينج وغيره من المسؤولين يومي الخميس والجمعة. وتعد الصين أكبر مشتر للنفط الخام السعودي، وتزايدت العلاقات بين البلدين في قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية.

ونمت العلاقة بين البلدين؛ لأن كلاهما يمتلك خططًا طموحةً للتنمية، ويمكن أن يساعدا بعضهما البعض، بحسب «نيويورك تايمز». إذ ترى الصين في السعودية مصدرًا مستقرًا لإمدادات النفط وتأمل أن تؤدي المملكة دورًا كبيرًا في «مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وهي خطة الرئيس الصيني الطموحة لبناء خطوط قطارات وشبكات طاقة وطرق أفضل للربط بين الصين وحلفائها في أوروبا وأفريقيا. وعلى الجانب السعودي، بدأ الأمير محمد خططه لانفتاح المملكة وتنويع اقتصادها، في صورة مشروع يدعى «رؤية 2030»، ويأمل أن تساعده الشركات الصينية على النجاح.

وقال لي جوفو، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد الصين للدراسات الدولية – منظمة بحثية تشرف عليها وزارة الخارجية الصينية: «تمتلك الصين الخبرة والتمويل والتكنولوجيا والمواهب اللازمة لرؤية 2030».

مترجم: خاشقجي وابن سلمان وترامب.. مفاتيح لفهم أزمة بيزوس مع «ناشيونال إنكوايرر»

وانتقل التعاون الصيني السعودي إلى مجالات جديدة أيضًا، بحسب الصحيفة. إذ اتفق البلدان عام 2017 على افتتاح مصنع داخل المملكة العربية السعودية لبناء طائرات صينية بدون طيار. وفي العام الماضي، أطلقت الصين قمرين صناعيين للرصد في السعودية.

وترى الصحيفة الأمريكية أن تيسير العلاقات الصينية السعودية هو بمثابة رؤية مشتركة تمنح الأولوية للاقتصاد، في حين تتجاهل كل دولة ممارسات الحوكمة المحلية وحقوق الإنسان لدى الدولة الأخرى. إذ التزمت الصين بالصمت في ما يتعلق بمقتل خاشقجي، في حين لم تنتقد السعودية حملة الاعتقالات الصينية الموسعة بحق أقليتها المسلمة. ويزيد هذا من حجم الفرص المتاحة أمام الشركات التقنية السعودية.

وذكرت الصحيفة أن الأمير محمد زار المقرات الرئيسة لشركات «جوجل، وآبل» والتقى بجيف بيزوس، رئيس أمازون، خلال جولته في الولايات المتحدة العام الماضي، أملًا في أن يكسب مشاركتهم في خططه للتنمية. ولكن المحادثات توقفت في أعقاب مقتل خاشقجي، وأنهت الكثير من الشركات الأمريكية علاقاتها مع المملكة.

وقال جوفو، المحلل الصيني: إن السعوديين «لا يبدو عليهم الارتياح» حاليًا في علاقتهم مع الولايات المتحدة وأوروبا، حيث أدانت العديد من الحكومات جريمة القتل. وأضاف: «هذا سبب وجيه لإجراء السعودية هذا النوع من التكيف الإستراتيجي».

ولم ترفض الشركات الصينية هذا التقرب، بحسب الصحيفة، في ظل بحثها عن أسواق جديدة في ظل تباطؤ اقتصادها المحلي. إذ افتتحت هواوي، شركة الاتصالات الصينية التي وصفها المسؤولون الأمريكيون بأنها تمثل تهديدًا لأمنهم القومي، أكبر متاجرها في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي داخل العاصمة السعودية الرياض. وألغت أمازون خططها لافتتاح مكتب داخل المملكة، في حين وسعت جولي شيك – شركة التجارة الإلكترونية الصينية – مقراتها في الرياض.

وقال سام بلاتيس، مدير العلاقات مع حكومات الخليج في جوجل وأحد مؤسسي شركة مينا كاتاليستس للاستشارات: «لا تبالي شركات التكنولوجيا الصينية بمواقف حكومات الشرق الأوسط تجاه الأمن والسلامة العامة. ولكنها تقف على قدم المساواة في ما يتعلق بالتبادل بين جبهات الخصوصية والأمن المتغايرة».

وأفادت «نيويورك تايمز» أن الصين تحرص على عدم كسب عداء الدول الشرق أوسطية الأخرى في ظل توددها للقادة السعوديين. إذ قال وانغ يي، وزير الخارجية الصيني، لنظيره الإيراني محمد جواد ظريف: إنه يرغب في توطيد «الثقة الإستراتيجية» بين البلدين خلال اجتماع عقد في بكين.

وقال زو زيكيانج، الأستاذ المساعد بمعهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة الدراسات الدولية بشانغهاي: «الصين لا تنتقي جانبًا على حساب الآخر، ومبدأها الدائم هو توازن العلاقات. ولن توافق الصين على أي تحركات مثل مواجهة إيران لمجرد أن تكسب التعاون مع المملكة العربية السعودية».

لا بديل للولايات المتحدة

ولا يتوقع الكثيرون انهيار العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة، بحسب الصحيفة، رغم تنامي علاقاتها مع آسيا. إذ أنفقت المملكة مئات المليارات من الدولارات على الأسلحة الأمريكية التي تتضمن الكثير منها عقود صيانة طويلة الأمد تزيد صعوبة تحول السعوديين إلى أنظمة أخرى.

محمد بن سلمان.. سنوات الطفولة والمُراهقة قد تُفسر الكثير

وأوردت الصحيفة أن الرئيس ترامب وقف إلى جانب الأمير محمد واعتبره شريكًا ضروريًا لخطط إدارته في التصدي لإيران وإنجاز خطة سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، رغم الغضب المتنامي تجاه السعودية داخل الكونجرس.

وقال محمد اليحيى، رئيس تحرير موقع العربية الإنجليزي السعودي: «أصبحت الصين طرفًا مهمًا وشريكًا إستراتيجيًا للمملكة، لكن العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة لا يمكن لأحد أن يستبدل بها. لذا لا أعتقد بصحة فكرة وجود محور جديد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات