قبل عدة أشهر من بدء حلفاء الخليج في الضغط من أجل الإطاحة به، تدخل تيلرسون لوقف خطة سرية تدعمها السعودية والإمارات لغزو قطر.

قبل أن يعلم وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بقرار إقالته بعد تغريدة نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على موقع «تويتر» بــ13 ساعة، فعل شيئًا لم يكن ترامب راغبًا فيه. بعد مكالمة هاتفية مع نظيره البريطاني، أدان تيلرسون هجوم غاز الأعصاب القاتل الذي استهدف عميلًا روسيًا في المملكة المتحدة، قائلًا: إنه «لديه ثقة تامة في تحقيقات المملكة المتحدة وتقييمها بأن روسيا كانت مسؤولة على الأرجح عن الهجوم».

وكانت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، سارة ساندرز، قد وصفت الهجوم بأنه «متهور وعشوائي وغير مسؤول»، لكنها توقفت عن إلقاء اللوم على روسيا؛ مما دفع العديد من وسائل الإعلام إلى التكهن بإقالة تيلرسون بسبب انتقاده روسيا.

لكن في الأشهر التي تلت رحيله، أشارت تقارير صحافية بقوة إلى أن الدول التي كانت تمارس الضغط أكثر من أي جهة لإقالة تيلرسون كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكلاهما كان محبطًا بسبب محاولات تيلرسون للتوسط وإنهاء حصارهما لقطر. وقد أشار أحد التقارير في صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن سفير الإمارات في واشنطن كان يعلم أن تيلرسون ستتم إقالته قبل ثلاثة أشهر من القرار في مارس (آذار) الماضي، بحسب تقرير نشره موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي.

وقد علم موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي بحادثة لم توردها من قبل وسائل الإعلام كانت سببًا في إثارة ​​غضب الإمارات والسعودية من تيلرسون، وربما لعبت دورًا رئيسيًا في إقالته. في صيف عام 2017، قبل عدة أشهر من بدء حلفاء الخليج في الضغط من أجل الإطاحة به، تدخل تيلرسون لوقف خطة سرية تدعمها السعودية والإمارات لغزو قطر، وفقًا لعضو استخباراتي أمريكي واثنين من المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية، رفضوا جميعهم ذكر أسمائهم مشيرين إلى حساسية الموضوع.

مكالمات لنزع فتيل الأزمة

في الأيام والأسابيع التي تلت قطع السعودية والإمارات ومصر والبحرين العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وأغلقوا حدودهم البرية والبحرية والجوية مع الدوحة، قام تيلرسون بسلسلة من المكالمات الهاتفية التي تحث المسؤولين السعوديين على عدم اللجوء إلى التحرك العسكري ضد قطر. وكانت تقارير قد أشارت إلى هذه المكالمات في يونيو (حزيران) 2017، لكن وزارة الخارجية في ذلك الوقت وصفتها بأنها جزء من جهد واسع النطاق لحل التوترات في الخليج، وليس كمحاولة من قبل تيلرسون لتجنب العمل العسكري الذي تقوده السعودية.

في المكالمات، حث تيلرسون، الذي تعامل على نطاق واسع مع الحكومة القطرية بصفته الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، الملك السعودي سلمان، وولي ولي العهد آنذاك الأمير محمد بن سلمان، ووزير الخارجية عادل الجبير على عدم مهاجمة قطر أو تصعيد الأعمال العدائية، وفق ما نقل موقع «ذي إنترسبت» عن مصادر. كما شجع تيلرسون وزير الدفاع جيمس ماتيس على استدعاء نظرائه في السعودية لشرح مخاطر مثل هذا الغزو. قاعدة العُديد الجوية بالقرب من الدوحة هي المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية، وموطن لنحو 10 آلاف جندي أمريكي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأمير قطر الشيخ تميم

تسبب ضغط تيلرسون – بحسب «ذي إنترسبت» – في أن يتراجع محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد، بعدما شعر بالقلق من أن الغزو سيضر بالعلاقات السعودية الطويلة الأمد مع الولايات المتحدة، لكن تدخل تيلرسون أثار غضب محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي وولي العهد، الحاكم الفعلي للبلاد، وفقًا لمسؤول استخباراتي أمريكي ومصدر مقرب من العائلة المالكة الإماراتية، الذي رفض الكشف عن هويته، مشيرًا إلى مخاوف بشأن سلامته.

في وقت لاحق من ذلك في يونيو (حزيران) سمى محمد بن سلمان وليًا للعهد بدلًا عن ابن عمه الأمير محمد بن نايف. وأشار صعوده إلى نفوذه المتنامي على شؤون المملكة.

اكتشف عملاء مخابرات قطريون يعملون داخل السعودية الخطة في أوائل صيف عام 2017، وفقًا لمسؤول استخباراتي أمريكي. تصرف تيلرسون بعد أن أبلغته الحكومة القطرية والسفارة الأمريكية في الدوحة. بعد عدة أشهر، أكدت تقارير استخبارية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجود الخطة.

تفاصيل الخطة

الخطة، التي تم تصميمها بشكل كبير من قبل وليي العهد السعودي والإماراتي، وكان من المحتمل تنفيذها بعد أسابيع، كانت تقضي بأن تشارك القوات البرية السعودية في عبور الحدود البرية إلى قطر، وبدعم عسكري من الإمارات، تتقدم نحو 70 ميلًا نحو الدوحة. وبعد الالتفاف حول القاعدة الجوية الأمريكية، فإن القوات السعودية كانت ستسيطر على العاصمة.

ولي العهد السعودي بن سلمان خلال زيارة له إلى واشنطن-البيت الأبيض

في 20 يونيو (حزيران) قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، هيذر ناويرت، للصحافيين: إن تيلرسون قد «أجرى أكثر من 20 مكالمة واجتماعًا مع ممثلين خليجيين وغيرهم من الجهات الإقليمية والوسيطة»، بما في ذلك ثلاث مكالمات هاتفية واجتماعين مع الجبير.

وقد قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لموقع «ذي إنترسبت» الأسبوع الماضي: إنه «طوال النزاع، التزمت جميع الأطراف صراحة بعدم اللجوء إلى العنف أو العمل العسكري». ولم يستجب تيلرسون، من خلال مساعد شخصي، لطلبات الموقع الأمريكي للتعقيب.

ونقل موقع «ذي إنترسبت» عن المتحدث باسم البنتاغون اللفتنانت ريبيكا ريباريتش أنه على الرغم من أن وزير الدفاع ماتيس اجتمع بانتظام مع وزارة الخارجية، فإن «تفاصيل هذه الاجتماعات سرية» . وقال ريباريتش: «أوضحت وزارة الدفاع أن الانقسام المستمر في الخليج يعرض الأولويات الأمنية الإقليمية المتبادلة للخطر وشجعت جميع الأطراف على السعي لحلها. ومن الأهمية بمكان أن يستعيد مجلس التعاون الخليجي تماسكه وعودة جميع دول الخليج إلى التعاون المتبادل من خلال حل سلمي يوفر الاستقرار والازدهار الإقليمي للجميع».

وفقًا لموقع «ذي إنترسبت»، تطرح خطة الغزو أسئلة حول النزعات التدخلية من جانب اثنين من أقرب حلفاء الولايات المتحدة وأكبر عملاء الأسلحة. في السنوات الأخيرة، أظهر البلدان استعدادًا لاستخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل السياسة في الخليج، والتدخل في البحرين لقمع انتفاضة الربيع العربي في عام 2011 وشن حرب دامت ثلاث سنوات مدعومة من الولايات المتحدة دمرت اليمن.

دعم ترامب للحصار

وقال روبرت مالي، الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات والمستشار البارز السابق لشؤون الشرق الأوسط للرئيس باراك أوباما: إنه منذ صيف عام 2017، أخبره المسؤولون القطريون باستمرار أن بلادهم تعرضت للتهديد بالغزو.

وقال مالي لموقع «ذي إنترسبت»: «ليس هناك شك في أن كبار المسؤولين القطريين الذين تحدثت إليهم كانوا مقتنعين – أو على الأقل تصرفوا كما لو كانوا مقتنعين – بأن السعودية والإمارات كانتا تخططان لهجوم عسكري على بلادهم تم إيقافه نتيجة للتدخل الأمريكي».

تباينت محاولات تيلرسون لتهدئة الصراع في الخليج نتيجة للإشارات المرسلة من البيت الأبيض. فقد منح ترامب دعمه الكامل للحصار، حيث قال: «ربما يكون هذا بداية النهاية لرعب الإرهاب». وبينما طالب تيلرسون دول الخليج برفع الحظر، قال ترامب للصحافيين: «لسوء الحظ، لقد كانت قطر ممولًا تاريخيًا للإرهاب على مستوى عالٍ للغاية».

العاصمة القطرية الدوحة كانت عرضة للغزو من قبل دول الحصار

ووفقًا لأحد التقارير الإخبارية، شعر تيلرسون بالإحباط من البيت الأبيض لتحجيم دوره، وشكك مساعدوه في أن تصريحات ترامب قد صاغ مضمونها السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، الذي تربطه علاقات قوية بصهر الرئيس الأمريكي ومستشاره جاريد كوشنر.

في ذلك الوقت، كان كوشنر يتولى شخصيًا التعامل مع خطط الإدارة الدبلوماسية مع الكثير مع دول الخليج، وكان قادة السعودية والإمارات يفضلون التواصل معه بدلاً من مؤسسات الدفاع أو الاستخبارات الأمريكية. تواصل كوشنر مباشرة مع وليي العهد في السعودية والإمارات باستخدام خدمة الرسائل المشفرة «WhatsApp».

يتوقع بعض المراقبين الخليجيين أن الحافز للغزو المخطط له ربما كان يعود جزئيًا لأسباب مالية. يعتمد نظام الرفاهة في السعودية «من المهد إلى اللحد» على أسعار النفط المرتفعة، التي تراجعت في عام 2014 ولم تنتعش تمامًا. منذ وصول الملك الحالي إلى السلطة في عام 2015، أنفقت البلاد أكثر من ثلث احتياطياتها البالغة 737 مليار دولار، وفي العام الماضي، دخل الاقتصاد السعودي في حالة ركود مؤلمة. ردًا على ذلك، بحثت الحكومة عن طرق لجمع الأموال، بما في ذلك عن طريق بيع أسهم في شركة النفط المملوكة للدولة: «أرامكو» السعودية.

وفي حال نجحت السعودية في غزو الدوحة، فربما تمكنوا من الوصول إلى صندوق الثروة السيادية في البلاد والبالغ 320 مليار دولار. في نوفمبر (تشرين الأول) من العام الماضي، بعد أشهر من انهيار الخطة، قام ولي العهد السعودي بجمع واعتقال العشرات من أقاربه في فندق الريتز كارلتون بالرياض؛ مما أجبرهم على التوقيع على تسويات بمليارات الدولارات. وبررت الحكومة الاعتقالات باعتبارها حملة قمع للفساد، لكنها سمحت للدولة باسترداد المليارات من الأصول لاستخدامها من قبل الحكومة.

ابتداءً من خريف 2017، بدأ وليا العهد في الرياض وأبوظبي بالضغط على البيت الأبيض لإقالة تيلرسون، بحسب مصدر مقرب من العائلة المالكة الإماراتية، ومصدر آخر قريب من العائلة المالكة السعودية.

لم يكن لدى أي من المسؤولين الحاليين أو السابقين الذين قابلهم موقع «ذي إنترسبت» فكرة مباشرة عن سبب قرار ترامب بإقالة تيلرسون، لكن أحد المصادر أخبر «ذي إنترسبت» أن التوقيت – قبل أسبوع من وصول ولي العهد السعودي إلى واشنطن في زيارة معلنة – كان مهمًا. خلال تلك الزيارة، كان من المقرر أن يناقش ولي العهد، أزمة قطر ومبيعات الأسلحة المستقبلية مع الإدارة.

كما أشارت أربعة من المصادر التي قابلها «ذي إنترسبت» إلى حملة مستمرة من جانب الإمارات لمحاولة دفع قطر إلى تصعيد الأزمة. واصلت قطر الشكوى من انتهاكات مجالها الجوي من قبل الطائرات الإماراتية، موضحة بالتفصيل اتهاماتها في خطاب إلى الأمم المتحدة في وقت سابق من هذا العام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات