تشهد المملكة العربية السعودية هذه الأيام ثورة اجتماعية وتكنولوجية. ويتولى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مهمة لتحويل اقتصاد المملكة المحافظة إلى اقتصاد حديث، معتمدًا على التكنولوجيا باعتبارها مساعدًا رئيسيًّا ومحركًا للتحول، بحسب تقرير نشره موقع «فوربس» الأمريكي.

يتضمن مخطط ولي العهد السعودي الطموح للإصلاح، الذي يطلق عليه رؤية 2030، تركيزًا أكبر على التكنولوجيا، مع وجود شبكة من مراكز البيانات لتوفير الإطار الرئيسي للخطة. وفي حين أن المخطط يستهدف الوصول إلى اقتصاد منفتح، والسير بالبلاد بعيدًا عن اعتمادها كليًا على النفط، فإن ابن سلمان يهدف إلى إنشاء نظام بيئي تكنولوجي مزدهر في البلاد.

ولتحقيق هذه الغاية، عقد عددًا كبيرًا من الصفقات لتعزيز طموحات البلاد ذات التقنية العالية، بما في ذلك الشراكات مع شركة جوجل العملاقة في مجال التكنولوجيا لبناء مركز كبير للتكنولوجيا في المملكة، وإنشاء خدمات الأمن السيبراني الوطنية مع شركة رايثون.

كما أنه يتقرب من الفاعلين في وادي السليكون بقوة أيضًا. في شهر أبريل (نيسان)، التقى الأمير محمد خلال جولته الواسعة في الولايات المتحدة مع الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة أمازون جيف بيزوس، والرئيسة التنفيذية لشركة مايكروسوفت ساتيا ناديلا، والمؤسس المشارك لشركة جوجل سيرغي برين. وزار جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وناقش مشروعات تتعلق بأنشطة الفضاء مع ريتشارد برانسون، الرئيس التنفيذي لشركة فيرجين. في غضون ذلك، تجري شركة سناب شات محادثات لفتح مكاتب في المملكة، وكذلك آبل وأمازون.

وفي مارس (آذار) الماضي، أعلن بنك سوفت بنك عن مبادرة بقيمة 200 مليار دولار لبناء أكبر مشروع لتوليد الطاقة الشمسية في العالم في السعودية، حيث من المتوقع أن يؤدي نمو صناعة الطاقة الشمسية إلى توفير 100 ألف وظيفة وزيادة الناتج المحلي الإجمالي السعودي بمقدار 12 مليار دولار، بحسب ما ذكر التقرير.

القدرات الشبابية

ونقل التقرير عن حسن حيدر، الشريك في شركة ستارت آبس 500، وهي شركة استثمار في وادي السيلكون، تستثمر في الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قوله: «لقد جاء التركيز على التكنولوجيا في الوقت المناسب لتنمية المنطقة. مع انخفاض أسعار النفط، لم تعد الحكومات والصناعات التقليدية قادرة على تغطية متطلبات التوظيف بسبب العدد المتزايد من الخريجين الشباب الجدد».

وأضاف حيدر: «لا يوجد مسار أفضل لمستقبل المملكة العربية السعودية من انخراطها بنشاط في التكنولوجيا والشركات الناشئة…».

70 % من سكان المملكة من الشباب-الرياض

تنتشر الشركات الناشئة في البلاد مدفوعة بزيادة الاستثمار المحلي. تعمل الرياض على تخفيف العوائق التنظيمية، بما في ذلك القيود على الملكية الأجنبية التي ساهمت في إحجام المستثمرين لفترة طويلة، بينما تسعى البلاد لنقل التكنولوجيا من خلال استثمارها البالغ 45 مليار دولار في صندوق سوفت بنك فيجين، الذي يصب المال في الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم. حتى أنها أعلنت عن خطط لإنشاء مدينة عملاقة ذات تكنولوجيا عالية تبلغ تكلفتها 500 مليار دولار، تدعى نيوم، مع الاعتماد على المزيد من الروبوتات أكثر من البشر، ومنحت الجنسية السعودية لروبوت يدعى صوفيا في العام الماضي.

وقال التقرير إن البلاد تهدف إلى أن تكون مركزًا للابتكار في الشرق الأوسط، كما يقول خالد الخضير، مؤسس شركة جلو وورك، وهي شركة ناشئة كانت في طليعة تعزيز مشاركة المرأة في القوى العاملة السعودية، وهذا يجلب شعورًا بالأمل للشباب السعوديين، الذين يمثلون غالبية السكان.

وقال الخضير: «نظرًا لأن غالبية سكاننا – أكثر من 70% – تقل أعمارهم عن 35 عامًا، فإن التحول الرقمي في البلاد سيخلق مجموعة من الوظائف الجديدة. وسيكون من الأهمية بمكان تحويل اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد المعرفة الكامل».

نقص المواهب الماهرة

التقرير رجح أن يؤدي دفع ولي العهد السعودي للاستثمارات في التكنولوجيا إلى خلق فرص عمل، وتطوير روح المبادرة، وتحويل الباحثين عن عمل من ذوي الكفاءات العالية إلى منتجين للوظائف، وبالتالي تطوير البنية التحتية الرقمية للدولة. لكن الوصول إلى هذا الهدف، وخلق وادي سيليكون آخر في الشرق الأوسط، ليس مهمة سهلة، وسوف يستغرق بعض الوقت، كما يقول الخبراء. يعتبر نقص الدعم والخبرة في مجال تكنولوجيا المعلومات عقبة كبيرة.

ونقل التقرير عن هتان ساتي، مؤسس شركة الاستشارات الإدارية ستراتيجيك جيرز قوله:«نظرًا لبعض نقاط الضعف في النظام التعليمي، ونقص شركات تكنولوجيا المعلومات الكبيرة في البلاد، والتي كان من الممكن أن تساعد في بناء الخبرة الضرورية مع مرور الوقت، فإن إيجاد العمال المهرة سيكون تحديًا».

مشروعات استثمارية بالمملكة

وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن معهد التمويل الدولي، فإن السعوديين، الذين يشغلون 19% فقط من الوظائف في القطاع الخاص في بلدهم، يحتاجون إلى تغييرات جوهرية في التعليم وتنمية المهارات.

وقال جوزيف كيشيشيان، زميل بارز في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض: «ستحتاج المملكة إلى تعزيز قدراتها في مجال تكنولوجيا المعلومات بشكل كبير، على الرغم من أن الخبرة الأساسية متاحة ومتنامية. تركز معظم الجامعات السعودية على مناهج التكنولوجيا العالية حتى وإن كان يتعين بذل المزيد للوصول إلى المستويات الدولية».

كما كشفت دراسة حديثة بعنوان «مشروع مستقبل العمل» أن النقص في المواهب الماهرة سيستمر في عرقلة النمو، بما في ذلك إيرادات سنوية محتملة غير محققة تبلغ أكثر من 206 مليار دولار في المملكة العربية السعودية.

تدرك الحكومة نقص المهارات، كما يقول ساتي، وقد تم تنفيذ المبادرات الرئيسية عبر التعليم والمدن الذكية والأمن السيبراني. كما أنها تعالج المشكلة بشكل مباشر من خلال جذب مستثمرين مثل أمازون وآبل، وإعلان حوافز لأصحاب المشاريع المحليين.

اقتصاد سريع النمو

ويرى ساتي أن الاستثمارات القادمة من عمالقة تكنولوجيا المعلومات مثل آبل لإنشاء منافذ البيع بالتجزئة الرئيسية، وشركة أمازون لبيع خدمات تخزين البيانات والحوسبة من شأنها أن تعزز خطط الإصلاح التي يقوم بها الأمير في بلد يضم بعضًا من أعلى استخدامات الإنترنت والهواتف الذكية في العالم.

وأضاف ساتي: «تم تكليف العديد من الجهات الحكومية مثل دوائر الاتصالات السلكية واللاسلكية، وزارة العمل والتعليم، ووحدة الرقمنة الوطنية بمشروعات للتأكيد على دور التكنولوجيا في تحويل المملكة. كل هذه الجهود ستحقق نتائج مهمة في المستقبل القريب».

ولي العد السعودي خلال زيارته لواشنطن-البيت الأبيض

التقرير ذكر أن لدى المملكة القدرة على دفع ثمن تحولها، خاصة أنها تتطلع إلى استثمار عائدات مبيعات شركة أرامكو النفطية في شركات وصناعات جديدة، بما في ذلك قطاع التكنولوجيا. لكن نقاط الضعف في الحجم الصغير للاقتصاد، مع الشركات متوسطة الحجم، وهشاشة السوق، ونقص البنية التحتية، والقطاع الخاص غير الديناميكي أو المتنوع، قد لا تثير اهتمام جمهور المستثمرين في مجال تكنولوجيا المعلومات وجذب المزيد من الشركات.

غير أن ساتي قال إن اقتصاد المملكة سريع النمو سيساعد في خلق نظام بيئي مدعوم بالتكنولوجيا. وقال: «قد يكون الاقتصاد السعودي أصغر بكثير من الولايات المتحدة، لكنه لا يزال أحد أكبر 33 اقتصادًا في العالم».

وأضاف قائلاً: «يعد سوق الأسهم فيها الأكبر في الشرق الأوسط، وهي عضو في مجموعة العشرين التي تمثل مجتمعة حوالي 85% من إجمالي الناتج العالمي. لقد حدد ولي العهد مجالات حيوية للاقتصاد تعتمد على تكنولوجيا المعلومات وهو مصمم على الاستثمار في تلك القطاعات».

في الوقت الذي يتحرك فيه الأمير البالغ من العمر 32 عامًا بسرعة في جهوده لإعادة اختراع البلاد، لا أحد يعرف ما إذا كانت رؤيته ستنجح لأن المجتمع المحافظ لا يزال يشكل تحديًا – حيث يتم قمع المنتقدين على الشبكات الاجتماعية، بحسب تقرير الموقع الأمريكي.

وقال كيشيشيان: «كل مجتمع شرع في تحول سريع سيواجه معارضة من عناصر محافظة، والمملكة العربية السعودية ليست استثناء». ومع ذلك، على مدى السنوات القليلة المقبلة، يأمل كيشيشيان أن يتغير النسيج الاجتماعي-السياسي للمملكة بشكل كبير وأن يؤدي دورًا في عالم التكنولوجيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!