نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية مقالًا للسفير الأمريكي السابق في إسرائيل، والزميل الزائر بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، دانييل شابيرو؛ يتساءل فيه إن كانت السعودية تدفع إسرائيل لحرب مع إيران وحزب الله، وتستخدم استقالة سعد الحريري لهذا الغرض. ويحذر من الاندفاع وراء مناورات السعودية لتعجيل المواجهة مع عدوهما المشترك.

المهمة المستحيلة

يقول الكاتب إن مهمة سعد الحريري كانت دائمًا خاسرة، وأن استقالته كانت إشارة بتصعيد جديد في الصراع السعودي الإيراني في المنطقة، وإسرائيل معنية بشدة بهذا الأمر. يتصف الحريري بأنه رجل جيد، لكنه ليس زعيمًا سياسيًّا بالفطرة، فقد دُفع دفعًا نحو زعامة الكتلة السنية بعد اغتيال والده رفيق الحريري -رئيس الوزراء السابق- في 2005.

قرر سعد الحريري -باختياره- أن يسير على خطى والده خلال الفترة الأولى من توليه منصبه، بين 2009 و2011. ويحكي شابيرو عن صدمته عند زيارته لسعد في مجمعه السكني الخاص في بيروت؛ والتي لم تكن فقط بسبب الثراء الفاحش والترتيبات الأمنية الخانقة، لكن كانت أيضًا بسبب الاحترام الشديد لذكرى رفيق الحريري. عندما استقبله سعد في الصالون -حيث يستقبل ضيوفه- جلس على الكرسي الثاني في الجانب المخصص للبنانيين، وكان الكرسي الأول محجوزًا لصورة والده التي تعلوها شارة الحداد السوداء.

لكن هناك من كانوا سببًا آخر لدفع الحريري نحو رئاسة الوزراء، وهم أنصاره السعوديون. يقول الكاتب إن السعودية دائمًا ما دعمت السنة في النظام السياسي اللبناني متعدد الطوائف، وخلال الحرب الأهلية. لكنهم أيضًا كانوا الأساس وقدموا الدعم المادي لبناء إمبراطورية الحريري الاقتصادية، ولم يكن يمكن للحريري أن يتحرك يمينًا أو يسارًا دون دعمهم، ولا أن يرفض أوامرهم بالعودة إلى لبنان ليكون رئيسًا للوزراء.

يعدد الكاتب المشاكل -المستمرة- خلال الفترة الأولى من تولي الحريري منصبه؛ بدايةً من وزراء حزب الله القادرين على إسقاط حكومته في أي وقت، حتى لجنة التحقيق في اغتيال والده التي لم تنه مهمتها، ووصولًا إلى استهزاء وتنمر بشار الأسد، حليف حزب الله في سوريا. كما أن يقينه بأن حزب الله -المدعوم من الأسد- هم الجناة في اغتيال والده كان على الأغلب عذابًا من نوع خاص، بحسب وصفه. كل هذه الضغوط كانت تعكس محاولات إيران المستمرة للإبقاء على نفوذها في لبنان، واستعادة التواجد على الأرض، والذي خسرته بعد انسحاب القوات السورية -التي بقت 30 عامًا- إثر ثورة 14 مارس (آذار) الشعبية التي تبعت اغتيال الحريري.

استطاع سعد أن يواجه هذه الضغوط لبعض الوقت، بمساعدة مستمرة من الولايات المتحدة والسعودية. يضيف الكاتب أن الدعم السعودي تراجع في 2010، عندما اقترح عبد العزيز بن عبد الله -ابن الملك السعودي وقتها- التقارب مع بشار الأسد. وعندما رفض الحريري مجاراته، انسحب وزراء حزب الله من الحكومة ليسقطوها في مشهد مهين في يناير (كانون الثاني) 2011. وقتها كان الحريري يلتقي أوباما في واشنطن، وظهرت على وجهه علامات الارتياح.

اقرأ أيضًا: مترجم: بالرغم من خلافهما الأيديولوجي.. وثائق «سي آي إيه» تكشف علاقة إيران بالقاعدة

السعودية تضغط مجددًا

يقول الكاتب إنه فوجئ عندما عاد الحريري لرئاسة الوزراء العام الماضي بعد كل هذا، وبعد أزمة كبيرة في الحكومة وصلت إلى حد أن القمامة لم تكن تجمع، ولم تنفرج إلا بعد وصول ميشال عون -حليف حزب الله- للرئاسة. لماذا إذن قد يعود الحريري تحت ظروف هي أسوأ مما تعرض له في فترته الأولى؟ مرة أخرى -يرد الكاتب- بسبب السعوديين الذين قدموا له عرضًا لا يمكنه رفضه، وهذه المرة كانت مع سلالة جديدة من السعوديين.

لم يكن الملك عبد الله يحب إيران، ووصفها بـرأس الأفعى التي تبث سمومها في الشرق الأوسط، لكنه اختار الوقت المناسب لمواجهة خصومه، وقلل من خسائره في لبنان عام 2011. أما من خلفه، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وابنه محمد، فهما عازمان كما يبدو على منافسة إيران في اليمن وسوريا ولبنان. وإعادة الحريري إلى بيروت كانت من أجل أن يبقى أحد لاعبيهم في الميدان.

كانت مهمة الحريري مهمة مستحيلة فعلًا، بحسب تعبير الكاتب. زادت سيطرة حزب الله على السياسة اللبنانية. رغم الدعم الأمريكي المستمر للجيش اللبناني ليكون قوة معادلة طائفيًّا للقوات الشيعية، التي أصبحت قادرة على استفزازهم واختراقهم، أو حتى السيطرة عليهم عند الضرورة. خمود الحرب الأهلية في سوريا جعل الأمور أسوأ. كانت أولوية حزب الله هي دعم نظام الأسد وقت اشتعال الصراع، وهو ما سهل نقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله. وبعد الاطمئنان على مستقبل الأسد تحت رعاية روسية إيرانية، عاد مقاتلو الحزب إلى وطنهم، واستطاعت قياداتهم التركيز مجددًا على المعارك الداخلية في لبنان.

يقول الكاتب إن الحريري كان يعلم طوال توليه رئاسة الوزراء أن بقاءه لن يدوم طويلًا. فيمكن -في أي لحظة- أن يلقى مصير والده بقرار من حزب الله. ويمكن القول إن محاولة الاغتيال التي لمح إليها عند إعلان استقالته كانت دائمًا خطرًا يهدد حياته؛ فقط كان السؤال هو متى ينفذها حزب الله؟ ويبقى السؤال الأهم، هل تشير استقالته لتخلي السعودية عن دعمه مجددًا؟ للوهلة الأولى، لا يبدو هذا متسقًا مع رغبة الملك سلمان وابنه محمد العارمة في مواجهة أدوات إيران على كل الجبهات.

ماذا تستفيد السعودية من الاستقالة؟

هناك تفسير آخر يبدو معقولًا لهذه الاستقالة، بحسب الكاتب، هو أن السعودية تحاول خلق مجال آخر لمواجهة إيران في لبنان عن طريق الحرب بين حزب الله، وإسرائيل. ربما تأمل القيادة السعودية أن تنقل الصراع مع إيران من سوريا إلى لبنان، بعدما تأكد أن الأسد نجا من الصراع مع الثوار المدعومين من السعودية. وربما يأملون -بإبعاد الحريري من منصبه- أن يعلق حزب الله في مشاكل لبنان، ويتحمل مسؤولية الأزمات التي تمر بها، من رعاية اللاجئين السوريين، إلى القضاء على أنصار القاعدة والدولة الإسلامية.

ويضيف أن السعوديين قد يعتقدون أن هذا يقود حزب الله لتعجيل المواجهة مع إسرائيل، بهدف توحيد الصف اللبناني خلفه. وكما اتضح من اعتقالات الأمراء السعوديين بتهم الفساد الوهمية، يبدو أن الملك سلمان وابنه لا يصبران كثيرًا على تنفيذ مرادهما.

يقول الكاتب إن القادة الإسرائيليين يحضّرون للحرب القادمة مع حزب الله منذ 2006. قوة إيران وثقتها في أرجاء المنطقة تعني أن الحرب القادمة ستكون صراعًا لإنهاء التهديد الإيراني على الحدود الإسرائيلية، أكثر مما كان الأمر في الحرب السابقة. ويضيف أن السعودية وإسرائيل تصطفان سويًا ضد هذا الخطر الإقليمي، وأن السعوديين معجبون بالقوة الإسرائيلية المتزايدة في قصف أهداف إيرانية في سوريا.

في نهاية المقال، يقول شابيرو إن على إسرائيل أن تتخذ هي القرار بالوقت المناسب لهذه المعركة. وعندما تحين لحظة الحسم، يجب على حلفائها -وفي مقدمتهم الولايات المتحدة- أن يقدموا لها كامل الدعم. يمكن أن تكون الشرارة اعتداء من إيران أو حزب الله، فنواياهم الخبيثة واضحة تمامًا. لكن على القادة الإسرائيليين أن يحذروا من أن يجدوا أنفسهم مدفوعين نحو صراع مبكر بسبب مناورات حلفائهم في الرياض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد