في عام 2016، أعلنت المملكة العربية السعودية عن خطة طموحة لمواجهة عصر ما بعد النفط تحت عنوان: «رؤية السعودية 2030». ووضع محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للبلاد، تقليل اعتماد المملكة على العائدات النفطية وتنويع مصادر الدخل القومي على رأس قائمة أولوياته. لكن كارين يونج، الباحثة المقيمة بمعهد «أميركان إنتربرايز»، ترى صعوبة تحقيق تلك الأهداف في ظل الأوضاع الراهنة.

«ستراتفور»: لا مستثمرين جدد.. هذا ما سيصبح عليه اقتصاد السعودية عام 2019

وقالت كارين، في مستهل تقريرها الذي نشره موقع «المونيتور» المعني بشؤون الشرق الأوسط: إن عام 2019 أثبت أنه عام مكلف للغاية بالنسبة للمملكة العربية السعودية.

وتخطط السعودية لضخ حزمة تحفيزية ضخمة في نفقات البنية التحتية من أجل دفع عجلة النمو المحلي، بحسب التقرير، فضلًا عن التزامات الدعم المالي المباشر للبنوك المركزية والمساعدات والاستثمارات الأجنبية المباشرة بواسطة الشركات الحكومية والموجهة إلى عدد من الحكومات الإقليمية على مدار العام الماضي.

سياسة توسعية مكلفة

وأفاد التقرير أن محمد بن سلمان أشرف على حزمة دعم لباكستان بقيمة ستة مليار دولار (نصفها عبر دعم مباشر للبنك المركزي والنصف الآخر في صورة قروض لشراء النفط السعودي)، بالتزامن مع جولته في آسيا الشهر الماضي، فضلًا عن الوعود باستثمار المليارات في مجال مصافي النفط تحديدًا. ويضاف إلى ذلك تعهده بمنح 500 مليون دولار لليمن ودعم الأردن بمبلغ 2.5 مليار دولار، وغيرها. وترى كارين أن هذه السياسة المالية والخارجية التوسعية أثرت تأثيرًا سلبيًا على البلاد.

وسلطت كارين الضوء على صعوبة فكرة خلق وظائف جديدة وتحفيز السعوديين على شغلها، وهو الأمر الذي يبدو جليًا الآن بعد مرور ثلاثة أعوام على انطلاق جهود التحول الاقتصادي. فضلًا عن ذلك، تتبخر تدريجيًا آمال تدفق الاستثمارات الخارجية لتطوير قطاعات جديدة داخل الاقتصاد السعودي، مثل الترفيه والسياحة والصناعات الدفاعية. وانخفضت الاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل السعودية على مدار السنوات العشرة الأخيرة، لكن ذلك الانخفاض تحول إلى دوامة هبوط منذ عام 2017.

ويواصل رأس المال المحلي خروجه من السوق في ظل قلق المستثمرين من دخوله، بحسب التقرير. ويتساوى حجم الأموال التي تدفقت إلى الخارج بواسطة المواطنين مع حجم التدفق الذي أعقب الأزمة المالية العالمية عام 2009 (أي قرابة 95 مليار دولار بحسب مؤسسة النقد العربي السعودي وبحث أصدره بنك جي بي مورغان تشيس)، لكن التدفق الخارجي في عام 2018 تألف بشكل رئيس من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة إلى الخارج واستثمارات المحافظ الأجنبية وغيرها من الودائع الأجنبية.

ويعتمد التدفق الداخلي إلى البورصة السعودية على التوقعات بإدماج مؤشر الأسواق الناشئة، لكن هذه «الأموال الساخنة» ليست مصدرًا موثوقًا للاستثمارات التي تخلق فرصًا للعمل، من وجهة نظر كارين.

فضلًا عن ذلك، فإن العدد المحدود للشركات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) يعني أن أكثر الشركات تداولًا تكون عادةً مملوكةً للحكومة جزئيًا. وخير مثال على ذلك هو شركة سابك، رائدة صناعة الكيماويات، التي يخطط صندوق الاستثمارات العامة لبيع جزء من حصته بها لشركة النفط الحكومية أرامكو. ويبرهن ذلك على عدم جدوى التدفق السلبي (الذي يقدر بـ20 مليار دولار هذا العام) في تحفيز نمو القطاع الخاص، بحسب كارين، في حين يؤكد على زيادة حجم الدعم المقدم لتمويل القطاع العام.

ولا يوجد مجال كبير يسمح بنمو الشركات الجديدة من القاع إلى القمة، باستثناء بعض الجهود لتطوير إجراءات دخول الشركات الصغيرة. وتجد الشركات التي تنجح نفسها عادةً عرضةً للاستحواذ بواسطة صندوق الاستثمارات العامة. مما يعني أن الذراع الاستثماري للدولة يزاحم فرص الاستثمار الخاص. وشركة أكوا باور هي خير دليل على ذلك.

وتستبعد كارين إمكانية الحفاظ على المعدل الحالي للإنفاق المعتمد على الدين وحرق الاحتياطي، في ظل عدم معقولية انتظار عوائد كبرى للاقتصاد غير المعتمد على عائدات النفط خلال السنوات القليلة المقبلة. وأثارت الفترة بين عام 2003 و2014 الإعجاب من حيث تراكم الثروة النفطية التي سمحت بالإنفاق المالي الضخم على الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية والتوظيف بالقطاع العام، فضلًا عن توليد مخزون غير مسبوق من احتياطيات النقد الأجنبي.

محاولات للخروج من دوامة الانخفاض

أورد التقرير أن الأصول الاحتياطية السعودية التي كانت تقدر بأقل من 30 مليار دولار عام 2003 ارتفعت لتصل إلى أكثر من 750 مليار دولار أوائل عام 2015، بحسب البحث الذي أعدته مجموعة «إتش إس بي سي» المصرفية.

ولن تتكرر هذه القفزة ثانيةً على الأرجح من وجهة نظر كارين. وانخفض احتياطي النقد الأجنبي السعودي للشهر الخامس على التوالي في يناير (كانون الثاني)، إذ انخفض بمقدار 6.6 مليار دولار ليصل إلى 490 مليار دولار، وهو أقل مستوى له منذ 11 شهرًا. ويعتمد الاحتياطي السعودي على عائدات النفط.

أرامكو

وتعافت أسعار النفط من انخفاضاتها التي وصلت إلى 30 دولارًا عام 2016، لكن عواملًا مثل ثورة النفط الصخري والمركبات الكهربائية وكفاءة الطاقة وانخفاض منحنى الطلب على المدى الطويل تشير إلى أن أسعار النفط المنخفضة ستستمر لفترة طويلة. والأهم من ذلك أن السعودية لا تمتلك مصدرًا آخر لتمويل النمو.

وترى كارين أن البعض يعتقد أن تنويع مصادر الدخل من أجل وقف الاعتماد على موارد الطاقة يكمن في الترويج لإنتاج طاقة البتروكيماويات على نطاق واسع. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يكمن المستقبل في الصناعات البلاستيكية وسوقها في آسيا شرقًا. لكن كارين لا تتفق مع ذلك الرأي وتؤكد أننا لا يجب أن ننظر للنفط باعتباره مصدرًا مستدامًا للعائدات، حتى في ظل تحويله إلى كيماويات ومنتجات أخرى، رغم توافر أسباب جيدة لرؤية مستقبل النمو العالمي في سوق مستهلكي الطبقة المتوسطة الناشيء بآسيا.

وعللت كارين ذلك بأنه من الوارد أن يظهر بديل في ظل التقدم التقني وتغير الطريقة التي نستهلك ونصنع بها كافة أشكال المنتجات البلاسيتيكية ذات الاستخدام الواحد والأكثر تحملًا. وضربت مثالًا على ذلك بالقشة المصنوعة من الخيزران أو الورق، والتي نستخدمها الآن بدلًا عن البلاستيك.

وستؤثر أذواق المستهلكين وتنظيمهم على طلب المنتجات المعتمدة على النفط مستقبلًا، في الأسواق الناشئة والمتقدمة خاصةً بحسب التقرير. وتقبلت كبرى الشركات النفطية هذه الحقيقة. إذ ترى شركة «بي بي» النفطية البريطانية (بريتيش بتروليوم سابقًا) مثلًا أن النمو الإجمالي في الطلب على الطاقة من الأسواق الناشئة يقابله انخفاض في كثافة الطاقة، بحسب تقرير الشركة عن توقعاتها المستقبلية للطاقة. وستسمح الكفاءة والتكنولوجيا للناتج المحلي الإجمالي العالمي أن يتضاعف بحلول عام 2040، لكن استهلاك الطاقة سيزيد بمقدار الثلث فقط. وهذا هو القانون الجديد للإنتاجية المتناقصة بالنسبة للخبراء في مجال الطاقة.

أين تكمن المشكلة تحديدًا؟

ولذلك ترى كارين أن الاقتصاد السعودي يعاني مشكلةً كبرى، وهي نفس المشكلة التي تعاني منها كافة الاقتصادات التصديرية المعتمدة على الطاقة. إذ تقع على عاتقه التزامات مالية ضخمة محليًا وخارجيًا. كما يعاني تناقص مصادر العائدات والثروة التي يعتمد عليها في تمويل أصول احتياطي النقد الأجنبي. فضلًا عن أن صندوق الاستثمارات العامة، صندوق ثروته السيادية، هو المسؤول عن توليد عائدات من الاستثمار، لكنه مثقل نتيجة الديون واستحواذه على المزيد من الأصول الخطرة، وهو ما ينأى به عن إستراتيجيات الصناديق الحكومية المعتادة التي يفترض بها أن تحافظ على الثروة العامة المشتركة.

مدينة الظهران النفطية

وأفاد التقرير أن صندوق الاستثمارات العامة حصل على قرض مصرفي بقيمة 11 مليار دولار أواخر عام 2018، ويضغط على أرامكو لتصدر سندات من أجل شراء حصة الصندوق في سابك. وتضاعفت قيمة أصول صندوق الاستثمارات العامة منذ عام 2016، في ظل نمو موجة الاستحواذات بسرعة تفوق الأرباح.

وذكر بحث أعدته شبكة بلومبرج وبنك جي بي مورغان تشيس والسلطات المحلية أن تكوين أصول صندوق الاستثمارات العامة تغير كثيرًا. إذ كان الصندوق يمتلك أصولًا بقيمة 150 مليار دولار في عام 2016، تتألف من سنداته في الشركات شبه الحكومية الكبرى مثل سابك ومعادن والمراعي والاتصالات السعودية ومصرف الإنماء، فضلًا عن عدد صغير من الاستثمارات الأجنبية.

وبحلول عام 2018، وصل حجم أصول الصندوق إلى 300 مليار دولار، وسيطرت الأصول الأجنبية على قرابة 10% (30 مليار دولار) من إجمالي المحفظة، بعد أن كانت قيمتها 11 مليار دولار فقط عام 2017، وذلك بفضل دفعة من مؤسسة النقد العربي السعودي ووزارة المالية أواخر عام 2016. وربما ينسب الفضل في زيادة حجم تدفق المال للخارج إلى هذه الدفعة، نظرًا لأن الصندوق يضع هذا النوع من استثمارات الأصول في شركات خارج البلاد، على شكل أسهم أو استثمارات مباشرة. وترى كارين أن هذا التفضيل للاستثمارات التكنولوجية، بدايةً من أوبر ووصولًا إلى ماجيك ليب، يظهر ميلًا لهذا القطاع من جانب صناع القرار، وليس الخبراء الماليين.

وقالت كارين في ختام تقريرها: إننا لم ندخل حتى الآن عصر ما بعد النفط، ولكن السياسة الخارجية المالية التوسعية السعودية تعتمد على ألا ندخل هذه الحقبة قريبًا. وفي هذه الأثناء، تراهن القيادة السعودية على تحول المجتمع إلى العمل والاستهلاك بكفاءة، في ظل سياسة خارجية مصممة لإعادة تشكيل المنطقة من خلال شبكات المحسوبية والروابط الاقتصادية عبر إنتاج البتروكيماويات والطاقة.

كيف فشل ابن سلمان من اليمن إلى لبنان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد