الخريف الماضي، اتخذت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) قرارًا مفاجئًا بمواصلة ضخ النفط في السوق الغارق فعليًا بالذهب الأسود. اجتماع المنظمة اليوم الجمعة في فيينا سيشهد بالتأكيد مضاعفة أوبك الخناق على تلك الاستراتيجية.

وعلى الرغم من الخطابات الكثيرة التي تتصف بالشجاعة من قبل وزراء أوبك هذا الأسبوع، إلا أنها لا تعكس في المقام الأول فوزالمنظمة بحروب النفط، وإنما تأتي انعكاسًا بأن أقوى أعضائها، المملكة العربية السعودية، تخوض معركة طويلة الأمد للدفاع عن مكانتها المميزة، وكذا التغلب على المنافسين الجيوسياسيين مثل إيران وروسيا.

قبل الاجتماع، تحدث الكثير من كبار الشخصيات في أوبك عن نجاح الاستراتيجية التي تتبعها المنظمة، والتي ارتكزت على خفض أسعار النفط والحفاظ على حصة المنظمة في السوق التي تدر أرباحًا عالية. في الوقت الذي عبر فيه وزير النفط القطري مؤخرًا عن تفاؤله بشأن انتعاش الطلب العالمي مجددًا، قال وزير النفط السعودي، علي النعيمي، بأن الأمور تسير على ما يرام وبأن أوبك ليست في حاجة لخفض الإنتاج لدعم أسعار النفط المنخفضة.

ولكن في الواقع، فإن دول أوبك، وخاصة أكبر مصدر بها في العالم، المملكة العربية السعودية، ليسوا متصالحين مع حقيقة أنهم لم يكونوا قادرين على كسر رقبة منتجي النفط المنافسين من خلال إغراق السوق بمستويات قياسية لإنتاج النفط. انخفضت أسعار النفط بما يوازي 50% منذ الصيف الماضي، ولكن الإنتاج الأمريكي واصل الارتفاع: ارتفع إنتاج النفط بما يقارب نصف مليون برميل يوميًا منذ رهان أوبك على رفع مستويات إنتاجها التي تعد الأعلى منذ 50 عامًا تقريبًا. واصلت روسيا أيضًا ضخ النفط ودغدغة أعلى مستوياتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بنحو 10.7 مليون برميل يوميًا. يكذب هذا رؤى أوبك الوردية.

يقول بوب ماكنالي، رئيس بابيدان جروب لبحوث الطاقة: «هذه لعبة بعيدة المدى بدرجة أكثر مما كانوا يتصورون في الخريف الماضي. على الرغم من كل الكلام المعسول في فيينا، فإننا ما زلنا في مرحلة يحاول فيها الجميع إرهاب خصومه في هذا السباق.»

حتى نكون متيقنين، كان لانخفاض أسعار النفط بعض التأثير. الدول خارج منظمة أوبك، بما في ذلك الولايات المتحدة، أضافت 2.2 مليون برميل من النفط يوميًا في عام 2014، غير أنها على الطريق الصحيح لإضافة نصف هذه الكمية من الإنتاج هذا العام، بحسب محللين للطاقة في وود ماكنزي.

في ذات الوقت، بدأ استهلاك الطاقة في الارتفاع في جميع أنحاء العالم بعد عام كئيب في 2014. كل ذلك من الممكن أن يحقق ببطء التوازن في السوق ويدفع بالأسعار نحو الارتفاع بما يوازي 70 دولارًا للبرميل العام المقبل. النفط الخام انخفض إلى أقل من 60 دولارًا للبرميل في نيويورك وإلى 63.50 دولارًا للبرميل في لندن هذا الأسبوع. مع تلك الأسعار، فإن العديد من الشركات، وخاصة في الولايات المتحدة، تشعر بأن الإقدام على استثمارات عالية التكلفة في إنتاج النفط لن يجدي على الصعيد الاقتصادي.

الكثير من كبار منتجي النفط، وخاصة فنزويلا والعراق وإيران، وروسيا، في حاجة ماسة لرؤية ارتفاع الأسعار، خاصة وأن النفط الرخيص يضرب اقتصاداتها، ويؤثر على نظم الرعاية الاجتماعية في الداخل ويحد من قدرتهم على التأثير على الأحداث في الخارج. ولكن أيًا منهم ليس على استعداد لخفض الإنتاج لتحقيق ذلك.

في الواقع، فإنهم يواصلون ضخ الإنتاج النفطي عند مستويات شبه قياسية. فرغم الصراعات مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حقق العراق مستويات قياسية من صادرات النفط في مايو بلغت أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا.

المسؤولون الإيرانيون، من جهتهم، ما زالوا يتحدثون عن رؤىً متفائلة بشأن ضخ كميات هائلة من النفط الإضافي في السوق في حال تم رفع العقوبات على طهران كجزء من المفاوضات الدولية بشأن البرنامج النووي للبلاد. وزير النفط الايراني توقع بأن دول أوبك الأخرى ستفسح المجال لإنتاج إيراني إضافي.

ربما يدعو ذلك إلى التفاؤل، وإذا ما أخذنا في الاعتبار مشاعر العداء التي تكنها العديد من دول الخليج – لا سيما المملكة العربية السعودية – تجاه طهران، فالسعوديون أكدوا على أنهم لا يريدون أن يتحملوا عبء خفض الإنتاج منفردين. ويتوقع المحللون بأن أوبك ستصل بإنتاجها الرسمي إلى نحو 30 مليون برميل يوميًا في الاجتماع الكبير اليوم الجمعة. (انتاج أوبك الفعلي هو أقرب إلى 31 مليون برميل يوميًا).

في نهاية المطاف، ومع بقاء الحال على ما هو عليه، فإن المملكة العربية السعودية تلعب لعبة الدجاج مع الدول الكبيرة المنتجة للنفط داخل أوبك، وكذلك روسيا، بدلا من محاولة تحطيم الثروة النفطية في الولايات المتحدة. وعلى النقيض من الرياض التي لديها مئات المليارات من الدولارات المخبأة بعيدًا في الاحتياطي ويمكنها أن تتحمل انخفاض الأسعار لسنوات إذا لزم الأمر، فإن إيران والعراق وروسيا لا، ولا يمكنها.

زيادة الدول الثلاث لإنتاجهم النفطي من شأنه أن يهدد الهيمنة السعودية على السوق النفطي. في نفس الوقت، من الناحية الاستراتيجية، يرى القادة السعوديون في البلدان الثلاثة مثيري شغب في وقت حساس خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

فبينما يقود إيران رجال الدين الشيعة المعادون للمملكة العربية السعودية السنية ولمكانتها المركزية في المنطقة؛ تولى قيادة العراق زعماء شيعة على التوالي وباتت أقرب إلى إيران في السنوات الأخيرة. من جانبها، فإن روسيا هي التي تسبب المشاكل في الشرق الأوسط عن طريق شحن أسلحة متطورة لأعداء السعودية مثل سوريا وإيران. وليس ذلك فحسب، بل إن موسكو تواصل زعزعة الاستقرار في أوروبا، حيث استأنفت القتال في أوكرانيا مؤخرًا. يبدو المسؤولون الأوروبيون الآن على استعداد لتجديد عقوبات الطاقة ضد روسيا لمدة ستة أشهر أخرى، وهو ما من شأنه أن يدعم الرياض بشكل غير متعمد للوصول إلى هدفها النهائي المتمثل في خنق إنتاج النفط الروسي.

يقول ماكنالي :«إيران والعراق وروسيا هم منافسون حقيقيون. وهناك أسباب تجارية وجيوسياسية تدفع المملكة العربية السعودية للقلق بشأن هذه الدول.»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد