التغريدات الداعمة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ازدادت بعد أن أثبت تقرير أمريكي تورُّطَه في مقتل الصحافي جمال خاشقجي.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا لأندرو ليبر، المرشح لنيل درجة الدكتوراة من جامعة هارفارد، وأليكسي أبراهامز، عالم البيانات في مؤسسة مشروع التكنولوجيا والتغيير الاجتماعي التابعة لمركز شورنشتاين بجامعة هارفارد، تناولا فيه شرحًا تفصيليًّا للبحث الذي أجرياه حول حقيقة الدعم الذي يحظى به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لا سيما بعد انتشار الحِسابات الآلية على الوسوم (الهاشتاجات) المتعلقة بالشؤون السعودية على «تويتر».

يستهل الكاتبان تحليلهما بالإشارة إلى أن إدارة بايدن أصدرت في الشهر الماضي تقريرًا استخباراتيًّا طال انتظاره حول مقتل الصحافي السعودي وكاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست جمال خاشقجي. وأثار تقييم التقرير الذي يفيد أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أصدر أوامر شخصية باغتيال خاشقجي ردود فعل فورية من جانب حسابات «تويتر» التابعة للسعودية.

عربي

منذ 3 شهور
الترجمة الكاملة لنص التقرير الأمريكي حول اغتيال خاشقجي وتداعياته

وتفيد الرواية السائدة المتعلقة بتويتر في السعودية أن «الحسابات الآلية»، وهي حسابات غير موثوقة تخضع للرقابة المركزية، تصنع كثيرًا من هذا الخطاب. وكان النظام السعودي قد استثمر مواردَ ضخمة على مدار العقد الماضي من أجل تحويل «تويتر» إلى أداة لبسط السيطرة. وفي فبراير (شباط) ، سرعان ما تعرَّف مارك أوين جونز (الحاصل على دكتوراة في العلوم الإنسانية من جامعة درهام في إنجلترا) وباحثون آخرون على آلاف الحسابات الآلية التي تزيد من الهاشتاجات المؤيدة لمحمد بن سلمان وتهاجم التقرير المتعلِّق بمقتل خاشقجي في آنٍ واحد.

ومع ذلك هناك شيء آخر يجري؛ إذ لا يُعد الضجيج الموجود على «تويتر» نتيجة للجيوش الإلكترونية من الحسابات الآلية فحسب. ويشير البحث الذي أجراه الكاتبان إلى الدور الحيوي الذي تؤديه الشخصيات المؤثرة في الحياة الواقعية، التي تُحفِّز ما يبدو أنه مسيرات حقيقية مؤيدة للحكومة ينظمها مستخدمون حقيقيون داخل السعودية. ومع أن الحسابات الآلية الموالية للحكومة واسعة الانتشار بالفعل، لم يزل البشر يمثلون ركيزة «الاستبداد الرقمي». وحتى إن تمكَّن «تويتر» من تحديد جميع الحسابات الآلية السعودية وإزالتها، يشير البحث إلى أن التعبئة المؤيدة للحكومة ستظل ضخمة.

هل يُمثِّل «تويتر» في السعودية «برلمان للشعب»؟

ويضيف الكاتبان: بينما تفرض السعودية قيودًا صارمة على فرص النقاش السياسي، أدَّى اعتماد المواطنين السعوديين السريع «لتويتر» إلى زيادة الآمال المنعقدة على أن المنصة بوسعها أن تكون بمثابة «برلمان للشعب»، أي منتدى مفتوح نسبيًا يستطيع فيه المواطنون مشاركة آراء سياسية وانتقاد الحكومة، بل حل مشكلات العمل الجماعي. ومع أن النظام اتَّبع في البداية نهجًا يتسم بمزيد من التساهل مع منتقديه عبر الإنترنت، يوثِّق الباحثون عددًا متزايدًا من الحملات القمعية والجهود المبذولة من أجل تشكيل الخطاب المنشور على «تويتر» بصورة مباشرة.

Embed from Getty Images

وقد أشارت المؤسسات المراقِبة للإنترنت في جامعتي أوكسفورد وبيلنجكات، فضلًا عن باحثين أكاديميين، إلى أن النظام يستخدم شبكات مُنسَّقة غير موثوقة (حسابات آلية) للتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي علَّق فيه «تويتر» حسابات تتخذ من السعودية مقرًا لها للسبب ذاته. وتضايق هذه الحسابات الآلية منتقدي الحكومة، وتعزِّز الروايات المؤيدة للحكومة، وتخلق شعورًا بالدعم الشعبي في السعودية وفي كل مكان في العالم. وقبل وفاته، تناقشَ خاشقجي مع المعارض السعودي عمر عبد العزيز (ناشط سياسي يعيش في كندا ولديه برنامج على «يوتيوب» ينتقد من خلاله القرارات التي تتخذها القيادة السعودية) بشأن مكافحة هذا «الذباب الإلكتروني» الموالي للنظام بجيش مماثل من المعارضة «جيش النحل».

ويشير التقرير إلى أن الانبهار بالحسابات الآلية يمكن أن يُخفي دور «الشخصيات المؤثرة»، أي المستخدمين البارزين المُعتَرَف بقدراتهم في مجتمعات أخرى عبر الإنترنت، مثل المتطرفين اليمينيين في الولايات المتحدة. ويبدو أن كثيرًا من المؤثرين السعوديين البارزين أُدمِجوا في المؤسسات الحكومية السعودية أو وسائل الإعلام الرئيسة، بينما جمع آخرون عددًا كبيرًا من المتابعات على «تويتر» بسبب التغريدات التي تُشيد بالقيادة السعودية وتهاجم أعداء المملكة. ويتصرف البعض بلا شك بناءً على توجيهات من الحكومة السعودية، ولكن هذا الأمر لا يكون واضحًا في حالات أخرى.

كيف أجرى الكاتبان بحثًا حول ما يدور على «تويتر»؟

ومن أجل تقييم الدور النسبي للحسابات الآلية والشخصيات المؤثرة في السعودية، حمَّل الكاتبان عددًا من الهاشتاجات المسيَّسة المتَّصلة بالسعودية في الوقت الحاضر. وركَّز الكاتبان في المقام الأول على التعبئة المؤيدة للحكومة، مثل موجة التعليقات التي نُشِرت على «تويتر»، والتي وصفت ناشطات في مجال حقوق المرأة بأنَّهن «عميلات للسفارات (الأجنبية)» بعد اعتقالهنَّ في مايو (أيار) 2018 (بلغت هذه التغريدات أكثر من 370 ألف تغريدة).

ولأغراض الموازنة، جمع الكاتبان أيضًا تغريدات من التعبئة ضد المؤسسات الحكومية (مثل رد الفعل المتحفظ على عرض السيرك الروسي الذي استضافته الحكومة في الرياض) وتغريدات متعلقة بأحداث إخبارية مفاجئة ومشهورة مثل شن هجوم صاروخي على الرياض في عام 2017 (بوصفها مقياسًا للتغريدات العشوائية ذات الحجم الكبير).

Embed from Getty Images

وللحصول على منظور أوسع حول انتشار الحسابات الآلية، تعقَّب الكاتبان 276 هاشتاجًا سياسيًّا عربيًّا متداولًا خلال المدة الحرجة الممتدَّة من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 حتى يناير (كانون الثاني) 2020، بما في ذلك الانتفاضات التي وقعت في لبنان والعراق وإيران، فضلًا عن اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني.

الحسابات الآلية: أقلية واسعة النشاط

ويرى الكاتبان أن الشبكات المنسَّقة غير الموثوقة تنتشر على «تويتر» في الشرق الأوسط، ولكن المسح الواسع الذي أجراه الكاتبان للهاشتاجات السياسية يشير إلى أن الحسابات الآلية تنتشر بشدة على الهاشتاجات الأكثر تهميشًا. ووفقًا لتقديرات الكاتبَيْن عادةً ما يكون خمسة إلى 9% فقط من المستخدمين على الهاشتاجات السياسية في المنطقة حسابات آلية. وفي تحليل منفصل لأكبر الهاشتاجات المتفاعلة مع تقرير خاشقجي، وهو هاشتاج (#كلنا_محمد_بن_سلمان)، اكتشف الباحثان أن ما لا يزيد عن 4% من الحسابات، حوالي 8600 حساب، تنتمي إلى شبكات مُنسَّقة، من أصل ربع مليون مشارك في الهاشتاج. ويتماشى هذا الرقم مع تعليق «تويتر» لـ3500 حسابٍ فقط في أعقاب هذه الحملة.

وعندما قارن الكاتبان بين حملة «عميلات السفارات (الأجنبية)» والحملات الأخرى التي نُفِّذت في عام 2018، لم يكن من المرجح أن يكون أولئك المشاركون في الحملة حسابات مشبوهة (أي حساب آلي أو حساب علَّقه «تويتر» مؤقتًا بعد ذلك) أكثر من أولئك المشاركين في الحملة «الشعبية» ضد عرض السيرك الروسي. وبالمثل، لم تكن التغريدات التي هاجمت الناشطات أكثر سرعة وغضبًا من تلك التي أعقبت الهجوم الصاروخي على الرياض. وهذه النتائج تشير إلى وجود أدلة قليلة على أن الحسابات الآلية كانت تعمل بسرعة خارقة.

عدم المساواة والترهيب.. مشكلة أكبر

ويمضي الكاتبان قائلَيْن: هناك بعدان آخران يشكِّلان «تويتر» في السعودية، وهما: عدم المساواة والترهيب. ونظرًا لأن الهاشتاجات غير متكافئة للغاية، إذ تحصد مجموعة صغيرة فقط من المشاركين نصيبَ الأسد من عملية إعادة نشر التغريدات. وأظهر هاشتاج (#كلنا_محمد_بن_سلمان) هذا النمط ذاته، مع ما يزيد عن 1% فحسب من المستخدمين، وهم من مستخدمي «تويتر» في السعودية الموالين للحكومة، إذ حصلوا على 80% من جميع عمليات إعادة نشر التغريدات.

Embed from Getty Images

وتؤدي عدم المساواة بدورها إلى تسهيل الترهيب، إذ تصبح الشخصيات المؤثرة الهدف الأساسي للإكراه أو التآمر. وبالإضافة إلى جَعْل المنشورات المناهضة للنظام على وسائل التواصل الاجتماعي جريمة يعاقب عليها القانون، أفادت بعض التقارير أن الحكومة السعودية اخترقت هواتف ناشطين معارضين على غرار عمر عبد العزيز، وجنَّدت جواسيسَ داخل «تويتر» للحصول على بيانات خاصة بمستخدمين بارزين في السنوات الأخيرة. وفي عام 2017، رأى خاشقجي بالفعل أن هذه التحركات تؤثر بالسلب على استعداد المواطنين السعوديين للتعبير علنًا عن وجهات نظر انتقادية، مُفسِحين المجال لمستخدمي «تويتر» الموالين في الغالب للنظام السعودي.

ويختتم الكاتبان تحليلهما بالتأكيد على أن البحث الذي أجرياه يشير إلى أن الأنظمة التي تشبه نظام الحكم الملكي في السعودية تستمد قوة روايتها من مستخدمين بارزين يشاركون في الجدل الدائر على «إنترنت استعراض العضلات» (يشير المصطلح إلى الصراعات التي تنشب على وسائل التواصل بمجرد الدخول في مناقشة تخص الرأي العام)، وليس فقط من الحسابات الآلية المجهولة الهوية التي تثير ضجَّة. وربما يكون هذا في نهاية المطاف الخداع الأعمق «لتويتر» في السعودية: وراء هذا النطاق والأتمتة الظاهرة، يتوقف الخطاب السياسي على المشاعر والطموحات والإبداعات الفريدة وحتى القسوة لعدد صغير من الشخصيات المؤثرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد