كتب بن هوبارد مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في الشرق الأوسط تقريرًا حول استقبال العرب لمسلسل «أم هارون»، الذي تبثه قناة «إم بي سي» السعودية، ويتناول حياة اليهود في قرية عربية إبان إقامة دولة الاحتلال.

أشاد المعجبون بالمسلسل لترويجه للتنوع الديني، فيما يقول منتقدوه: إنه يشجع «التطبيع» مع إسرائيل، ويمثل خيانة للقضية الفلسطينية. وأثار المسلسل جدلًا كبيرًا في الشرق الأوسط، رغم نفي القناة والقائمين على العمل أن يكون له أي علاقة بالأوضاع السياسية الحالية في المنطقة.

ويستهل الكاتب مقاله بقوله: «في قرية ذات جدران طينية في الخليج، تذرف امرأة مسيحية دموع الحب لتاجر مسلم. لكن الرجل عالق في زواج بائس من امرأة تتوق لرجل مسلم آخر. لكنها لا تستطيع أن تناله؛ لأنه مجنون بحب ابنة الحاخام المحلي».

فنون

منذ شهر
كيف تتناول دراما رمضان 2020 «القضية الفلسطينية»؟

هذا التشابك من المكائد بين الأديان يُعرض في مسلسل تلفزيوني ضخم، أثار جدلًا محمومًا في جميع أنحاء العالم العربي حول العلاقات التاريخية في المنطقة مع المجتمعات اليهودية، والمواقف المتغيرة لبعض قادتها الحاليين تجاه إسرائيل.

يشيد المعجبون بالمسلسل، الذي تدور أحداثه في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين؛ لأنه يسلط الضوء على جانب غالبًا ما يجرى تجاهله في ماضي المنطقة – المجتمعات اليهودية في الخليج العربي – في حين يقدم مثالًا مطلوبًا بشدة للتعايش بين الأديان المختلفة، بحسب بن هوبارد.

لكن النقاد انتقدوا المسلسل بوصفه محاولة سافرة لإعادة تشكيل وجهات النظر العربية تجاه إسرائيل لتمهيد الطريق لإقامة علاقات رسمية، أو ما يسميه الكثير في العالم العربي «التطبيع».

مع إغلاق المساجد بسبب تفشي فيروس كورونا وكذلك مدينة مكة المكرمة، كان شهر رمضان هذا العام، والذي بدأ الأسبوع الماضي، يتجه بالفعل إلى كتب التاريخ.

«أكبر حملة تطبيع مع الاحتلال»

كتب الصحافي الفلسطيني البارز عبد الباري عطوان، هذا الأسبوع، أن تأثير الفيروس على الشهر الإسلامي الفضيل هو أحد الجوانب التي ستجعله عالقًا بالذاكرة لفترة طويلة.

وقال عطوان إن الجانب الآخر هو أنه: «شهد أكبر حملة تطبيع، مدفوعة بوسائل الإعلام السعودية، بمساعدة من الحكومة، وبالتنسيق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي».

وتنتشر على نطاق واسع الشكوك بأن الدراما التلفزيونية التاريخية «أم هارون» هي جزء من مسعى ترعاه الدولة للتأثير في الآراء. يبث المسلسل على قناة «إم بي سي»، أكبر محطة بث خاصة في العالم العربي، ولكنها محطة تسيطر عليها الدولة السعودية في نهاية المطاف. تبث الشبكة نفسها أيضًا مسلسلًا كوميديًّا يسخر من المواقف العربية تجاه إسرائيل، مما يزيد من الشعور بأن كلا البرنامجين يمزجان بين الترفيه والدعاية.

سيستمر العرضان طوال شهر رمضان؛ حيث تبلغ مشاهدة التلفزيون أعلى درجاتها عندما تنكب العائلات على مشاهدة البرامج أثناء تناولها وجبة الإفطار.

دفء تجاه إسرائيل.. بهدوء لكن بوضوح! 

في حين أنكرت محطة «إم بي سي» أن يكون تضمين الصور الإيجابية لليهود جزءًا من أي تفويض حكومي، فإن عروض هذا العام تتزامن مع حالة هادئة لكنها واضحة من الدفء تجاه إسرائيل، بين الحكومات في الخليج العربي.

تاريخيًّا، كان العداء تجاه إسرائيل والتعاطف مع الفلسطينيين، هي بعض المشاعر القليلة القادرة على توحيد العرب في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ولكن في السنوات الأخيرة، جعلت الحروب والتمردات والأزمات الاقتصادية العديد من الحكومات العربية تركز على القضايا الداخلية، مما دفع القضية الفلسطينية إلى أسفل قائمة الأولويات.

في الوقت نفسه، أصبح بعض قادة الخليج العربي ينظرون إلى إسرائيل ليس بوصفها عدوًّا أبديًّا، ولكن على أنها حليف محتمل ضد التهديدات المشتركة لإيران والإخوان المسلمين.

تداخل المصالح السعودية والإسرائيلية

تحدث ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عن تداخل المصالح التجارية والأمنية بين المملكة وإسرائيل، ومن المتوقع أن يشارك وفد إسرائيلي في معرض عالمي في الإمارات العام المقبل، على الرغم من افتقار كل من السعودية والإمارات لعلاقات دبلوماسية رسمية مع الدولة.

وقال مايكل ستيفنز، الذي يدرس السياسة الخليجية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن المسلسلين التلفزيونيين يبدوان وكأنهما جزء من هذا التحول، من خلال التصدي لتاريخ من الخطاب المعادي لليهود، وإظهار انفتاح جديد تجاه إمكانية إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.

ونظرًا إلى مستوى سيطرة الدولة في دول الخليج، فقد كان ستيفنز واثقًا من أن رسائل المسلسلات يجب أن تكون قد حظيت بموافقة رسمية. وقال ستيفنز: «ما كانوا ليفعلوا ذلك ما لم تكن هناك بعض التوجيهات من أعلى هرم السلطة بأن ذلك مقبول».

مسلسل آخر يسخر من الآراء حول إسرائيل 

المسلسل الكوميدي «مخرج 7»، هو مصطلح عامِّي سعودي يستخدم لتجنب المحادثة غير المرغوب فيها، ويسخر من الآراء المعاصرة عن إسرائيل في المجتمع السعودي.

في إحدى حلقات المسلسل، يكتشف الأب أن ابنه يلعب لعبة فيديو عبر الإنترنت مع طفل إسرائيلي، ويعبر عن غضبه من أن ولده يصادق «العدو».

في مشاهد أخرى، يقترح أحد الأقارب استخدام علاقة الصبي الجديدة من أجل التجسس، بينما يريد آخر استغلاله في اتصالات من أجل الأعمال التجارية مع الإسرائيليين، ويتهم الفلسطينيين بنكران الجميل إزاء الدعم الذي تلقوه من السعودية على مر السنين.

أثارت هذه المشاهد غضب الفلسطينيين الذين لطالما عولوا على دعم السعودية.

«أمر مخيف ومخجل وغريب»

قال زياد خداش، وهو كاتب وصحافي فلسطيني في الضفة الغربية: «حتى في كوابيسي السياسية، لم أكن أتوقع أن يجرؤ عربي على التحدث علنًا وبارتياح عن التطبيع مع إسرائيل. إنه لأمر مخيف ومخجل وغريب أن يحدث هذا».

يتمحور مسلسل «أم هارون»، الذي يجذب جمهورًا كبيرًا، حول ممرضة يهودية مسنة في قرية خيالية في الخليج إبان إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.

يروي هذا المسلسل، وجميع ممثليه العرب، حياة ومكائد العائلات المسلمة والمسيحية واليهودية في المجتمع، الذين يديرون متاجر بعضها بجوار بعض في السوق، ويزورون منازل بعضهم بعضًا، ويحضرون حفلات زفاف وجنازات كل منهم.

في أحد المشاهد يخطب رجل مسلم ويقدم له أصدقاؤه اليهود «مازل توف» أي التهاني بالعبرية. في مشهد آخر، تطبخ مجموعة من النساء المسلمات والمسيحيات واليهود معًا قبل بداية السبت اليهودي.

تتصاعد التوترات الدينية بين الحين والآخر، على سبيل المثال، عندما يرفض مسلم شرب الشاي من الكوب نفسه مثل اليهودي، أو عندما تسخر مجموعة من الأطفال من الحاخام. وتظهر بعض الحوادث الصور النمطية لليهود.

لكن بشكل عام، يقدم المسلسل نفسه بوصفه مقدمة خيالية مثالية للعقود السبعة الأخيرة من تاريخ الشرق الأوسط، حيث نشأت دولة إسرائيل، وفرَّ معظم اليهود أو طُردوا من الدول العربية، وتبع ذلك سلسلة من الحروب الإقليمية.

صناع المسلسل: لا علاقة له بالسياسة العربية المعاصرة

غير أن الحياة في القرية المثالية وغير المبالية بالتاريخ إلى حد كبير، تهتز في وقت مبكر من المسلسل، عندما يجرى بث أخبار إقامة إسرائيل في الإذاعة، ويُقتل رجل يهودي على يد مهاجم مجهول. وتتصاعد التوترات بين الأديان، والتي ستستمر خلال بقية حلقات المسلسل، الذي تبث حلقة واحدة منه كل ليلة طوال شهر رمضان.

يصر مبدعو المسلسل وموزعوه على أنه لا علاقة له بالسياسة العربية المعاصرة. وقالت قناة «إم بي سي»، التي تسيطر عليها السعودية، في بيان إن المسلسل ركز على «التسامح والاعتدال والانفتاح والتعايش لعرض أوضاع المنطقة قبل ظهور الطائفية».

وفي مقابلة، قال علي شمس، البحريني الذي شارك في كتابة السيناريو مع شقيقه محمد، إن شخصيته الرئيسية مستوحاة من ممرضة يهودية تعرف باسم أم جان، عملت في البحرين في منتصف القرن الماضي. وقال إن العرض «أبعد ما يمكن عما قاله الناس عن السياسات الصهيونية. كان هدفنا هو الجمع بين الناس حول فكرة القبول المتبادل».

«صدمة نوعية» 

كانت ردود الفعل في المنطقة قوية ومتباينة، بحسب التقرير.

في صحيفة الشرق الأوسط المملوكة للسعودية، وصف حسين شبكشي، وهو سعودي، العرض بأنه «صدمة نوعية» للجماهير العربية، التي لم تكن معتادة على رؤية رموز يهودية مثل نجمة داوود والشمعدان اليهودي، ناهيك عن سماع المونولوجات العبرية. وأشاد شبكشي بالعرض بوصفه «جريئًا» في تطرقه إلى الحديث عن تاريخ الوجود اليهودي في العالم العربي.

ترفيه

منذ شهر
برامج هادفة ومسابقات وكثير من المقالب.. أشهر برامج رمضان 2020

لكن العديد من الفلسطينيين نددوا بما عدوه خيانة. وكتب حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، الجماعة الفلسطينية المسلحة، على تويتر بعد إطلاق المسلسل «بالنسبة لبعض أصوات التطبيع، فهي أصوات غير طبيعية، لا تعبر عن وعي الأمة الموحد».

وتوقع فريق الممثلين أن يتسبب العرض في ضجة، لكنهم فوجئوا بضراوة المناقشات. وقال عبد المحسن النمر، الممثل السعودي الذي يلعب دور حاخام البلدة، إنه كان متحمسًا لهذا الدور لأنه كان يعلم أنه سيثير ردود فعل. وسعى النمر للحصول على توجيهات حول الشخصية التي سيؤدي دورها من عضو يهودي في البرلمان البحريني، وتمرن على التسجيلات العبرية لتحسين لهجته.

لكن عبد المحسن رفض منتقدي المسلسل، على اعتبار أنهم غير مستعدين للتسليم بأن المنطقة كانت ذات يوم مختلفة عما هي عليه الآن. وقال: «العرض لم يغير أي شيء في التاريخ. اعتاد اليهود أن يكونوا في الخليج. كان لديهم مقابرهم ومنازلهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد