إن اللبنانيين قلقون من أن تصبح بلادهم ضحية أخرى للسياسة الخارجية السعودية المتخبطة، مع تفاقم الصراع في اليمن، والتهديد المستمر لقطر الذي لا يبدو أنه سينتهي عمَّا قريب.

في حيٍّ ببيروت حيث يعيش المسلمون السنة، ويعملون بجوار معقل حزب الله الشيعي في الضاحية الجنوبية، هناك دعم ضعيف للمغامرة الأخيرة للسعودية في حربها بالوكالة ضد إيران.

قالت الكاتبة اللبنانية دونا أبو النصر في مقالها على وكالة «بلومبرج» الأمريكية إن الكثيرين يعتقدون أنّ المملكة أجبرت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة خلال الخطاب التليفزيوني الذي بُثَّ من الرياض يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني). إنهم غاضبون مما يعتبرونه مهانةً جعلت مظهرهم مثل دمية سعودية. وتنقل الكاتبة عن عبد الرحمن الفطران البالغ من العمر 53 عامًا في متجره لبيع المكسرات والتمر في الطريق الجديدة (منطقة في بيروت)، حيث تُعلَّق صور الحريري على الأشجار وأعمدة الإنارة والشرفات، قوله: «نحن لا نقبل أن يعامل الزعيم السني بهذه الطريقة، ونحن نريد عودته لتهدئة الأمور حتى نتمكن من المضي قدمًا في حياتنا».

اقرأ أيضًا: حرب جديدة في المنطقة.. ملف «ساسة بوست» لكل ما تريد معرفته عن أزمة لبنان الأخيرة

وأضافت الكاتبة أنّ التكهنات في بيروت –وبين بعض المسؤولين العرب– هي أن الرياض طالبت الحريري بالاستقالة؛ لأنه لن يواجه حزب الله المدعوم من إيران. في حين يقول السنة إنهم يفهمون لماذا ينظر إلى حزب الله وإيران على أنهما تهديدان، وهناك استياء بين صفوف الشعب الذي كان السعوديون يعتمدون عليه في الوقوف إلى جانبهم. وقال بول سالم، نائب الرئيس الأول لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن: «الأزمة لم تبرز كدعم سعودي للسنة كما كانوا يأملون». وقال إن السعوديين «يلعبون لعبة أكبر مع إيران».

ترى الكاتبة أن المملكة عُرفت دائمًا بدبلوماسيتها الهادئة وراء الكواليس حتَّى بدأ ولي العهد محمد بن سلمان تدعيم سلطته في العام الماضي. واعتمد ولي العهد البالغ من العمر 32 عامًا جدول أعمال هجوميًّا ركَّز على تقليص النفوذ المتزايد لإيران في المنطقة. وقد شجعته الإدارة الأمريكية تحت حكم دونالد ترامب الذي يهدد بفرض عقوبات على إيران مرة أخرى.

وبدأ الأمير محمد حربًا منذ أكثر من عامين على المتمرِّدين الشيعة في اليمن؛ مما أسفر الآن عن أزمةٍ إنسانيةٍ كبرى. وفي يونيو (حزيران)، فرض حصارًا اقتصاديًّا على قطر بسبب علاقاتها الوثيقة مع إيران. وفقًا للكاتبة.

يبدو أن الصراعات كانت حازمة ومخططة بشكلٍ جيِّد في البداية؛ ولكن لا يبدو أنّ لهم نهاية. قالت شركة ألف الاستشارية، وهي شركة تقدم الاستشارات بشأن المخاطر السياسية في تقريرها: «السعودية ليس لديها استراتيجية واضحة لما بعد التصعيد مع إيران».

ما هو السبب الحقيقي لتدخُّل السعودية في لبنان؟

تقول الكاتبة إن السبب الرئيسي في التدخل السعودي في لبنان هو الاستياء السعودي من التعامل المتراخي مع حزب الله، الذي يحارب بمقاتليه في جميع أنحاء المنطقة، وساعد قوات بشار الأسد على هزيمة الجماعات السنية المدعومة من السعودية في الحرب الأهلية هناك. ويشعر السعوديون بالقلق إزاء تزايد قدرة إيران وحزب الله على تهديدهم بالطريقة التي يهددان بها إسرائيل من لبنان.

الحريري، المسلم السني الذي وُلد في الرياض، واغتيل والده رفيق الحريري عام 2005، قال في حديثه الأول منذ استقالته إنه هرب من لبنان لأنه خاف على حياته، وأشار الحريري إلى أن سبب الأزمة في لبنان يكمن في حرب اليمن، واستهداف المتمردون الشيعة المدن السعودية بالصواريخ. وتلفت الكاتبة إلى أن الجنرال أشرف ريفي، وزير العدل اللبناني السابق ومنافس الحريري، وقف إلى جانب السعودية، وانتقد إيران.

قال الحريري إنه سيتراجع عن استقالته إذا اتخذ حزب الله موقفًا محايدًا تجاه الصراعات الإقليمية، وأصر الحريري على أنه حر يأتي ويذهب كما يشاء، وليس محتجزًا. تقول الكاتبة إن الأزمة شهدت تحوّلًا جديدًا فى وقتٍ متأخر من يوم الأربعاء، عندما دعاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى فرنسا. وقال مسؤول فرنسي إن الحريري سيصل إلى باريس في الأيام المقبلة، وسيبقى بضعة أيام بهدف العودة إلى لبنان. وقال ماكرون في مقابلة مع قناة فرانس 24: «نحن بحاجة إلى لبنان مستقر قوي، ونحن بحاجة إلى قادة أحرار في اتخاذ خياراتهم».

لقد وحّدت الأزمة بالفعل الناس عبر ميزان القوى الطائفي الدقيق الذي حافظ على منع الصراعات الطائفية الشاملة منذ الحرب الأهلية في البلاد أثناء الفترة 1975- 1990. وتنقل الكاتبة عن الرئيس اللبناني ميشال عون، الماروني المسيحي، قوله إن الحريري معتقل في السعودية، وسأقاتل من أجل إعادته. كما دعا رئيس حزب الله حسن نصر الله إلى عودة الحريري أيضًا.

تقول الكاتبة إن الماراثون السنوي في بيروت اليوم تحوَّل إلى عرض لدعم رئيس الوزراء؛ فالمشاركون رفعوا لافتات تقول: «نحن جميعًا معك». ويقول بلال إبراهيم، 42 عامًا، وهو سنِّي مالك محل إصلاح الحواسب الآلية في منطقة الحمرا التجارية ببيروت: «إن السعودية تريد منا الوقوف ضد حزب الله حتى تندلع حرب أهلية في البلاد». وقال الفطران، وهو صاحب متجر آخر: «إن كل ما فعله السعوديون هو إضعاف زعيم سني، والمُلاحظ أنّ إيران مخلصة لحلفائها، بينما تتغير السعودية مثل الطقس». في هذه الحلقة الأخيرة، ظهر الحريري ضعيفًا، بينما بدا رئيس الدولة المسيحي وحزب الله قويين.

وتختتم الكاتبة مقالها بالجملة التالية:

نريد الحريري مرة أخرى قائدًا سنيًّا قويًّا لن يأخذ الأوامر من الآخرين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد