يحاول ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إعادة تشكيل المملكة، وتحويلها إلى مكان جديد للأعمال التجارية. وفي هذا الصدد أعدت فيفيان نيريم تقريرًا على موقع وكالة بلومبرج الاقتصادية تشير فيه إلى نذر التنافس التي تلوح في الأفق بين السعودية ودبي على موقع المركز الإقليمي الأول للأعمال.

وترى الكاتبة أنه مع التغيير في الحياة الاجتماعية والبيروقراطية في المملكة، مع حالة الانفتاح التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان على عدة أصعدة، يمكن أن تجتذب الرياض الشركات من دبي، ويشجعها على ذلك ضخامة المشروعات السعودية المزمعة، والحجم الهائل للسوق السعودي مقارنة بنظيره الإماراتي. غير أن مسؤولين تنفيذيين آخرين يرون أن الرياض يمكن أن تصبح قاطرة لإنعاش اقتصاديات الدول الصغرى المحيطة بها، وهو الموقف الذي يفضل الإماراتيون ترجيحه والحماس له. 

وتستهل الكاتبة تقريرها بالحديث عن أحد رجال الأعمال الأجانب في الرياض قائلة «تردد صوت روني فروليتش في جميع أنحاء الغرف الفارغة وهو يسير في مكتب شركته الجديد في الرياض».

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
3 أسباب تخبرك كيف أصبحت الدوحة ودبي بهذا الثراء؟

كان رجل الأعمال الألماني قد انتهى للتو من تجهيز إعدادات شبكة الإنترنت، لكنه كان يتخيل المكان بالفعل باعتباره المقر المستقبلي الصاخب لشركة «جولدن سنت» Golden Scent، وهي شركة للتجارة الإلكترونية مقرها في دبي، شارك في تأسيسها مع صديق سعودي قبل خمس سنوات. والخطوة التالية هي: نقل الموظفين من دبي وتوظيف المزيد في العاصمة السعودية. وقال: «إذا كنت تريد أن تكون كبيرًا في الشرق الأوسط، فعليك أن تكون في السعودية. ربما في ستة أشهر سنقف هنا والمكان ممتلئ».

يعكس العدد المتزايد للشركات الناشئة في الرياض منافسة غير معلنة بين الحليفين الخليجيين، من المتوقع أن تزداد هذا العام، مما يعيد تنظيم اقتصاديات منطقة تسعى جاهدة لتقليص اعتمادها على النفط، بحسب المقال. 

لقد راهنت دبي على انتعاشها الاقتصادي في معرض إكسبو الدولي 2020، وهو معرض مدته ستة أشهر للابتكار العالمي من المتوقع أن يجذب حوالي 25 مليون زائر، مع استثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية. إنها أيضًا سنة حافلة بالنسبة للسعودية، التي تتولى رئاسة مجموعة العشرين التي تضم الاقتصاديات الكبرى، وتخطط لسلسلة من الفعاليات لتعزيز تحولها الهائل.

Embed from Getty Images

مدينة دبي 

وتمضي الكاتبة في التقرير الذي نشرته وكالة بلومبرج قائلة: حتى وقت قريب، كانت دبي هي المكان المناسب للشركات الناشئة في الشرق الأوسط، مثل: جولدن سنت، التي تبيع العطور ومستحضرات التجميل. وصنعت المدينة الجذابة في دولة الإمارات العربية المتحدة سمعتها باعتبارها مركز أعمال حرًا في منطقة تعرقلها البيروقراطية.

حتى الشركات التي تركز على السوق السعودية الأكبر بكثير تتخذ من دبي مركزًا لها، نظرًا للقيود المتمثلة في قواعد الاستثمار التقييدية أو الشرطة الدينية التي تجوب الشوارع تضايق النساء وتجبرهن على تغطية أجسادهن، بحسب الكاتب.

ولكن في حين يعيد ولي العهد محمد بن سلمان تشكيل المملكة، بدأ هذا يتغير. خلال بضع سنوات فقط، فتحت المملكة الإسلامية أبوابها للسائحين لأول مرة، وخففت القيود المفروضة على النساء إلى حد بعيد، وسمحت بافتتاح دور السينما، وخطبت ود الزوار بموكب من الطهاة العالميين والحفلات الموسيقية والأحداث الرياضية.

هل تخفف بلاد الحرمين الحظر على المشروبات الكحولية؟

وتنتشر الشائعات حتى حول إمكانية تخفيف الحظر عن المشروبات الكحولية الذي طال أمده، حيث تخوض السعودية منافسة لاستعادة الأعمال التجارية التي خسرتها لصالح دول خليجية أخرى على مر السنين.

قبل خمس سنوات، كافح عبد الله التمامي، وهو رأسمالي سعودي ورئيس مجلس إدارة نظام المدفوعات عبر الإنترنت HyperPay، لإقامة شركة في بلده الأصلي. اليوم، يرى التمامي في بلده عملاقًا نائمًا يستيقظ. ويقول رجل الأعمال البالغ من العمر 34 عامًا: «أنا لا أستثمر في شركة إقليمية الآن لا تركز على المملكة العربية السعودية».  

Embed from Getty Images

مشروب كحولي يقدم في فندق شنغريلا – دبي 

تنافس اقتصادي وتشابه في قمع المعارضة

وترى فيفيان نيريم أنه لا أحد ينكر أن هناك طريقًا طويلًا يتعين اجتيازه. وتلفت إلى تزامن التحول الذي شهدته السعودية مع حملة قمع ضد المعارضة السياسية، في حين أن المعارضة لا يمكن التسامح معها أيضًا في الإمارات. أما السياسة الخارجية الأكثر عدوانية التي لا يمكن التنبؤ بها في عهد الأمير محمد بن سلمان فقد شوهت صورة المملكة في نظر بعض المستثمرين. ووجه مقتل جمال خاشقجي كاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست في عام 2018 ضربة لسمعة السعودية لم تتعاف منها بعد.

وما زالت الصعوبات اليومية قائمة. إذ يجب على العمال الأجانب في السعودية طلب «تأشيرات خروج» من أصحاب العمل لمغادرة البلاد، حتى إذا أرادوا قضاء عطلة نهاية الأسبوع خارج المملكة. وفي حين أن القيود المفروضة على ممارسات الاستمتاع خفت حدتها، لكن لا توجد مقارنة مع دبي، ولا يزال قانون الملابس المحتشمة يعوق الكثير من النساء، بحسب الكاتب. نتيجة لذلك، يتطلب الأمر برامج سخية لجذب المواهب.

لكن الناس يأتون، وليس رجال الأعمال السعوديون فحسب هم من يعودون للعمل في بلدهم. في العام الماضي، قررت شركة نرويجية كانت تخطط لإقامة مزرعة لسمك السلمون بقيمة 90 مليون دولار في الإمارات، نقلها إلى السعودية. صحيح أن سكان الإمارات يستهلكون المزيد من سمك السلمون الآن، لكن السعودية توفر نموًا مستقبليًا إذ تدفع الحكومة لاستهلاك الأسماك باعتباره خيارًا صحيًّا.

قطاع العقارات ينتقل إلى السعودية للاستفادة من المشاريع الضخمة

لاحظت وكالة توظيف Michael Page الدولية طفرة في المديرين التنفيذيين، لا سيما في قطاع العقارات، الذين يتطلعون إلى الانتقال إلى السعودية؛ بموازاة كشف المملكة اللثام عن مشاريع لمدن جديدة كاملة يمكن أن تتضاءل إلى جانبها مشاريع التطوير العقاري الإماراتية التي ترمي إلى لفت الأنظار، مثل ناطحة برج خليفة، والذي بنت دبي اسمها عليه.

وقال توم واتسون، الشريك في شركة مايكل بيج ميدل إيست: «على مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية، رأينا العديد من القادة البارزين في قطاع العقارات ينتقلون من جميع أنحاء العالم (إلى السعودية) ويتطلعون إلى المشاركة في المشاريع العملاقة».

ويرى التقرير أن المعضلة بالنسبة لدبي تتمثل في حجم السعودية الكبير؛ حيث يبلغ عدد سكان المملكة 34 مليون نسمة، وهو ما يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف سكان الإمارات، مما يجعلها أكبر سوق في الخليج إلى حد بعيد. 

وحتى لو لم ينجح الأمير محمد بن سلمان إلا في تحقيق جزء من رؤيته لتحويل البلاد، فسيكون لذلك آثاره على الدول المجاورة، التي استفادت كثيرًا من كون السعودية متجرًا مغلقًا، وفق المقال.

Embed from Getty Images

ولي العهد السعودي 

البحرين ستتأثر سلبًا بالانفتاح السعودي

كانت جزيرة البحرين، المرتبطة بساحل السعودية على الخليج بواسطة جسر، بمثابة مقصد عطلة نهاية الأسبوع للسعوديين والمديرين التنفيذيين الأجانب الذين يتطلعون إلى مشاهدة فيلم أو حفلة موسيقية. 

لكن مع كل ما هو متاح الآن داخل السعودية، يمكن للاقتصاد البحريني أن يشعر بحالة من العسر. ففي الإمارات، دفع انخفاض أسعار النفط وركود العقارات السلطات إلى إعادة النظر في قواعد الإقامة لتشجيع عدد كبير من المغتربين على البقاء في الأوقات الصعبة.

وكانت السعودية من بين الدول العشرة الأكثر تحسنًا في تقرير ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولي لعام 2020، إذ سهلت سبل إنشاء الشركات والحصول على التصاريح والطاقة والائتمان وإنفاذ العقود. 

صحيح أن الإمارات -التي تحتل المركز السادس عشر- ما زالت تقود المنطقة، لكن الفجوة تضيق بينها وبين منافسيها، حسبما يوضح التقرير.

وقال ستيفن هيرتوج وهو أستاذ مشارك في كلية لندن للاقتصاد ومتخصص في الشأن الخليجي: «من المؤكد أن هناك قلقًا في دبي حيال انفتاح السعودية. ولا أعتقد أن دبي ستفقد مكانتها باعتبارها المركز الرئيسي في المنطقة في أي وقت قريب، نظرًا لأنها تعتبر متقدمة الى حد كبير». 

Embed from Getty Images 

واستدرك قائلًا: «ومع ذلك، من المرجح أن تنتقل الشركات التي تركز على السعودية على الأقل إلى المملكة، حيث أصبحت الحياة الاجتماعية والبيروقراطية أسهل هناك».

هذا هو حال المؤسس السعودي لشركة جولدن سنت، مالك الشهاب. ففي عام 2014، حاول هو وفروليش تأسيس شركتهما في المملكة، الدولة التي كانا ينظران إليها دائمًا على أنها سوقهما المحلي. ولكن كان من الصعب العثور على مستثمرين سعوديين، وفي ذلك الوقت، كانت لدى السعودية قيود مشددة على الاستثمار الأجنبي. وقال الشهاب إن هذه القواعد تغيرت الآن، ولذا كان من المنطقي العودة إلى الوطن.

وقد ساعدت التدابير الاجتماعية أيضًا. ويستعد شهاب الآن لنقل عائلته من دبي إلى الرياض.

دبي تصعد بسبب أوجه القصور السعودية

في وقت مبكر، نظر الأمير محمد إلى دبي على أنها مدينة تبني مجدها بالاستفادة من أوجه القصور التي تعاني منها السعودية، حيث توفر مقرًا للشركات السعودية المقيمة بالخارج. وقد تخيل مشروعه المستقبلي «نيوم»، وهي مدينة تبلغ تكلفتها 500 مليار دولار، تبنى من الصفر، لتصبح مركزًا عالميًا أكبر من دبي.

غير أنه في مقابلة في عام 2017، رفض ولي العهد الحديث عن التنافس. وقال «لا أعتقد أن هونج كونج أضرت بسنغافورة أو أضرت سنغافورة بهونج كونج. إنهما تولدان طلبًا جيدًا لبعضهما البعض».

في الواقع، يقول العديد من المديرين التنفيذيين إن بروز السعودية الجديدة، والأسواق الجديدة التي ستفتحها، يمكن أن يعزز في النهاية الدول الصغيرة المنتشرة على طول الساحل في الخليج. هذا هو الموقف الذي يتخذه مسؤولو دبي، الذين اعتبروا هم أيضًا التحول السعودي بمثابة فوز للجميع.

وقال فادي غندور الرئيس التنفيذي لشركة Wamda Capital لرأس المال المخاطر في الشرق الأوسط ومقرها دبي «هذه ليست قصة إما هذه/ أو تلك. إنها قصة مزيج. دولة الإمارات والسعودية متكاملتان».

وتختتم الكاتبة تقريرها بقولها «بالنسبة لفروليش، مسؤول شركة جولدن سنت، فسوف يبقى مقر دبي قائمًا، لكنه يبحث عن مكان في الرياض أيضًا».

«سي إن إن»: هل تفلح السعودية في التحول إلى وجهة عالمية للسياحة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد