هذه لن تكون المرة الأولى التي تستخدم السعودية فيها العمال المهاجرين كوسيلة لفرض نفوذها، فقد قامت السعودية بطرد نحو 700 ألف يمني من أرضها عام 1990؛ ردًا على رفض اليمن تأييد التحالف الأمريكي السعودي ضد الغزو العراقي للكويت.

في تقرير لمجلة «ذي جلوبالِست» الأمريكية، تحدث جيمس دورسي، الزميل البارز في معهد «إس. راجاراتنام» للدراسات الدولية، عن مقاطعة السعودية والإمارات لقطر، وتطرق إلى الأسباب الحقيقية التي قد تكون وراء المقاطعة، ملقيًا الضوء على التصعيدات التي قد تقوم بها السعودية والإمارات إن لم تستجب قطر لمطالبهما.

يقول الكاتب إن كلًّا من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تكافحان لحشد تأييد الدول الإسلامية والتأييد الدولي لحملتهما على قطر. صارت دول مثل بنجلاديش وباكستان، وهما من أكثر الدول الإسلامية سكانًا، وكذلك الهند التي تحتل المركز الرابع بين دول العالم من حيث عدد المسلمين، تخشى من أن تهدد السعودية بطرد ملايين العمال المهاجرين والمغتربين من مواطنيهم. والسبب في ذلك هو أن الحوالات النقدية التي يرسلها هؤلاء العاملون لبلدانهم تعتبر بمثابة العمود الفقري لسيولة النقد الأجنبي في العديد من البلدان، كما أنهم من خلال عملهم في دول الخليج يقلّصون الضغوط على أسواق العمل في بلدانهم.

وذكر الكاتب أن هذه لن تكون المرة الأولى التي تستخدم السعودية فيها العمال المهاجرين كوسيلة لفرض نفوذها، فقد قامت السعودية بطرد نحو 700 ألف يمني من أرضها عام 1990؛ ردًا على رفض اليمن تأييد التحالف الأمريكي السعودي ضد الغزو العراقي للكويت. كما أجبرت السعودية عددًا مماثلًا من العاملين من بلدان مختلفة على مغادرة أرضها في عام 2013، بعد تشديد المملكة قانون العمل الخاص بها لتمنع العمال الأجانب من إدارة أعمالهم الخاصة وجعلهم أكثر اعتمادًا على صاحب العمل «الكفيل» السعودي الذي يسّر عملهم في البداية.

اقرأ أيضًا: ديفيد هيرست: لماذا لم يرد اسم حماس في قائمة المطالب السعودية المقدمة إلى قطر؟

المقاطعة تستهدف الجزيرة

دافع سفير الإمارات لدى روسيا عمر غُباش عن مطالبة السعودية والإمارات بإغلاق قناة الجزيرة، في إشارة واضحة إلى أن المقاطعة لا تهدف إلى مكافحة الإرهاب في المقام الأول، وإنما تهدف إلى فرض بعض السياسات. وقال غباش «لا ندعي أن لدينا حرية صحافة، نحن لا نعزز فكرة حرية الصحافة. ما نتحدث عنه هو المسؤولية في الكلام».

وأشار الكاتب إلى أن الإمارات قد سعت منذ فترة طويلة إلى تكميم قناة الجزيرة التي أحدثت ثورة في الإعلام العربي منذ إنشائها في عام 1996 من خلال تقديم إعلام أكثر تحررًا وسماحها للأصوات المنتقدة بالتعبير، والتي كسرت النمط المعتاد للإعلام العربي الذي يخضع لرقابة شديدة وسيطرة من قِبل الحكومات.

على مر السنين، كانت قناة الجزيرة محط انتقادات من العديد من الحكام المستبدين من العرب وغيرهم، بما في ذلك إدارة بوش التي اتهمتها بأنها منفذ لتنظيم القاعدة. وقد كشفت البرقيات الدبلوماسية الأمريكية المسربة من قِبل ويكيليكس عن إلحاح ولي العهد الإماراتي الأمير محمد بن زايد على الولايات المتحدة – وقت غزوها للعراق – لإجبار قطر على تقييد قناة الجزيرة، بل ووصلت بعض المزاعم إلى القول إن الأمير محمد بن زايد طلب من أحد الجنرالات الأمريكيين أن يقصف قناة الجزيرة، لكن لم يتضح ما إذا كان الأمير يقصد مقر الجزيرة الرئيس في الدوحة أم مكاتبها في بغداد. بعد ذلك، أصابت قذيفة أمريكية مولّد كهرباء في مكتب الجزيرة في بغداد، مما أسفر عن مقتل اثنين من أفراد طاقمها، لكن مسئولي الجيش الأمريكي صرّحوا حينها بأنهم لم يستهدفوا قناة الجزيرة مطلقًا.

تهديدات حادة

وقد أكد عبد الرحمن الراشد، وهو إعلامي سعودي بارز ذو علاقات وثيقة مع الحكومة، ما تحدث عنه غُباش، إذ أشار الراشد إلى أن جوهر الصراع هو دعم قطر للجماعات المعارضة في السعودية وفي دول عربية أخرى، وإعطاء قناة الجزيرة الفرصة لهم للحديث عبر شاشاتها.

اقرأ أيضًا: «إيكونومست»: مطالبة السعودية بإغلاق «الجزيرة» بلطجة

وتوعّد الراشد محذرًا الدوحة من مصير رابعة العدوية، في إشارة إلى مقتل المئات من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ساحة ميدان رابعة في أغسطس (آب) 2013 على يد قوات الأمن المصرية. وجاء ذلك بعد اعتصام استمر أسابيعَ احتجاجًا على انقلاب عسكري مدعوم من السعودية والإمارات، أدى إلى عزل محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا، وتولّي الجنرال عبد الفتاح السيسي السلطة. وأشار دورسي إلى أن الانقلاب قد سبقته مظاهرات حاشدة ضد مرسي، الذي لاقت سياساته انتقادات واسعة، والتي ساهمت قوات الأمن في التخطيط لها بدعم من السعودية والإمارات.

تغيير قريب في النظام؟

خلال الأسابيع الأخيرة، أجرت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية مع أفراد معارضين من أسرة آل ثاني – الأسرة الحاكمة في قطر – ومع ضباط سابقين في الجيش معارضين لسياسات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مما يشير إلى إمكانية دعم دول الخليج لتغيير النظام القطري. وقد صرّح سلمان الأنصاري، رئيس لجنة العلاقات السعودية الأمريكية بواشنطن والتي تعرف باسم «سابراك»، بأن الشيخ تميم قد يلقى نفس مصير مرسي.

يقول الكاتب إن خطر الضغط على الدول الإسلامية والشركاء التجاريين للسعودية والإمارات ينبع من فشل الحملة التي تقودها السعودية ضد قطر في جذب تأييد الدول الإسلامية والمجتمع الدولي، فمعظم الدول الإسلامية لا تزال على الحياد بينما تدعو الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى مفاوضات للوصول إلى حل.

دبلوماسية «دفتر الشيكات»

يقول الكاتب إن فشل السعودية والإمارات في الحصول على دعم يثير تساؤلات حول فعالية «دبلوماسية دفتر الشيكات» التي يتبعها البَلَدان منذ فترة طويلة. وأوضح الكاتب أن السعودية تقدم دعمًا ماليًا ضخمًا للمؤسسات التعليمية والدينية والثقافية السنية في جميع أنحاء العالم، بهدف تعزيز القوة الناعمة. لكن يبدو أن هذا الدعم لا يؤتي ثماره، فلم تنضم أية دولة عربية أو إسلامية كبرى إلى المقاطعة ضد قطر باستثناء مصر.

اقرأ أيضًا: «بلومبرج»: للنفط حسابات أخرى.. السعودية لا تزال صديقة قطر رغم الأزمة

حذر مسئولو الإمارات في الأيام الماضية من اتخاذ الدول المقاطِعة المزيد من خطوات عقابية ضد قطر إذا لم تلبِّ مطالبها. وربما لا تقتصر هذه الخطوات على الضغط على الدول التي تعتمد على تصدير العمالة فحسب، بل قد تشمل الشركاء من البلدان الأخرى التي لا تقدم الدعم. يقول غُباش «يمكننا فرض شروط على شركائنا التجاريين. إذا كانوا يريدون أن يعملوا معنا، فعليهم الاختيار». لم يتضح من تصريح السفير الإماراتي ما إذا كان يقصد الدول الإسلامية فقط، أم يقصد الدول الأخرى أيضًا، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا والصين.

المزيد من الضغط

في محاولة أخرى لتضييق الخناق على قطر، تحاول السعودية إقناع الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» بحرمان قطر من استضافة كأس العالم 2022، فقد اتهم اللوبي السعودي «سابراك» قطر بدعم الإرهاب. وقد نشر سابراك وثيقة أعادت طرح التساؤلات التي أثارت جدلًا طوال الأعوام الأخيرة حول نزاهة فوز قطر باستضافة كأس العالم وحول نظام العمالة الذي واجه انتقادات واسعة.

وذكر الكاتب في نهاية التقرير أن السعودية يبدو أنها تتجاهل مبدأ «من كان بيته من زجاج فلا يرمِ الناس بالحجر»، إذ إن الانتقادات الموجهة لنظام العمل يمكن توجيهها إلى نظيره في المملكة العربية السعودية كذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد