من المرجح أن يُستخدَم جزء أكبر من ثروات البلاد المُحقَّقة من دولارات النفط في دعم خُطط محمد بن سلمان التي تتسم بالمبالغة المتهورة.

نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية تحليلًا لأندرو إنجلاند، محرر شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة، وسيمون كير، مراسل الصحيفة البريطانية، ناقشا فيه التصريحات التي أدلى بها وزير المالية السعودي للصحيفة حول التغييرات التي ستطْرَأ على البنك المركزي السعودي، والتي وصفها محللون بأنها تخدم أهداف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

يستهل الكاتبان تحليلهما بالقول: من المزمع أن يشهد البنك المركزي السعودي أبرز تغييراته منذ عقود مع دخول قانون جديد حيز التنفيذ في هذا الشهر، وهو ما يقول عنه محللون إنه سيضفي طابعًا رسميًّا على جهود ولي العهد محمد بن سلمان الرامية إلى توجيه مزيد من الثروة النفطية في المملكة إلى دعم خُططه الاستثمارية التي تتسم بالمبالغة الحمقاء.

التحول من مستثمر محافظ إلى نهجٍ محفوفٍ بالمخاطر

ويقول محللون: إن الإصلاحات التي سيصبح فيها دعم النمو الاقتصادي جزءًا من اختصاص البنك المركزي السعودي (المعروف سابقًا باسم مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما») وبِناءً عليها سيرفع البنك التقارير إلى الملك مباشرةً، يمكن أن تأتي على حساب البنك المركزي، المتمثل في استثمار فائض العملة الصعبة، وتُضعِف من دوره لصالح صندوق الثروة السيادية الذي يتولى رئاسته ولي العهد.

ويرى الكاتبان أن هذا يؤكد أيضًا على تحوُّل المملكة الجذري من كونها مستثمرًا محافظًا إلى نهجٍ يتَّسم بالصرامة الشديدة والخطورة العالية، وهو ما يفضِّله ولي العهد، الابن المفضل للملك سلمان وحاكم البلاد الفعلي.

وفي تصريح لصحيفة «فاينانشال تايمز» أوضح محمد الجدعان، وزير المالية السعودي، أن التغييرات لن تؤثر على المسؤوليات الأساسية للبنك المركزي السعودي، بما فيها المحافظة على احتياطات كافية لحماية ربط الريال بالدولار والاستقرار المالي، فضلًا عن تنظيم القطاع المالي ودعمه.

Embed from Getty Images

وأضاف: «لدينا مقترح واضح لكيفية توزيع الفائض من الأموال. أولًا: إعادة بناء احتياطيات مع البنك المركزي، ثانيًا: إعادة موازنة ديوننا إذا لزم الأمر، وبذلك إذا تجاوزت هذه الديون مستوًى معينًا يمكننا تقليلها». وتابع قائلًا: «ثالثًا ورابعًا، توزيع الفائض بين صندوق التنمية الوطني وصندوق الثروة السيادية؛ لأن هذه الأموال هي التي نريد استثمارها على المدى الطويل».

ويضيف الكاتبان: يتولى ولي العهد محمد بن سلمان أيضًا رئاسة صندوق التنمية الوطني، الذي تأسس في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017 للإشراف على صناديق التنمية الحكومية ويدير أصولًا تبلغ قيمتها أكثر من 80 مليار دولار. ويقدِّر محللون أن مؤسسة النقد العربي السعودي تحتاج إلى نحو 300 مليار دولار لحماية سعر صرف الريال من عمليات المضاربة. وانخفضت احتياطات البنك المركزي السعودي الأجنبية إلى نحو 44 مليار دولار في منتصف العام الماضي.

ما الغرض من إدخال التغييرات؟

وأكد الجدعان أن التغييرات التي طرأت على البنك المركزي السعودي، أولها التغييرات التي أُدخِلت على قانون البنك المركزي منذ وضْعِه في عام 1952، تهدف إلى تحديث التشريع ومواءمته مع المعايير الدولية ومنْح المؤسسة مزيدًا من الاستقلالية؛ لأن بعض مسؤوليتها، مثل إصدار التراخيص المصرفية، كانت مُخوَّلة لوزارة المالية.

وفي السنوات الماضية تفوَّق صندوق الاستثمارات العامة على البنك المركزي السعودي، الحامي التقليدي لثروة المملكة والذي يستثمر بصفة رئيسة في السندات الأمريكية والأصول ذات المخاطر المنخفضة. ويشير الكاتبان إلى أن صندوق الاستثمارات العامة أصبح القوة المهيمنة في ترسانة ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية؛ إذ أُسنِد إليه الاستثمار بصورة نشطة خارج المملكة سعيًا إلى تحقيق عائدات أكبر، كما يريد تضخيم أصوله الخاضعة لسيطرته من 400 مليار دولار إلى تريليون دولار بحلول عام 2025.

عربي

منذ 3 أسابيع
«نيويورك تايمز»: «ذا لاين» و«نيوم».. الحقيقة المظلمة وراء أحلام السعودية الطوباوية

ويتميز صندوق الاستثمارات العامة باختصاصات على نطاق واسع موازنةً بنظرائه في الدول الأخرى الغنية بالنفط لأنه يتداخل في الاستثمار الأجنبي وتطوير المشروعات العملاقة والصناعات الجديدة. وحوَّل البنك المركزي السعودي 40 مليار دولار إلى صندوق الاستثمارات العامة من احتياطاته الأجنبية، نظرًا لمرور الصندوق بفورة إنفاق خلال الاضطرابات التي شهدتها الأسواق العالمية في الربع الأول من عام 2019.

وأضاف الجدعان، وهو عضو مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أنه لن يكون من «الطبيعي» بالنسبة للصندوق، الذي تعهَّد باستثمار 200 مليار دولار في السعودية على مدار السنوات الخمس المقبلة، أن يتلقى تحويلات من احتياطات البنك المركزي السعودي، مشيرًا إلى أن صندوق الاستثمارات العامة يمتلك تمويلًا كافيًا، وسوف يحصل على تمويل إضافي من عمليات الخصخصة وتداول أسهم شركة «أرامكو» شركة النفط الحكومية في البورصة السعودية.

كيف تُدِرُّ المملكة مزيدًا من العائدات؟

وبعد أن وصف صندوق الاستثمارات العامة بأنه «مدير الأصول» التابع للحكومة، أردف الجدعان قائلًا: «إذا كنت تريد مزيدًا من العائدات، فعليك بالمجازفة، ولكن يجب أن تكون هذه المجازفة محسوبة».

وتابع: «وسوف تلاحظ أننا أصبحنا أكثر حكمة من وضْع 70 مليار دولار في حساب مصرفي يُدِرُّ عائدات محدودة للغاية. ونحن نحتاج إلى أن نوازن بين ما تحتاجه من أموال نقدية، وما نحتاجه من أموال عالية السيولة، وما نحتاجه على المدى الطويل، وما تحتاجه على المدى الطويل سيذهب إلى صندوق التنمية الوطني وصندوق الاستثمارات العامة».

Embed from Getty Images

وأبرز الكاتبان ما قاله ألكسندر بيرجيسي، المحلل الرئيس للشؤون السعودية في شركة «موودايز» (شركة استثمارية تهتم بإجراء التحليلات والأبحاث الاقتصادية وتقييم مؤسسات خاصة وحكومية على الصعيدين المالي والائتماني)، إذ أشار إلى أن السؤال الأهم هو ما إذا كانت التغييرات التي سيجريها البنك المركزي «ستقلل من الشفافية»؛ لأن صندوق الاستثمارات العامة «لا يقدم سوى إيضاحات قليلة للغاية». وأضاف: «هذا سيزيد من صعوبة معرفة ما استثمره (صندوق الاستثمارات العامة) في الأصول الخارجية السائلة مقابل ما جرى ضخه في مبادرات تنويع محلية».

برنامج جديد

وأكد الجدعان أن الرياض تمضي نحو اتباع نهج يتمتع بمزيد من التماسك لإدارة مواردها وأصولها. وأضاف: «نعملُ على إعداد برنامج إدارة الأصول والخصوم حتى يمكننا إظهار موقف الحكومة من الأصول السائلة والأصول غير السائلة والاستثمارات والخصوم، وذلك سيخفف من حدة إجراء مناقشات حول حقائق صندوق الاستثمارات العامة أو صندوق التنمية الوطنية أو البنك المركزي؟ وسيوفر وضوحًا بشأن وضع الحكومة المالي، الأقوى بكثير مما يعتقده الناس».

دولي

منذ 3 أسابيع
«فورين بوليسي»: على بايدن أن يعامل السعودية مثل أي دولة أخرى

واستشهد الكاتبان بما قاله رافي بهاتيا، مدير أحد أقسام «شركة إس بي جلوبال ريتنجس» (شركة أمريكية معنية بتصنيف الائتمان وتهتم بإجراء تحليلات حول الأسهم والسندات والبضائع)، إذ أوضح أن الحد الفاصل بين احتياطات البنك المركزي السعودي وأصول صندوق الاستثمارات الوطنية سيكون «أمرًا يتعين علينا متابعته»، مضيفًا أن: «السؤال المطروح هو هل يحصلان على عائدات جيدة وستزيد أصولهما ازديادًا مطَّردًا مع مرور الوقت؟ أم هل سنرى نهجًا محفوفًا بمزيد من المخاطر»؟

واختتم الكاتبان تحليلهما بالقول: في الشهر الماضي عُيِّن فهد المبارك، الذي يتمتع بخبرة مصرفية استثمارية، في منصب محافظ البنك المركزي في ثاني ولاية له. يقول أحد كبار أصحاب البنوك في الخليج: «ولي العهد يريد التعجيل بتطوير البلاد بعيدًا عن النفط بأقصى سرعة. إنه في عجلة من أمره ويحتاج مؤيدين حتى يجعلهم يستثمرون بأسرع ما يمكن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد